Menu

سُجُونُ العَقْلِ العَرَبِيِّ ..... طارق حجي


طارق حجي

سُجُونُ العَقْلِ العَرَبِيِّ


هذا الكتاب....
لم يعذبني كتاب كما فعل هذا السفر. كتبت ونشرت فصولاً منه في كتب متفرقة : (نقد العقل العربي) و (الثقافة أولاً وأخيرًا) و ( قيم التقدم) و (تأملات في العقل المصري) ... وأخيرًا جلست (منذ ستة شهور) وأعدت كتابة وترتيب جُلَّ ما سبق مع فيض من الحذف والإضافة والتعديل؛ بما يسمح لي بوصف ما حدث بإعادة الكتابة. وهكذا يصح (أرجو ذلك) أن أقول إن هذا السفر هو النص الناسخ لكل كتاباتي السابقة عن الحالة الراهنة للثقافة العربية المعاصرة، و بالتالي العقل العربي المعاصر.
ومادة هذا الكتاب (القديم - الجديد) تقول إن العقل العربي المعاصر هو أسير ثلاثة سجون سميكة الجدران، هى سجن الفهم البدائي للدين؛ وسجن الموروثات والمفاهيم الثقافية التي أثمرتها تجربتنا الثقافية-التاريخية؛ ثم سجن الفزع والجزع والرعب من الحداثة والمعاصرة؛ بحجة التخوف على خصائصنا الثقافية من الضياع والاختفاء والزوال أو امتزاج الدماء الشريفة لهذه الخصوصيات بالدماء غير الشريفة لثقافات وافدة ! ... وأرجو أن يغفر لي القراء الذين تابعوا هذا المشروع الفكري كثرة التعديلات التي شابته و اعترته و لازمته (بل و تابعته) لأكثر من عشر سنوات (نشرت دار المعارف كتيبي "نقد العقل العربي" فى 1998) . وعذري ومبرري هو جسامة وأهمية الموضوع؛ فمحنتنا المعاصرة والتى جعلتنا أبعد ما نكون عن طموحاتنا ليست ثمرة عوامل سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية فحسب بقدر ما هي (في المقام الأول) ثمرة عوامل ثقافية هي التي يتناولها هذا الكتاب ... وإن كنت لا أنكر دخول العوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في علاقة جدلية تعطي مقام الأولية لكل منها مع اختلاف زاوية التناول لمحنة مجتمعاتنا الآنية والتي أخذتنا بعيدًا عن مسيرة التقدم والتمدن الإنسانيين.
طارق حجي.
القاهرة أول سبتمبر 200
الباب الأول
سجن الكهنوت
أو سجون رجال الدين و تفسيراتهم
و رؤاهم المضادة للعصر و العلم و الإنسانية
مقدمة
يهدفُ هذا الباب إلى أن يضع أمام القارئ المَعْنِيَّ بأمر الإسلام السياسي حقيقة أن الجناح الأكثر تشددًا بين المتأسلمين لا يكف عن محاولةِ الإطاحةِ بكل الأجنحة الأكثر وسطية واعتدالاً داخل عالم المتأسلمين، ناهيك عن عدائه غير القابل للانحسار لغير المسلمين كافة.
عندما هُزم الاتحاد السوفيتي في أفغانستان بعد قرابة عشر سنوات من الحرب بين المجاهدين والسوفيت الذين غزوا أفغانستان في أَواخر السبعينات، تمكن الجناحُ الأكثر تشددًا على الإطلاق من تصفية باقي الأجنحة وانتهت أفغانستان لقمةً سائغةً في فم طالبان والملا عمر.
وفي إيران (منذ 1979) أسفر الصراع بين المتشددين والمعتدلين بعد ربع قرن عن تقدم كبير للمتشددين وتأخر كبير للمعتدلين. وكانت آخرُ حلقات تقدم المتشددين متمثلة في فوز أحمدي نجاد بمنصب رئيس الدولة – وهو رجل بالغ التشدد انتخبه ناخبون بالغو التشدد أيضًا.
ولكنني أُريد هنا أن أعطي القارئ صورة أكثر وضوحًا عن حقيقة أن الجناح الأكثر تشددًا في عوالم المتأسلمين لا يكف عن محاولة طرد وتصفية الأجنحة الأخرى المعتدلة والوسطية (والاعتدال هنا نسبي أي بالنسبة لذروة التشدد وليس بالنسبة للآراء العصرية ومفاهيم وقيم المجتمعات المتقدمة).

في سنة 1744 أسس رجلان هما الداعية محمد بن عبد الوهاب وقاضي الدرعية محمد بن سعود الحقبة السعودية الأولى، والتي استمرت حتى دمرها إبراهيم باشا ابن محمد علي مؤسس مصر الحديثة سنة 1819. وقد قامت الدولةُ السعودية الأولى على آراء ومفاهيم للإسلام بالغة التشدد تستبعد كل مدارس الفقه الإسلامي (مثل المذهب الحنفي والمالكي والشافعي وفقه الشيعة وأهمه فقه جعفر الصادق وسائر المذاهب الفقهية الأخرى) باستثناء الخط الواصل ما بين الفقيه ابن حنبل والداعية محمد بن عبد الوهاب مرورًا بابن تيمية وابن قيم الجوزية. وكان العداءُ للعالم الخارجي (عن نجد) من أبرز معالم هذه الحقبة. وكذلك العداء السافر المبالغ فيه لكل مظاهر التغيير عن الحياة النجدية.
وقد ظل الحلفُ السعودي/الوهابي خارج السلطة منذ أن دمر إبراهيم باشا "الدرعية" عاصمة الوهابيين (1819) حتى ليلة 15 يناير 1902 عندما تمكن الأميرُ الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود (بعد هروبه سرًّا من منفاه في الكويت وتسلله في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الربع الخالي) من السيطرة على الرياض – بادئًا رحلة تأسيس الدولة السعودية الثالثة. وخلال الفترة من 1819 إلى 1902 قامت دولة سعودية ثانية لفترة وجيزة انتهت بهزيمة السعوديين (وقائدهم فيصل بن سعود الجد المباشر لعبد العزيز بن سعود) في أوائل العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وتحول الحكم إلى آل الرشيد، واضطرار آل سعود للهجرة إلى منفاهم في الكويت.
وباختصار، فإن الأميرَ الشاب عبد العزيز بن سعود (والذي كان في السادسة والعشرين عندما استولى على الرياض بادئًا تأسيس الدولة السعودية الثالثة) شرع في توسعة نطاق دولته. وخلال السنوات من 1902 وحتى تمام استيلائه على الحرمين الشريفين باستسلام المدينة المنورة في 5 ديسمبر 1925 كان حلم عبد العزيز بن سعود قد وصل (جغرافيًّا) إلى أقصى مداه. وقد شهدت السنوات من 1902 إلى 1925 العديد من الحروب والتحالفات والصراع الشرس. وخلال تلك السنوات كان عبد العزيز بن سعود يعتمد على ثلاثة أمور أساسية: على جنود متعطشين للقتال تعطشًا لا نظير له ومستعدين للموت استعدادًا يصعب مضاهاته؛ ثم على حكمته وحنكته وبعد نظره وقدراته نادرة التكرار؛ وثالثًا وأخيرًا على بريطانيا التي كانت اللاعب الدولي الأول والأكبر والاقدر في هذا المكان في هذا الزمان.
أَما جنودُه المتعطشون للقتال بشراسة المستعدون للموت دون ذرة تردد فكانوا هم الجماعة التي عُرفت باسم "الإخوان" والذين لا يختلف المؤرخون لتلك الفترة على أن عبد العزيز بن سعود ما كان له أن يتحول من أمير لمدينة الرياض فقط يوم 15 يناير 1902 إلى سلطان نجد والحجاز (فعليًّا) منذ 5 ديسمبر 1925 بدونهم وبدون تعطشهم نادر المثال للقتال وللموت في آن واحد.

