Menu

أقسام الحديث

أقسام الحديث

 

قسّم علماء «علم الدراية» الحديثَ بشكل عام إلى قسمين: متواتر وآحاد.

 

فالمتواتر: هو ما بلغ رواتُهُ من الكثرة مبلغاً تحيلُ العادةُ معه إمكان تواطئهم- أي اتفاقهم - على الكذب، واستمرّ ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدّد. ولأجل تحقّق التواتر على نحو يصبح الحديث مفيداً للعلم والقطع بصدوره، لا بدّ من تحقّق عدّة شروط أهمّها: أن يكون عدد الرواة في كل طبقة كثيراً إلى درجةٍ يستحيل معها اتّفاقهم على الكذب، أي أنْ يرويَهُ جماعةٌ كُثُرٌ يحيل الإنسانُ عادةً احتمال تواطئهم على الكذب، يرووهُ مباشرةً -أي بدون وسائطَ مجهولة- عن جمٍّ غفيرٍ آخر يحقّقون أيضاً الشرط ذاته، أي استحالة اجتماعهم على الكذب، عن جماعة أخرى مماثلة حتى يصل الأمر إلى جماعة كثيرة أيضاً سمعوا الحديث مباشرة من النبي أو الإمام، بحيث أنه لو وُجد شخصٌ واحدٌ في إحدى الطبقات أو وُجدَت جماعةٌ من الأشخاص لم يتّصفوا بذلك الوصف (أي استحالة التواطؤ على الكذب) لم يكن الحديث متواتراً.

 

ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن تحقُّق هذا المعنى (أي استحالة التواطؤ على الكذب) لا ينحصر في عدد خاصّ من الرواة بل المعتبر العدد المحصّل للوصف فقد يحصل في بعض المخبرين بعشرة وأقلّ، وقد لا يحصل بمئة، بسبب قربهم إلى وصف الصدق وعدمه.

 

وخلاصة الأمر أن تحقق التواتر في الحديث مرتبطٌ بأن يبلغ رواتُهُ في الكثرة مبلغاً تحيل العادةُ تواطُؤَهم على الكذب وأن يستمر ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدد فيكون أوله في هذا الوصف كآخره ووسطه كطرفيه، وبهذا -كما يقول الشهيد الثاني- [ينتفي التواتر عن كثير من الأخبار التي بلغت رواتها في زماننا ذلك الحدّ لكن لم يتفق ذلك في غير زماننا خصوصاً في الابتداء، وظنّ كونها منها من لم يتفطّن لهذا الشرط](190).

 

ويقول بعد صفحتين موضحاً هذا المعنى [وحديثُ إنما الأعمال بالنيّات ليس من المتواتر وإن نقله الآن عدد التواتر وأكثر، فإن جميع علماء الإسلام ورواة الحديث الآن يروونه وهم يزيدون عن عدد التواتر أضعافاً مضاعفة، لأن ذلك التواتر المدّعى قد طرأ في وسط إسناده دون أوّله، فقد انفرد به جماعة مترتبون أو شاركهم من لا يخرج بهم عن الآحاد، وأكثر ما ادُّعي تواتره هو من هذا القبيل... بل ربما صار الحديث «الموضوعُ» ابتداءً، متواتراً بعد ذلك!... نعم حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» يمكن ادعاء تواتره فقد نقله عن النبيِّ الجمّ الغفير (من الصحابة)(191).

 

والحديث المتواتر أيضاً ينقسم إلى قسمين: لفظيٌّ ومعنويٌّ.

 

فالحديث المتواتر لفظاً: هو ما اتّحدت فيه ألفاظ المخبرين في خبرهم، أي أن تتطابق ألفاظ وجمل مَن رَوَوْهُ في كل الطبقات.

 

والحديث المتواتر معنوياً: إذا اتّحد معنى الحديث ومدلوله فقط ولكن تعدّدت ألفاظ المخبرين به وجُمَلُهم، غير أنها تدلُّ بالتضمُّن والالتزام على ذلك المعنى الواحد.

 

وعلى كل حال إن إحراز تواتر الحديث -باستثناء موارد «ضروريّات الدين»- أمرٌ عسيرٌ للغاية بل هو من المحالات تقريباً، لأنه بعد حصول كل تلك الثورات والتغيّرات في الإسلام خاصّة تلك المعارك المتعلّقة بالحديث، كيف يمكن أن نحرز أن رواة الحديث الفلاني مثلاً يَصِلُون في جميع طبقاتهم -أي من زمان المعصوم وحتى زماننا- إلى حدّ التواتر؟. ولهذا يقول الشهيد الثاني: [إن التواتر يتحقق في أصول الشرائع كوجوب الصلاة اليومية وأعداد ركعاتها والزكاة والحج تحقّقاً كثيراً وفي الحقيقة مرجع إثبات تواترها إلى المعنوي لا اللفظي...وتحقّقه (أي التواتر) قليلٌ في الأحاديث الخاصة المنقولة بالألفاظ المخصوصة لعدم اتفاق الطرفين والوسط فيها وإن تواتر مدلولها في بعض الموارد كالأخبار الدالّة على شجاعة عليٍّ عليه السلام وكرم حاتم ونظائرهما](192).

