Menu

التنوير العربي: الجينات الدينية وتأثيرها على الوعي العربي

معاذ بني عامر

نهاية سبعينيات القرن الماضي، صُدم الوعي العربي صدمة مزدوجة على المستوى الديني: الأولى، داخلية؛ متعلقة بحادثة جهيمان التي تمّ بموجبها احتلال الحرم المكّي من قبل جهيمان العتيبي وأتباعه، وإعلان ظهور المهدي المنتظر، المتمثّل بشخصية "محمد بن عبدالله القحطاني"، في استعادةٍ ملحمية لبشارةٍ نبوية قديمة، وجلب بَرَكَات تلك البشارة القُدسية إلى جاهليتنا المعاصرة من أجل تطهيرها من أرجاسها وموبقاتها.
والثانية، خارجية؛ متعلقة بإعلان قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحت وصاية "الخميني"، بصفته نائباً عن الإمام الغائب (المعادل اللاهوتي الموضوعي للمهدي المنتظر عند أهل السنّة والجماعة)، سعياً وراء استعادة زمنه المُتنوّر، وإخضاع الزمن الحالي لإحداثيات ذلك الزمن، لكي يتطهّر وتنتفي عنه الدناسات الكبيرة.
عندما انهارت دولة الخلافة العثمانية في العام 1924 على يد مصطفى كمال أتاتورك، لم يأخذ هذا الانهيار بُعداً فجائعياً في ضمير العالم العربي يومذاك، بسبب الظلم الذي كانت قد تعرّضت له البلاد العربية، والمهانة التي لحقت بأجيال عربية كثيرة، على يد العثمانيين.
وعندما قامت دولة باكستان في العام 1947 بصفتها دولة إسلامية، لم تأخذ بعداً فرائحياً في الضمير العربي، بسبب البعد المكاني عن الرقعة الجغرافية لباكستان عن العالم العربي.
مع حادثتي جهيمان وقيام الدولة الإسلامية الإيرانية، سينقلب الوضع رأساً على عقب، فيما تعلّق بالبُعدين: 1- الفجائعي؛ و2- الفرائحي.
فالحادثة التي أقدم فيها جهيمان العتيبي وأتباعه، لغاية استعادة الزمن النبوي واستجلاب شخص طوباوي -شبيه تماماً بشخص النبي الكريم- إلى عالمنا المُدنّس من أجل ختنه ختنةً دينية، وتطهيره من الرجاسات التي أصابته بسبب الابتعاد عن كتاب الله وسُنّة نبيه، وما رافق ذلك من إسالة للدماء على المستوى الظاهري، ستُستعاد هذه الحادثة كحدثٍ فرائحي في الضمير العربي، بصفتها فاتحة لنهايات الزمان الإنساني الذي بشّر به الدين الإسلامي، وبداية الزمن الإلهي إذ يتجلّى تجلّيه الأكبر في أشخاص يُجسّدون ملحمة المملكة الإلهية على الأرض قبل إفناء هذا العالم والانتقال بالتالي إلى العالم اللامتناهي.
أما حادثة قيام دولة إسلامية في إيران، واتخاذها صبغة شيعية، ويتزعمها رئيس يأخذ شرعيته من متنٍ شيعي قديم بصفته الامتداد القدسي للإمام المُغيّب، ستُستعاد كحادثة فجائعية بصفتها استهدافاً لأهل السُنّة والجماعة في العالَم العربي.
مرحلة ما بعد الحادثتين، سيتم طمر حادثة جهيمان على مستوى الوعي واعتبارها حدثاً كارثياً في السياق العربي الحديث، إلا أن استعادةً لا واعية لها -عبر حركات إسلامية- ستبرز إلى العيان، إلى درجة الوصول إلى حركات جهادية عنيفة ستُعلن عن دول إسلامية جديدة، ميزتها الأساسية تطبيق ما ورد في الكتاب والسنة كما فهمه السلف الصالح، على شرطنا الزمكاني الحالي.
وسيتم إبراز حادثة قيام الدولة الإسلامية الإيرانية إلى المستوى العلني  والواعي، والعمل على مكافحة المدّ الشيعي، لاسيما بعد امتداداتها في المنطقة العربية، عن طريق بعض الأحزاب والمؤسسات الدينية.
بين هذا وذاك، سيبرز السؤال الديني إلى الواجهتين: العقلية والواقعية، في العالم العربي، وستنخرط أجيال كاملة في الحِراك المعرفي، ما كان منه شفهياً كما حدث للأغلبية الساحقة، عبر مناقشات وحوارات وجلسات وندوات، أو ما كان منه كتابياً كما حدث مع النُخب المثقفة، والمؤلفات التي صدرت تباعاً في العالم العربي، وقاربت السؤال الديني ومدى تأثيره على إجابات الإنسان العربي في علاقته بمنظومته الوجودية: صغرياتها وكبرياتها.
بالتقادم، ستتمّ إماطة اللثام عن الثِقَل الحقيقي للسؤال الديني وحمولته الكبيرة التي يضغط بها على الاجتماع الإنساني، بصفته المُكوّن ليس فقط الروحي للإنسان العربي، بل والمكوّن العقلي لهذا الإنسان، وهذا ما سأفصّله في حلقة مقبلة.

 

www.alghad.com/articles

 

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

Deprecated: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in /home/gulffree/public_html/libraries/joomla/filter/input.php on line 656

Deprecated: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in /home/gulffree/public_html/libraries/joomla/filter/input.php on line 659