كان "الإخوان" من أشد المسلمين كراهية للأجانب (ويسمون عندهم كلهم بالكفار) ومن أشد البشر كراهية لكل مظاهر المدنية مثل التليفون والسيارة والإذاعة بل كانوا يعتبرون ارتداء عباءة مذهبة الأطراف بدعة وكفرًا ومروقًا عن الإسلام.
تركهم عبد العزيز بن سعود دون صدام معهم طيلة فترة احتياجه إليهم (حتى ديسمبر 1925). ولكن بعد أن أدرك أن حلمه لن يتجاوز ما تحقق قيد أَنمله: فبريطانيا لن تسمح له بالاستيلاء على الأركان المائية الأربعة للجزيرة العربية (الكويت، عمان، اليمن، وما هو الآن الأردن) .. كما لن تسمح له بإسقاط عرشي الأخوين فيصل (في العراق) وعبد الله (في شرق الأردن) (ابني آخر شريف لمكة التي تركها في سنة 1925 لتسقط في يد عبد العزيز بن سعود والوهابيين) أصبح عبد العزيز في مواجهة لا يمكن تجنبها مع "الإخوان".

كان الإخوان يكرهون الأجانب، وكان عبد العزيز بن سعود قد أخذ في إحاطةِ نفسهِ بالعديد من البريطانيين إدراكًا منه أن خيوط اللعبة كلها في يد بريطانيا. وكان من أقرب مستشاريه رجل المخابرات البريطانية "جون فيلبي". كما قرب إليه كثيرين مثل محمد أَسد (يهودي بولندي اعتنق الإسلام وكان مقربًا للغاية من عبد العزيز بن سعود) والكاتب اللبناني الماروني أمين الريحاني، وعدد من المصريين مثل حافظ وهبه الذي أصبح سفيرًا للسعودية في لندن .. وغيرهم.
وقد شعر "الإخوان" أن في وجود هؤلاء على أرض الجزيرة إهانة للإسلام (وهو ما كرره أسامة بن لادن بعد ذلك بعقود). كذلك شعر الإخوان بالحنق من قرار عبد العزيز بن سعود بإيقاف القتال. فهم (حسب مذهبهم) لا يعرفون لنهاية القتال وقتًا قبل إدخال كل أهل الأرض في الإسلام.
وثالثًا، شعر الإخوان بالذهول عندما قال كبارُهم إن عبد العزيز قد تغيّر، فقد تحرك (في سنة 1925) من الرياض إلى مكة على ظهر جمل، وعاد من مكة إلى الرياض بعد استيلائه على المدينتين المقدستين في سيارة – وهي بدعة لا يمكن للإخوان قبولها.
وبدأت المشاحناتُ بتمزيق "الإخوان" خطوط الهاتف وتكفيرهم لوجود الأجانب (الكفار!) على أرض الجزيرة وحربهم ضد التليفون والسيارة والكهرباء ثم الراديو (الذي كانوا على يقين أن الشيطان يسكنه).
وهكذا، أصبح من المحتم على عبد العزيز منذ أوائل 1926 وبعد أن أصبح سلطانًا لنجد والحجاز أن يدخل في مواجهة مع الذين كان - منذ سنوات - يقول إنهم أبناؤه وجنده. وتصاعدت المواجهةُ إلى حرب وقتال انتهى بانتصار قوات عبد العزيز بن سعود وهزيمة الإخوان بقيادة فيصل الدويش (مع نهاية عشرينات القرن العشرين).

ولكن نظرًا لأن الحلف القديم (حلف 1744 بين ابن عبد الوهاب وابن سعود) كان ساريًا في كل أنحاء جسد الدولة السعودية الثالثة، فإن "عقلية الإخوان" لم تنته بهزيمة قواتهم بقيادة فيصل الدويش أمام قوات عبد العزيز بن سعود، وإنما تحولت إلى تيارين:
- تيار مهادن على السطح وموجود داخل النظام (يذكر Robert Lacey في كتابه المهم – بإلإنجليزية – "المملكة – العربية وبيت سعود" أن أحفاد محمد بن عبد الوهاب الذين أصبح لقبهم "آل الشيخ" والذين يمثلون أحد أربع عائلات تحكم المملكة يحتكرون مناصب وزير التعليم العالي ووزير العدل ووزير الحج ووزير الزراعة إلى جانب وزارات أخرى ومناصب عليا محجوزة لهم في الشرطة والجيش).
- تيار لم يتنازل عن "ذرة" من ذهنية الإخوان الذين حاربهم عبد العزيز بن سعود وهزمهم مع نهاية عشرينات القرن العشرين، وهؤلاء أصبحوا حركة سرية أو حركة من حركات تحت الأرض. وظلت هذه الحركة تبرز من حين لآخر. ومن أمثلة بروزها معارضتها افتتاح ثانويات للبنات معارضة انتهت بقتل الشرطة أحدهم في ستينات القرن العشرين وكان ابن أخ الملك الذي كان يحكم وقتها (فيصل). وقد قام شقيق القتيل بعد عشر سنوات بقتل عمه الملك فيصل (في 1975).
وكانت أكبر أمثلة ظهور هذا التيار في مرتين:
- الأولى: عندما استولى رجال من أفراد هذا التيار على الحرم المكي (الكعبة) مع بداية القرن الهجري الخامس عشر (منذ ربع قرن) واستمروا في قتال مع القوات السعودية المدعومة بالقوات الفرنسية لفترة غير وجيزة.
- والثانية: عندما تكون من هؤلاء (ثم من آخرين من بلدان إسلامية أخرى) تيار المجاهدين في أفغانستان، والذي عاد بعد ذلك ليكفر الدولة السعودية لسماحها لقوات كافرة بالتواجد على ترابها عقب غزو صدام حسين للكويت (2 أغسطس 1990).