 

إذن أصبح معلوماً مما ذُكر أنه لا توجد أخبارٌ حول تعاليم الإسلام يمكن القول على نحو اليقين أنها متواترة سوى ضروريات الدِّين، والمتواتر من بين الأحاديث التي بين أيدينا، لاسيما المتواتر اللفظي، في غاية الندرة، ويوجد عدد من الأحاديث التي تتعلّق بمسائل الدِّين الضرورية متواترةً تواتراً معنوياً.

 

وللأسف لقد وقع اشتباه عجيب في هذه المسألة كما وقع في مسألة «ضروريات الدين» وسائر المسائل الدينية! فكما أن عديمي العقل يعتبرون كلَّ أمر شائع مشهور، ولو لم يكن له أصل بل كان مجرَّد خرافة، من ضروريات الدِّين، ويعتبرون منكره كافراً، كذلك كلَّما رؤوا حديثاً منتشراً في عدد من الكتب (خاصة الكتب المطبوعة) أو سمعوا عدداً من الأفراد يروونه ويتناقلونه، اعتبروه دون تأمّل من الأحاديث المتواترة!!!

 

خبر الآحاد: وهو ما لا ينتهي إلى المتواتر أي الذي لا يصل رواته إلى حدّ التواتر سواء كان الراوي واحداً أم أكثر، فإذا كان الراوي واحداً سُمي الحديث «غريباً» وإن كانا اثنين أو ثلاثة سُمي الحديث «مستفيضاً» أو «مشهوراً».

 

وقد قسّموا أخبار وأحاديث الآحاد من ناحية أحوال رواتها وأوصافهم على عدّة أقسام هي التالية:

 

1- الصحيح، وهو ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل الإماميِّ العدل عن مثله في جميع الطبقات، بحيث لو فَقَدَ رُوَاتُهُ أو راويه في إحدى الطبقات ذينك الوصفين لم يعد الحديث صحيحاً.

 

فصحَّةُ الحديث منوطةٌ بكون تمام رواته إماميين عدول، وتُعرف العدالة بتنصيص عدلين عليها وبالاستفاضة بأن تشتهر عدالته بين أهل النقل وغيرهم من أهل العلم، أي أنه عندما لا تكون العدالة مشهورةً مستفيضةً فلا بدَّ من شاهدَي عدل ينصُّون صراحةً على كون الراوي إمامياً عادلاً (193).

 

وهذا كلّه بشرط أن لا يكون هناك مَن قَدَحَ في ذلك الراوي بفسق أو بفساد عقيدة لأنه في مثل تلك الحالة يُقَدَّم قول الجارح -باتفاق جمهور العلماء- حتى ولو كان عدد المعدّلين أكثر من عدد الجارحين(194).

 

فمثلاً «المعلّى بن خُنيس» رغم أن المرحوم الشيخ والمحقق البحراني والمجلسي الأول وابن طاووس عدّلوه ووثّقوه، ولكن بما أن النجاشي والغضائري ضعّفاه واعتبراه من الغلاة لذا لن نقبل رواياته بوصفها روايات صحيحة.

 

ولكن تقديم قول الجارح إنما يتمّ عندما لا يلزم تكذيب كلام المعدّل في شهادته كما إذا قال المزكّي: «هو عدلٌ»، وقال الجارح: «رأيته يشرب الخمر»، فإنَّ المزكّي إنما شهد بالملكة وهي لا تقتضي العصمة حتى يُنافي صدور المحرّم منه فيجتمعان، فإنه لا يُعتبر في العدالة ملازمتها في جميع الأحوال، فلعلّه ارتكب الموجب للجرح في بعض الأحوال التي فارقته (العدالة) فيها(195).

 

أما إذا لم يمكن الجمع بين الجرح والتعديل كما إذا شهد الجارح بقتل إنسان في وقت، فقال المعدّل: «رأيته بعده حياً»، فهنا لما تعارض الخبران فقد ذهب بعض العلماء - وهو المحكي عن الشيخ الطوسي رحمه الله في الخلاف- إلى تساقطهما(196) (أي رفض كلا القولين)، وذهب الشهيد الثاني إلى أنه إن حصل المرجِّحُ، بأن يكون أحدهما أضبط وأورع أو أكثر عدداً أو نحو ذلك فيُعمل بالراجح ويُترك المرجوح فإن لم يتّفق الترجيح وجب التوقّف للتعارض، مع استحالة الترجيح من دون مرجِّح(197).