وقد اندمجت ذهنية هؤلاء مع فكرة الحاكمية الوافدة من مصر (القطبية كما يسميها الدارسون الغربيون اليوم) وكونوا معًا ما يعرفه العالم اليوم بالقاعدة.
والرسالة التي آمل إيصالها لذهن القارئ هي أننا أمام فصيل داخل عالم المسلمين المعاصر لا يعود فقط لاتفاق سنة 1744 بين ابن عبد الوهاب وابن سعود (وإن كان هذا الاتفاق هو بداية المرحلة الحالية لهذا الفصيل) وإنما وجد من البداية (الحركات السرية في الإسلام – مثل القرامطة الذين خطفوا الحجر الأسود، وغيرهم ممن كتب عنهم بإبداع صديقي المؤرخ الكبير الدكتور محمود إسماعيل عبد الرزاق)، ولكن هذا الفصيل كان دائمًا فصيلاً هامشيًا يوجد نظيره في كل الأديان. ولكن هذا الفصيل وجد خلال نصف القرن الأخير أسبابًا أغرته بأن يتقدم الصفوف ويقدم نفسه وكأنه (الإسلام). وكانت أهم هذه الأسباب هي:
- تدهور كافة مستويات المجتمعات المسلمة صاحبة التاريخ الطويل في تقديم الإسلام الوَسَطيِّ المعتدل مثل مصر وسوريا والعراق والمغرب - وقد شمل التدهور كل جوانب الحياة من سياسية إلى اقتصادية إلى اجتماعية إلى ثقافية إلى تعليمية كما شمل التدهور المؤسسات الإسلامية بهذه المجتمعات.
- جريمة استعمال الولايات المتحدة هذا الفصيل في ظل ظروف الحرب الباردة في أكثر من مكان (من اليمن في ستينات القرن العشرين إلى أفغانستان بعد ذلك بعشرين سنة).
- ثم ثالثًا: سطوة البترودولار والتي مكنت هذا الفصيل من نشر ذهنيته وتسويقها في سائر أرجاء العالم من خلال إنشاء المراكز والمعاهد والمدارس الإسلامية، ومن خلال المطبوعات وشراء الاعلام والكثير من المؤسسات الاعلامية والثقافية والتعليمية.
وأخيرًا .. فماذا سنفعل لوضع الأمور في نصابها .. والدفاع عن إسلام قدمناه (أي المجتمعات الإسلامية ذات الماضي الحضاري في مصر وسوريا والعراق والمغرب) لقرون كان خلالها يتسم بالاعتدال والوسطية والتعايش مع الآخرين؟

لقد شهد المسلمون في الماضي مجتمعات شاع فيها التسامح (خارج الجزيرة العربية) في مصر وسوريا والأندلس والمغرب العربي؛ و هوإسلام كان وديعًا (بشكل نسبي و بمعايير العصور التي كان فيها) و قابلاً للتعايشِ مع الآخرين، بل و وفر لمعظم الآخرين في ظلِ الدولةِ العثمانيِة حمايةً لم تحظ بها أقلياتٌ مماثلةٌ في الزمن نفسه في أي مكانٍ آخرٍ: فقد عاش مسيحيو الشام ويهود البلاد العربية في ظلِ الدولةِ العثمانيِة في ظروفٍ تشبه ظروف المسلمين في معظمِ الأحوال. وحتى عندما كانوا يتعرضون لفتراتٍ من البطشِ، فإن ذلك كان يحدث في فتراتٍ كان يُبطش فيها بالجميع (الحاكم بأمر الله مثلاً). وكما يقول برنارد لويس، فإن اليهود لعبوا أعظم أدوارهم في التاريخ مرتين:

• مرة في ظل المسلمين (قديمًا).
• ومرة في ظل المسيحيين (حاليًا).

مقارنةُ أحوالِ المجتمعاتِ الإسلاميةِ والعربيةِ اليوم بأحوالها منذ قرنٍ تؤكد أن "ذهنيةَ العنفِ" قد تفاقم وجودُها في هذه المجتمعاتِ. إلاَّ أن الدقةَ في التحليلِ تُملي علينا أن نقول إنه رغم شيوعِ "ذهنيةِ العنفِ" في بعضِ قطاعاتِ المجتمعاتِ الإسلاميةِ والعربيةِ (وليس في كلها) فإن "ثقافةَ ذهنيةِ العنفِ" (وليست "ذهنية العنف" ذاتها) هي التي انتشرت هذا الانتشار الكبير في قطاعاتٍ كبيرةٍ بعددٍ من المجتمعاتِ الإسلاميةِ والعربيةِ. وهذا المناخُ الثقافي العام هو الذي يفرز جنودًا لذهنيةِ العنفِ وللثقافةِ العامةِ لذهنيةِ العنفِ. لقد وجد دائمًا أمثال المودودي وسيد قطب وأسامة بن لادن وأيمن الظواهري ومصعب الزرقاوي في التاريخ الإسلامي ولكنهم كانوا أقليةً.

والمشكلة اليوم، أن دائرة الاقلية اتسعت وأصبح لها من المؤيدين والمتعاطفين أعداد هائلة.
لماذا ؟... ببساطة لأن "الإسلامُ" هو أحد أقوى المؤثرات على "ثقافة" و"عقل" و"طرائق حياة وتفكير وآراء وردود أفعال" عدد كبير من المسلمين.. ولكن يبقى السؤال المهم هو: ما المقصود بالإسلام؟

• النصوص؟
• أم فهم الناس للنصوص؟
• الفقه الإسلامي؟
• وأي مدرسة من مدارس الفقه الإسلامي؟
• التجربة التاريخية؟
• وأية تجربة من التجارب التاريخية؟
• ويضاف أيضًا: وأي إسلام؟
• الإسلام حسب فهم الأمويين؟ .. أم العباسيين؟
• الفقه الإسلامي حسب فهم أبي حنيفة أم حسب فهم مالك أم حسب فهم الشافعي أم حسب فهم ابن حنبل ورجاله (ومنهم ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومن الدعاة محمد بن عبد الوهاب)؟ .. أم الفقه الإسلامي حسب فقه الإمامية (وأبرزه فقه جعفر الصادق) أم حسب فقه الخوارج (بفرقهم الأربع وأهمهم الخوارج الإباضية)؟
وهل التجربة التاريخية الإسلامية واحدة؟ .. أم أن ما كان في دمشق الأموية يختلف كثيرًا عما كان في بغداد العباسية؟ .. وكلاهما جِدُّ مختلف عن تجربة تاريخية أخرى في الأندلس شهدت تآخيًا فريدًا بين المسلمين واليهود وكان من أكبر عقول تلك الحقبة مسلم عظيم هو ابن رشد، ويهودي عظيم هو موسى بن ميمون؟
الحقيقة، أن النصوص في حد ذاتها لا تدل على كثير بدون "نوعية" و"عقل" و"آفاق" الإنسان الذي يتعامل معها، ويرجعُ كل ذلك (في تصوري) لخمسةِ أَسبابٍ أَساسيةٍ هي الاستبداد السياسي (ذيوع الأوتوقراطية أو انتفاء الديمقراطية) ثم الانتشار الكبير لثقافة الفهم الوهابي للإسلام (مقابل إنكماش وتراجع كبيرين لثقافة الإسلام غير الوهابي والتي كانت عبر قرون هي التيار الأساسي) ثم انتشار القيم القبليةِ التي شاعت مع ثقافة الفهمِ الوهابي للإسلام. وأما السببُ الرابع فهو نظم التعليم منبتة الصلة بالعصرِ وخامسًا الفساد العارم والذي هو نتيجةٌ منطقيةٌ وحتميةٌ للاستبدادِ السياسي. إذ إن مجتمعات الإسلام القابل للحياة مع البشرية (مصر وسوريا والمغرب العربي قديمًا) قد تدهورت مستوياتُها تدهورًا كبيرًا (سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وتعليميًّا) في ظل الاستبداد والفساد والطغيان، حتى انفتحت جبهاتها واسعة (مستسلمة) أمام التيار الوافد من نجد.

الفصل الأول
انبعاث المارد
١

أما الاستبدادُ السياسي فإنه ينتجُ آثارًا سلبيةً عديدةً أكثرها خطرًا هو "قتل الحراك الاجتماعي" بمعنى توقف حركةِ صعودِ أفضلِ أبناءِ وبناتِ المجتمعِ للمقاعدِ القياديةِ في شتى المجالاتِ ووجودِ سلطاتٍ استاتيكية وصل إليها من وصل عن طريقِ قبولِ (بل ودعمِ) الاستبداد وإبداء الولاء. وإذا كان الاستبدادُ يؤدي لقتلِ الحراكِ الاجتماعي، فإن هذا الأخير (قتل الحراك الاجتماعي) يؤدي لشيوعِ عدمِ الكفاءةِ في كلِ المجالاتِ. فالاستبدادُ يأتي بالأتباعِ (The Followers) ولا يأتي بالأكفاء (Competent The) – وهكذا، فكما أن الاستبدادَ يقتل الحراكَ الاجتماعي فإن انتفاءَ الحراكِ الاجتماعي يشيع عدمَ الكفاءةِ في كلِ القطاعاتِ والمجالاتِ. وشيوع عدم الكفاءة يثمرُ (لا محالة) مُناخًا عامًّا عامرًا باليأسِ – ومن مُناخِ اليأس تنبثق ذهنيةُ العنفِ ناهيك عن انخفاضِ معنى الحياةِ الإنسانيةِ كقيمةٍ – سواء أكانت حياة الشخص نفسه أم حياة الآخرين. وقد قادني الانشغال بشئونِ المجتمعاتِ العربيةِ والإسلاميةِ لأن أرى بوضوحٍ المعادلةَ التي أُسميها "معادلة التدمير": الحكم الأوتوقراطي يؤدي لوقف الحراك الاجتماعي .. وقف الحراك الاجتماعي يقضي على الكفاءةِ في سائرِ مجالاتِ المجتمعِ .. القضاء على الكفاءةِ في سائرِ مجالاتِ المجتمعِ يولد طاقةً شريرةً عملاقةً هي "اليأس" .. طاقةُ اليأسِ تفرز ذهنيةَ العنفِ واسترخاص الحياة الإنسانية وتولد رغبات هائلة في الانتقام.

١.1
خضعت مجتمعاتٌ إسلاميةٌ خلال العقودِ الأخيرةِ لأشكالٍ مختلفةٍ من "الطغاةِ" الذين حكموا بلدانهم بيدٍ من حديدٍ، وفي ظلِ أتوقراطيةٍ واسعةٍ أدت في كثيرٍ من الأحوال إلى "مسلسل التداعي" الذي وصفته من قبل وهو: استبداد يلغي الحراك الاجتماعي .. انعدام الحراك الاجتماعي يشيع عدم الكفاءة في كل المجالات .. ظاهرة عدم الكفاءة عامة تؤدي لانهيار في كلِ المستوياتِ يولد شعورًا باليأس والغضب ومنهما تنبت "ذهنيةُ العنفِ" لاسيما وأن غير الأكفاء (The non-competent) يجعلون منظومةَ التعليم عاملَ تدهور إضافي لكافة المستويات. وفي تلك المجتمعات كلها ما إن تحدث متغيرات تجعل الطاغية يسقط (سوهارتو في إندونيسيا .. صدام حسين في العراق) حتى يبرز على سطحِ الحياةِ العامةِ فجأة رموزُ الفهمِ الوهابي للإسلام وهم يطرحون أنفسهم بمثابة "المُخَلِّصِ"! وينخدع البعض ويقولون: إن هؤلاء هم القوة السياسية الوحيدة التي تفرزها هذه المجتمعات. والخطأ هنا مركب: فالذي أفرز هؤلاء هم "الطغاة" و"طرائق حكمهم الأتوقراطية" التي قتلت الحراك الاجتماعي ومنعت نمو المجتمع المدني وعممت "عدم الكفاءة" وجعلت دنيا السياسة مكونةً من أفقين: أفق فوق الأرض (وعليه الطغاة وأركان نظمهم فقط) وأفق تحت الأرض (وفيه رموز الفهم الوهابي والذين أصبحوا متدربين أفضل تدريب على النمو تحت الأرض في ظل السرية والمطاردة) .. وما إن ينزاح الطغاة حتى تبرز القوى السياسية الوحيدة التي كانت قائمة (تحت الأرض) وفي ظل انعدام المجتمع المدني واختفاء الحراك الاجتماعي وشيوع عدم الكفاءة، فإن المسرح يكون معدًّا لفريق جديد من الطغاة سيكونون طغاةً وغيرَ أكفاءٍ في آنٍ واحدٍ .. وسيأخذون مجتمعاتهم لدرجاتٍ أشد انحدارًا من التأخرِ والتخلفِ والبعدِ عن معادلةِ التقدم والحداثة والاستغراق في مشكلاتٍ اجتماعيةٍ لا حصر لها.
وباختصارٍ: فإن طغاةَ ما فوق الأرض وطغاة تنظيمات تحت الأرض على السواء من ثمار المعادلة التي أعود لها هنا المرة تلو المرة: نظام سياسي أتوقراطي (استبدادي) يشل الحراك الاجتماعي، فيسود غير الأكفاء في كل المجالات، فتنخفض كل المستويات، فيشيع اليأسُ وتنبثق وتستفحل ذهنيةُ العنفِ ولا يكون بوسع مؤسستي "التعليم" و"الاعلام" إصلاح تلك التراجيديا، لأن هاتين المؤسستين قد فسدتا أيضًا على يدِ غير الأكفاء .
وإذا قال قائلٌ: لماذا لا ينتشر إلاَّ هذا النموذج كلما سقط طاغية في مجتمع إسلامي أو عربي؟ ... كان الجدير بنا أن نقول له "إن الذي انتشر هو اليأس الذي هو الثمرة الطبيعية لنظمِ حكمٍ أتوقراطيةٍ لم تبق أحدًا فوق الأرض – ولم يعش في ظلها إلاَّ ذلك المارد "تحت الأرض" .. والعلاج الوحيد يبدأ من بداية السلسلة لا من نهايتها.