 

2- الحسن، وهو ما اتصل سنده بإماميّ ممدوح من غير نصّ على عدالته ولا تصريح بضعفه، مع تحقّق ذلك في جميع مراتبه، ومع اتّصاف بقيّة رجاله بأوصاف رواة الحديث الصحيح، أي الحديث الحسن هو الحديث الذي يكون واحدٌ من رواته أو أكثرُ إمامِيِّين ممدوحين، ويكون بقيةُ رواتِهِ عدولاً إمامِيِّين.

 

3- الموثّق، وهو ما دخل في طريقه مَن نصّ الأصحابُ على توثيقه مع عدم كونه إماميّاً، وكان سنده متّصلاً إلى المعصوم، وهنا أيضاً لا بدّ من اتصاف جميع الرواة بهذا الوصف أو اتصاف بعضهم بذلك واتصاف البقية بأوصاف رواة الصحيح.

 

4- الضعيف، وهو ما لا يجتمع فيه شروط أحد الثلاثة المتقدّمة، أي بأن يشتمل طريقُه على مجروح بالفسق ونحوه أو مجهول الحال أو ما دون ذلك كالوَضَّاع.

 

وقد عبّروا عن الحديث الضعيف بألفاظ متنوعة أو قسّموه إلى عدّة أقسام هي التالية:

 

1- الموقوف، هو الحديث الذي رُويَ عن مصاحب المعصوم. فالأحاديث التي رُويت في تفسير آيات القرآن عن أصحاب النبي الأكرم كلّها من نوع الحديث الموقوف.

 

2- المضمر، وهو ما يُطوى فيه ذكر المعصوم عليه السلام عند انتهاء السند إليه، بأن يُعبَّر عنه عليه السلام في ذلك المقام بالضمير الغائب، إما لِتقيَّةٍ، أو سبق ذكرٍه في اللفظ أو الكتابة ثم عَرَض القطع لِداع، وذلك كما لو قال «سَأَلتُه»، أو «سَمِعتُه يقول» أو عنه، أو نحو ذلك.

 

3- المرسل، هو الحديث الذي حُذف جميع رواته أو بعضهم أو ذُكر بألفاظ مبهمة مثل: قال بعض أصحابنا، فإن سقط شخص واحد من إسناده سُمي «مقطوعاً» ومنقطعاً، وإن سقط أكثر من واحد فهو«المعضل».

 

4- المهمل، وهو ما لم يُذكر بعض رواته في كتب الرجال ذاتاً ووصفاً.

 

5- المجهول، وهو ما ذُكر رواته في كتب الرجال ولكن لم يُعلَم حال البعض أو الكلّ بالنسبة إلى العقيدة.

 

6- الموضوع، وهو المكذوب المختلق المصنوع وهو - كما يقول الشهيد الثاني- شرّ أقسام الضعيف ولا تحل روايته للعالم إلا مبيناً لحاله من كونه موضوعاً(198).

 

إلى هنا أختتم ما أردتُ ذكره حول التعريف بجانب من مزايا الإسلام، وشرح وضع الحديث، والذي أمطتُ خلاله اللثام عن كثير من الخرافات والأساطير التي تسربت من ملة اليهود وسائر الملل الأجنبية إلى الإسلام وحوَّلها مرُور الزمان إلى جزء من تعاليم الإسلام ومعارفه، لاسيّما موضوع «الرَّجْعَة» الذي اتّضح إلى حدٍّ ما وفَهِمَ أولو الألباب من أمره ما يجب أن يفهموه، والآن ولأجل أن تتضح هذه المسألة لإخوتي في الدين بشكلٍ كاملٍ سآتي إلى تفصيل القول في هذه المسألة «الرَّجْعَة» وأبحث فيما كتبوه أو قالوه بشأنها.

 

الهوامش:

(190) الشهيد الثاني، البداية في الدراية، ص12-13.

 

(191) الشهيد الثاني، البداية في الدراية، ص15.

 

(192) الشهيد الثاني، البداية في الدراية، ص14.

 

(193) الشهيد الثاني، البداية في الدراية، ص86-87، (من الطبعة القديمة)، أو ص69 من الطبعة الجديدة.

 

(194)الشهيد الثاني، البداية في الدراية، ص91 (من الطبعة القديمة)، أو ص 73 من الطبعة الجديدة

 

(195) انظر مقباس الهداية، ص64، والبداية، ص91.

 

(196) مقباس الهداية ص64.

 

(197) البداية، ص92. (أو في الطبعة الثالثة للدراية: ص73.

 

(198) الشهيد الثاني، البداية، ص21- 70، والدراية، ص77-103. والمامقاني، مقباس الهداية، ص33-52. (وهو في الطبعة الثالثة من الدراية للشهيد الثاني في ص19-55).

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

Deprecated: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in /home4/gulffree/public_html/libraries/joomla/filter/input.php on line 656

Deprecated: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in /home4/gulffree/public_html/libraries/joomla/filter/input.php on line 659