۱.2
خلال السنواتِ ما بين 1967 و 1973 (وهي سنو دراستي لدرجتي الليسانس في الحقوقِ والماجستير في القانون العام والمقارن) تعرفتُ معرفةً مبدئيةً إلى "علمِ أُصولِ الفقه". وفي سنواتٍ لاحقةٍ (كنت أقوم خلالها بالتدريس بجامعاتٍ بالخارجِ) عكفتُ على دراسةٍ واسعةٍ لعلمِ أُصولِ الفقه – وخرجتُ عن دائرةِ المذاهبِ السنيِةِ الأربعةِ لشتى مذاهبِ الفقه الشيعي (وأهمها فقه الإمامية) ولسائرِ مذاهبِ فقه الخوارج بفرقهم الأربع الرئيسة (وأهمها فقه الإباضية الذائع في منطقةٍ صغيرةٍ بالجزائر وفي معظمِ سلطنةِ عُمان) ومدارسَ أُخرى في الفقه اندثرت (مثل فقه الطبري صاحب التفسير المشهور باسمه، وفقه الليث). وقد أخذني التوغلُ في دراسِة أُصولِ الفقه لعوالمَ أُخرى لصيقة الصلة بهذا المجال لعل أهمها "علم الكلام" (أو الفلسفة الإسلامية) – إذْ أَوغلتُ في مطالعةٍ متأنيةٍ لما أبقاه الزمنُ من آثارِ المعتزلةِ والأشاعرةِ …كما كان لصديقٍ مقربٍ (هو الدكتور محمود إسماعيل) أثر كبير في تعرُّفِي إلى عوالمَ ما يُسمى بالفرقِ الباطنيةِ في التاريخ الإسلامي (وهذا الصديق من أكثر من قرأت له تعمقًا في فكرِ الخوارجِ والقرامطِة وعددٍ كبيرٍ من الفرقِ السريِةِ "حسب تسميته" في تاريخ المسلمين).
فابن رشد يتعامل مع النصوص بطرائق جد مختلفة عن طرائق تعامل ابن تيمية والمودودي وسيد قطب معها؛ فمجرد التعويل على نص دون آخر أداة هدم يمكن أن يستعملها الآخرون، فالدارس الموضوعي للتوراة والتلمود (ولاسيما التلمود البابلي "الجمارة")، لا يسمح لنفسه بأن يقف عند كلمات قالها يشوع بن نون في موقف معين ذي إطار تاريخي وزمني ومكاني محدد. ولا يستطيع أن يتخذ من "الصداق" (المهر) الذي طلبه الملك شاؤول من داود بن يسي البيتلحمي (الملك داود عند اليهود والنبي داود عند المسلمين) ليزوجه من ابنته ميكال دليلاً على شيء في غير إطاره التاريخي، بمعنى إنني لا أستطيع أن أقتطفَ نصًا أو نصوصًا كهذه وأعدو بعيدًا مشهرًّا بها على الآخرين بمعزل عن الإطار التاريخي والإنساني والمرحلي للنص.

وباختصار، فإنه من المؤكد أنه ليس هناك فهم واحد للإسلام، وإنما عشرات الأشكال والأنواع. فهناك من يرفض معظم الأحاديث النبوية ولا يقبل منها إلاَّ عشرات (مثل أبي حنيفة النعمان) وهناك من يقبل في كتابه "المسند" عشرات الآلاف (أحمد بن حنبل).

وهناك من يعتمد مصادرَ للفقه غير مصادر غيره (الاستحسان عند الحنفية والمصالح المرسلة عند المالكية .. إلخ).

وهناك من يتجاوز الآفاق الضيقة للتفسير ويفتح بوابات العقل على ما يسميه "التأويل" (ابن رشد).

وهناك من يسمي عقوبة شرب الخمر (حد الشرب) مثل معظم الفقهاء. بينما هناك من يسميه (حد السكر) مثل أَبي حنيفة القائل عن الخمر (لو أَلقوني في النار ما شربتها .. ولو أَلقوني في النار ما قلت إنها حرام).

۱.2.1
منذ قرنِه الأول عرف الإسلامُ مجموعاتٍ متطرفة بمحاذاةِ تيارٍ عامٍ متوسط وبعيد عن العنفِ والتطرفِ وأُحاديةِ النظرة واحتكار الحقيقة. فمنذ سنة 660 ميلادية (منتصف القرن الهجري الأول) برزت فرقةُ الخوارج والتي اتسمت بالغلو الشديد في التمسكِ بفهمها للإسلامِ وتكفيرِ من يحيد عن فهمهم هذا. وفي القرونِ التاليةِ ظل الإسلامُ يعرف تيارًا عامًّا وسطيًّا (معتدلاً) وتيارات جانبية بالغة التطرف والعنف. وقد أعطى الدكتور محمود إسماعيل عبد الرزاق حياته العلمية وجهده العقلي الفذ لدراسةِ هذه المجموعات المتشددة والتي أطلق عليها تسمية "الحركات السرية في الإسلام" وكتب عن فرقها بحوثًا بالغة العمق وخص مجموعةً منها بدراسةٍ معمقة وهم القرامطة الذين قاموا بخطف الحجر الأسود وأخذوه لموقعٍ بعيدٍ في شرق الجزيرة العربية لأكثر من قرنٍ من الزمان.
وإلى جانب كل تلك التوجهات والمذاهب والفرق -، هناك متشددون من اليوم الأول وحتى هذه اللحظة: من حمدان بن قرمط الذي خطف الحجر الأسود من الكعبة إلى سكّان كهوف وزيرستان ومرورًا بسيد قطب الذي قدم للمسلمين نظرية ستبقى سورًا يفصلهم عن الإنسانية والتقدم حتى يهدم هذا السور، وأعني "نظرية الحاكمية" والتي فحواها أن البشر لا يحكمون البشر وإنما يحكمهم الله (ويبقى السؤال التراجيدي: ومن سيقول لنا على أحكام الله؟ .. والجواب: "نحن العلماء"!! وهكذا، نكون سجناء لثيوقراطية تجاوزتها مسيرة التقدم الإنساني ونكون أصحاب أكبر طبقة رجال دين بعد أن كررنا مرارًا (أنه ليس في الإسلام طبقة رجال دين) ناهيك عن مأساة (وملهاة) تسمية رجال الدين بالعلماء! (أحد هؤلاء العلماء قال ذات يوم غير بعيد (في صيف 2005) ردًّا عن سؤال: "من هو Bill Gates – قال: "لا أعرف .. وليس من المهم أن أعرف" (وهي إجابة تلخص العزلة والانفصال عن الإنسانية ومسيرة التمدن).

وإلى جانب التيارات التي كانت تُغالي في التطرفِ والحرفية وإيجاد قواعدَ تفصيليةٍ لكل أُمورِ الحياة، كان هناك التيار العام والذي يمكن تلخيصه في المذاهب السنية الرئيسة (وأهمها مذهب أبي حنيفة ومذهب مالك ومذهب الشافعي ومذهب أحمد بن حنبل ومذاهب أخرى اندثرت مثل مذهب الليث ومذهب الطبري) وكذلك المذاهب الشيعية العديدة (وأشهرها الإمامية). وداخل التيار العام كان هناك من يفسح مجالاً للعقل (الرأي) مثل أبي حنيفة الذي لم يقبل من الأحاديث النبوية إلاَّ أقل من الأحاديث الواردة بصفحة واحدة من صحيح البخاري - وهو ما يفسح المجال للرأي. وفي المقابل كان هناك مذهب أحمد بن حنبل الذي يضم كتابه (المسند) أكثر من عشرة آلاف حديث؛ وهو ما لم يترك شيئًا بدون تنظيم وهو ما يجعل النقل هو السائد والعقل هو الغائب. ولتيار أَحمد بن حنبل ينتمي فقيهان آخران هما ابن تيمية وابن قيم الجوزية وهما مثل أَحمد بن حنبل لا يتركون مساحة تذكر للعقل والرأي وإنما لديهم أحاديث تنظم شتى جوانب الدين والدنيا بكلِ تفاصيلِها. ويضاف لذلك أن العقلَ الإسلامي واجه ما يشبه المعركة بين أبي حامد الغزالي والذي لا يؤمن بأن العقلَ قادرٌ على إدراك الحقائق وبين ابن رشد أكثر مفكري العرب إعلاءً لشأن العقل؛ وهو ما يتضح من التناقض الواضح بين آراء الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) وآراء ابن رشد في كتابه الفذ (تهافت التهافت). والخلاصة أنه في عالم الفقه (وهو عمل بشري محض) فقد كان التوسع للمدراس التي تحبذ قبول آلاف الأحاديث عن إِعمال الرأي؛ وبمحاذاة ذلك ففي عالم الفكر ( علم الكلام بلغةِ العرب في ذلك الزمان والفلسفة بلغةِ العصر) فقد كانت أيضًا الغلبة لمدارس النقل والحدس (الغزالي) وقلة أثر مدرسة العقل (ابن رشد) (وإن كان الأوروبيون هم الذين استفادوا من أطروحات ابن رشد).
وخلال رحلةٍ استغرقت نحو عشرين سنة تكوّن لدي نفورٌ قويٌ من الذين أُسميهم "عبدة الحرف" و "أسرى النقل"؛ كما تكون لدي ولعٌ شديدٌ بأصحابِ العقلِ وفي مقدمتهم "ابن رشد" الذي استفادت منه أوروبا وخسرناه نحن (وخسرنا معه فرصةً تاريخيةً للتقدمِ). ورغم مطالعتي المدققة لكلِ آثارِ ابن تيمية وأعلام مدرسته (من ابن قيم الجوزية إلى محمد بن عبد الوهاب في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي) – فلم تزدني تلك المطالعةُ إِلاَّ نفورًا من هذا التيارِ الكاسحِ وفي الوقتِ نفسه زاد ولعي من جهةٍ بالمعتزلةِ ومن جهةٍ أُخرى بمن قطعوا رحلةً طويلةً على "دربِ العقلِ" مثل ابن سينا والفارابي …ثم بإمامِ أهلِ العقلِ قاطبةً "ابن رشد".
وكنتيجةٍ لتلك الصورة العامة فقد عرف المسلمون نمطين لفهم الإسلام: نمطًا متشددًا شديد الغلو في التحريم والتجريم والتنظيم، ولم يكن هذا النمط موجودًا إلاَّ في الفرق السرية (وهي قليلة في عَددِها وأثرِها) وفي المناطق البدوية بالجزيرة العربية. أما الأماكن الأكثر ازدهارًا عقليَّا وذات الجذور الحضارية العريقة مثل مصر والعراق وتركيا وبلاد سوريا بالمعنى الواسع فقد ساد فيها فهم للإسلام يتسم بدرجة عالية من المرونَةِ والتسامحِ وقبولِ الآخر وعدم تكفير أصحاب الرؤى المختلفة.

إن النصوص الإسلامية تحتمل كل التفسيرات. وقد قالها أوائل المسلمين منذ ألف وأربعمائة سنة عندما كرروا (القرآن حمّال وجوه). والعبرة ليست بالنص (أي نص) وإنما بمن يقرأ ويفهم ويقدم النص.

وعندما كنتُ أعكف على مطالعة أَعمالٍ للغزالي مثل (إحياء علوم الدين) و(معيار العلم) و(معيار العمل) و(المنقذ من الضلال) و (المستصفى من علم الأصول) و (تهافت الفلاسفة) وأُقارن قدر ما بها من "بُعد عن العقل" وما بكتابات ابن رشد من "ثقل عقلاني هائل" كنت أُذهلُ: كيف نالت كتاباتُ "الغزالي" كل هذا التقدير(المبالغ فيه إلى أبعد الحدود) وكيف نالت كتابات "ابن رشد" كل هذا التجاهل (المبالغ فيه إلى أبعد الحدود): ويكفي أَن يعكف قارئٌ جادٌّ على مطالعةِ كتابِ (تهافت الفلاسفة) للغزالي ثم يعقب ذلك بمطالعته كتاب ابن رشد (تهافت التهافت) ليرى البونَ الشاسع في العمقِ وإِعمالِ العقلِ. كذلك ما أكثر ما تساءلت: كيف أخفى مؤرخو الفكر الإسلامي مواقفَ الغزالي المؤيدة للحكام المستبدين بشكلٍ مفرطٍ؟ …وفي المقابل: فقد كان "ابن رشد" مصدرَ ألمٍ دائمٍ للحكامِ المستبدين الراغبين في (تنويم العقول) لأن في ذلك الضمانة الكبرى لأمرين: بقاء الأَحوال على ما هي عليه، ثم بعدهم عن المساءلةِ، فالعقلُ هو مصدر الأسئلة، والأسئلة تؤدي للمساءلة، وكما يردد صديقٌ من المفكرين المستنيرين: فإن الأسئلة مبصرةٌ – والأجوبة عمياءٌ !

وأكررُ أنه كثيرًا ما شغلني هذا السؤَالُ :لماذا انتصرَ المسلمون لأبي حامد الغزالي (وهو يمثل النقل وتقديس السلف ولا معنى للعلم عنده إلاَّ العلم بالدين ويفتح المجالَ أمام إلغاء العقل كليةً بإنكاره إمكان تحصيل المعرفة (أو إدراكها) بالحواس في مواجهةِ ابن رشد (وهو العامـر بنـورِ العقلِ والزارع لكلِ بذورِ نهضةٍ خسرناها)؟ …ما الذي سهَّل للغزالي هذا الانتشار، وصعّب على ابن رشـد مثلـه؟ …وقد استغرقَ الأمرُ سنواتٍ عديدةٍ لأعرف أن العلامةَ الفارقَة كانت هي (الاستبداد). فكيف يمكن لحكامِ المسلمين في زمنِ الغزالي وابن رشد أن يروق لهم فكرٌ إلاَّ فكر الغزالي؟ وكيف لأوروبا التي كانت تحارب معركتها العقلية مع الكهنوت أن تنتصر لأحدٍ كما انتصرت كليةُ الآداب بجامعةِ باريس في القرن الثالث عشر لأفكارِ ابن رشد؟ …لقد كان الاستبدادُ في عالِمنا سائرًا نحو ذروته – فكان الاعجابُ بكتاباتِ من وصل لحدِ إلغاءِ دورِ العقلِ هو الاختيار الواقعي الأمثل. وكان الاستبدادُ في أوروبا قد بدأ يترنح، لذلك فإن قوى التنوير قد نصرت ابن رشد العربي المسلم على توماس الإكويني الأوروبي المسيحي (صاحب نظرية السيفين).

وهكذا يتضح أن " الاستبدادَ" و "الآراءَ المتشددة" و" طغيانَ رجالِ الدين" و "الدعوةَ للحدِ من استعمالِ العقلِ والإسراف في النقلِ" هي كُلها مجموعة من الأشقاء المتماثلين في ملامِحهم ومادتِهم الخامِ التي صُنعوا منها كما أَنهم متماثلون في الغاياتِ. ومع ذلك، فإن الأمورَ ليست كلها إما "سوداء" أو "بيضاء" : فرغم أن المسلمين لم يتح لهم أن يستثمروا فكر ابن رشد بالكيفيةِ المُثلى والتي كانت قمينةً في اعتقادي بجعلِ المسلمين على طريقٍ تشبه الطريق التي سارت عليها أوروبا منذ القرن الثالث عشر حتى بلغت ما بلغت من رقي في الفكرِ والحرياتِ العامةِ والإبداعِ والآدابِ والفنونِ والعلومِ.
إِلاَّ أن المسلمين عرفوا (بنوعٍ نسبيٍّ من التعميم) "إسلامين" : إسلام يمكن وصفه بالإسلام التركي/المصري وإسلام يمكن وصفه بإسلام البداوة.
أما الأول، فيمكن القول إنه حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي كان هناك فهمان للإسلام (كما ذكرنا آنفًا (: فهم متطرف متشدد يكثر التحريم ووضع القواعد التفصيلية لكلِ أمورِ الدين والدنيا ...وهو الفهم الصحراوي البدوي الذي ساد في مجتمعاتِ كثبان الرمال بشرق الجزيرة العربية. أما الفهمُ الثاني المتسم بالتسامح والمرونة والقبول النسبي للآخر وعدم وضع قواعد تنظيمية تفصيلية لكل أمور الدين والدنيا فهو ما أُسميه بالفهم المصري/التركي/السوري للإسلام والذي شاع في معظم المجتمعات الإسلامية خارج كثبان الجزيرة العربية.

ورغم معرفتي أن هذا الإسلام التركي / المصري لا يمكن وصفه بأنه كان علمانيًّا، إِلاَّ أنه كان كذلك في جوانبَ عديدةٍ منه وليس بمعنى إنكار الدين وإنما بمعنى النظر للدينِ كدينٍ وليس كنظريةٍ متكاملةٍ للحياةِ وتنظيمِ أمورِ المجتمع، فلا أملك أن أصفه بأنه كان مشبعًا بدرجةِ النورِ والتقدمِ والحريةِ التي كانت في فكرِ ابن رشد، ولكنه كان بمعايير القرون التي وجد فيها سمحًا بشكل نسبي معقول.

١.2.2
وفي أماكنَ أخرى، أخذت مجموعاتٌ بشريةٌ فرضت عليها العزلةُ الجغرافية لكونها في مواقعَ داخلية غير ذات صلاتٍ بالعالمِ الخارجي ولا تعيش على (السواحل) في تنميِةِ أفكارِ مدرسة ابن تيمية ثم ابن قيم الجوزية حتى وصلنا إلى أفكار محمد بن عبد الوهاب في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وهي الأفكار التي يمكن وصفها بأنها سبيكة من الروح النجدية البدوية المتعصبة التي أنجبت "الإخوان" (السعوديين) الذين حاربوا الملك عبد العزيز بن سعود (1870/1953) في عشرينات القرن العشرين ثم أضيفت لتلك السبيكة ثمارالذهنية القطبية، مع أموال البترول، مع أخطاء دولية بلا حساب كما حدث في أفغانستان في أواخر السبعينات وكما حدث في مصر عندما أحاط رعاة الإخوان المسلمين الكبار ممثلين في أكثر رجال الاعمال وقتئذ ثراءً بأنور السادات وجعلوه يلعب بالشيطان أي يطلق العنان للجماعات الإسلامية في كل مكان ليحاربوا لصالحه (ونيابة عنه) التيار اليساري.

لم يكن محمد بن عبد الوهاب الذي إليه ينسب المذهب الوهابي فقيهًا وإنما رجل دعوة. ولكنه ينتسب (فكريًا) لأكثرِ التياراتِ الإسلاميةِ تأسيسًا لمذهبها على "النقل" وأقلها تعويلاً على "للعقل". فبشكلٍ ما يمكن نسبة محمد عبد الوهاب لابن تيمية (ونسبة استعمال "العقل" عنده قليلة ونسبة "النقل" مطلقة). يُضاف لذلك أثر البيئة الجغرافية. فبينما عرفت مصرُ وسوريا ولبنان والعراق واليمن حضاراتٍ قديمةً تركت أثرَها على التاريخ الإنساني .. وبينما عرفت أماكن مثل "دبي" و"الحجاز" تعاملات واسعة (بسبب التجارة) مع "العالم الخارجي" – فإن صحراء "نجد" في القسم الشرقي مما هو الآن "السعودية" لم تعرف (بحكم طبيعتها الصحراوية الموغلة في الشدةِ والجفافِ) أيةَ حضارةٍ قبل الإسلام .. ولم تكن مركزًا لأية حضارةٍ بعد انتشاره (مثلما كانت عواصمُ الخلافة: المدينة ودمشق وبغداد). ولا يعرف الدارسُ لنجدٍ أية مساهمات لهذه المنطقة في الفنون والآداب والموسيقى إلاَّ الشعر.
وأخيرًا، فإن محمد بن عبد الوهاب ليس فقيهًا على الإطلاق وإنما داعية تياره معالم الذهنية النجدية التي يجب أن تفهم من خلال الكلمات التالية : ذهنية / قبلية / بدوية / صحراوية / داخلية. ولو لم يوجد البترول في هذه المناطق لبقت تلك الذهنية أسيرة جغرافيتها الطبيعية أي كثبان رمال نجد التي لم تنتج أي فكر أو فن تشكيلي أو موسيقى أو أدب روائي أو أدب قصصي وإنما اكتفت بإنتاج شعر موضوعه الوحيد الترويج لقيم القبيلة النجدية .

كان ذلك هو وضع عالم المسلمين حتى ولد بصحراء نجد في سنة 1703 محمد بن عبد الوهاب، وهو الرجل الذي صارت الأمور في نجد على هواه بعد ذلك؛ فحدث في عام 1744 حلف بينه (وعائلته) وبين محمد بن سعود قاضي الدرعية (وأهله أيضًا) وهو الحلف الذي يقوم على أن يحكم آل سعود وفق فتاوى آل الشيخ (محمد بن عبد الوهاب وعائلته أي الوهابيين). وهو الحلف الذي أدى لما يمكن أن نسميه الدولة السعودية الأولى والتي سيطرت منذ سنة 1804 على ما يقرب من مليون ميل مربع في الجزيرة العربية حتى استأصل شأفتها وسحقها إبراهيم ابن محمد علي الكبير في سنة 1819 وهو عام تدمير الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى.

وكان من الطبيعي أن يحدث صدامٌ بين "الصنفين" : وهذا ما وقع في سني العقدِ الثاني من القرنِ التاسع عشر وفي شكلِ مواجهةٍ بين التيارين، قاد التيار الأكثر استنارة فيه جيشٌ مصريٌ بقيادةِ طوسون بن محمد علي ثم من بعده بقيادة إبراهيم (أعظم أبناء محمد علي)؛ وانتهت هذه الجولة بانتصارِ النموذج التركي/ المصري.
خلال سنواتِ العقدِ الثاني من القرنِ التاسع عشر أرسل حاكمُ مصرَ محمد علي (والذي قدمها والمنطقة كلها للعصر الحديث) جيشًا كبيرًا بقيادة ابنه طوسون ثم بقيادة ابنه إبراهيم بهدفٍ محددٍ هو القضاء على الدولةِ التي كانت قد تكونت في نجد (شرق الجزيرة العربية) وتحكم بناءً على الفهمِ الوهابي للإسلام وتمثل (وهذا هو الأهم) مُناخَ هذه المنطقة الثقافي بالتحديد. وفي سنة 1818 أنجز إبراهيم باشا مهمته إذ ألحق الهزيمة بالطرفِ المقابلِ وحطم عاصمتهم (الدرعية) وأخذ قائدَهم أسيرًا (أُعدم بعد ذلك في اسطنبول) . وتجسد تلك الحربُ الصدامَ بين فهمِ المصريين والأتراك (وكان يُشاركهم في ذلك مسلمو الشام بالمعنى الكبير) من جانبٍ، والفهمِ الوهابي للإسلام من جانب آخر. ولكن ظروفًا عديدة جعلت الفهمَ الأكثر شيوعًا بين المسلمين (The Main Stream) وهو الفهم الوسطي المعتدل المسالم القابل للتعايش مع الآخرين والذي لا يرفض في تشنج ثمارَ التقدمِ والحداثة.
ويمكن القول إن قرارَ محمد على باشا الكبير بارسال ابنه طوسون لتدمير الدولة السعودية الأولى ثم عهده بهذه المهمة لابنه إبراهيم باشا المعروف بكفاءته الحربية الهائلة هو قرار له دلالة بالغة الأهمية: إذ يمكن القول إن الفهم المصري/التركي/السوري للإسلامِ قرر أن يذهب إلى الفهم الإسلامي الوهابي بالغ التطرف والتعصب والتشدد في معقله وتدميره – قرار ثقافي وحضاري هو قبل إن يكون قرارًا سياسيًا أو عسكريًا. إن محمد على الذي كان مولعًا بالنهضة الأوروبية كان لا يرى أي تعارضٍ بين آلياتِ النهضةِ الأوروبية وكونه مسلمًا – كما أنه كان يرى التعارض (كل التعارض) بين الفهم الصحراوي الوهابي للإسلام وحدوث النهضة التي كان عقله وفكره منشغلاً بها منذ تولي حكم مصر سنة 1805 (وحتى تنازله عن الحكم سنة 1848 لابنه إبراهيم باشا).
ثم دارت عجلةُ الزمن، وآلت الأمورُ في تركيا لما آلت إليه، وأخذت مصرُ في التراجع. ومع تراجع مصرَ (خاصة اقتصاديًا وتعليميًا) وهبوط ثروة أُسطورية لم يسمع بمثلها التاريخ على المدرسة الأخرى (المغرقة في النقل وتجميد العقل) كان من الطبيعي أن يزداد التيارُ النقلي (المتشدد) قوةً ويملك أدوات الذيوع بل و يغزو أرض التيار الثاني ويتغلغل في رجالِ مؤسساتِ هذا التيار. حتى وصلنا لرؤية تجسد التيار النقلي المتشدد في طالبان وأخواتها. ولو كانت الغلبةُ قد قُيضت لابن رشد أو لو كانت الظروف لم تسمح بتراجع النموذج التركي / المصري، لما كانت الأمورُ قد وصلت إلى ما وصلت إليه خلال العقودِ الأربعةِ الأخيرة.
فإذا أضفنا "فكر محمد عبد الوهاب" الموغل في التشدد إلى أثر البيئة الصحراوية بالغ القسوة، كنا أمام تفسيرٍ لشدةِ بل قسوةِ آراء وتوجهات وتفسيرات مذهبه (وأؤكد على أن أثر "ذهنية المنطقة" كان أكبر من أثر "المذهب" ذاته). كذلك يمكنّا ذلك من أن نعرف لماذا حارب الملك عبد العزيز بن سعود حركة الإخوان الوهابية في عشرينيات القرن العشرين. فعندما عاد الملكُ عبد العزيز للرياض بعد أن ضم الحجاز لمملكته الشرقية، قال "الإخوان" إن عبد العزيز غادر الرياض على "ناقةٍ" وعاد في "سيارةٍ أمريكيةٍ" .. وهو ما اعتبروه إنحرافًا عن "صحيح الدين". وكان ذلك مجرد مثال لصدامات أخرى معه دارت كلها حول كون الإذاعة "حرام" أو كون "التليفون" من عمل الشيطان .. إلى آخر مواقفِ الصدامِ الأصيلِ في تفكيرهم مع ثمارِ الحداثةِ أو التقدمِ. وهذا التوجه لا يفهم إلاَّ بدراسة ما يُعرف بالفرق السرية في الإسلام (وهي روافد جانبية لم تكن أبدًا بمثابة التيار الرئيسي Main Stream) وثانيًا بدراسةِ دعوةِ محمد بن عبد الوهاب التي هي ابنة أشياءٍ عديدة منها سوسيولوجيًا وجيوبوليتيكيًا صحراء نجد .. وهي عوامل جعلتهم عندما نجحوا في غزو غرب الجزيرة العربية أي الحجاز يوغلون في فرض فهمهم للدين والذي تمثل في أشياءَ مثل تسوية القبور بالأرض ومحاربة الفرق الصوفية في مكة وغيرها (باعتبارها بدعة ضالة من المنظور الوهابي) وتكلل ذلك بالصدامِ المسلحِ مع "المحملِ المصري" فقد كان المصريون يهدون "الكعبة" كسوتها كل سنة ويقومون بنقل الكسوة الجديدة في احتفال (فيه الكثير من ميل المصريين للموسيقى والرقص والمرح) وهو ما اعتبره النجديون عملاً من أعمال الشيطان.
وما أُريد تسليط الضوء عليه هنا هو، أن الصحراءَ الداخلية للجزءِ الشرقي من الجزيرةِ العربية قد عانت تاريخيًا من جغرافيتها معاناةً شديدةً .. فلما جاءت الثروةُ البترولية العظمى (ومن صحراءِها الداخليةِ تحديدًا) فقد كان من الصعبِ تصوّر قيام هذا الجزء من العالم بشيءٍ أقل من "تسويق تفكيره" .. وهو ما حدث بالفعل خلال النصف الثاني من القرنَ العشرين .. وكانت الدراما تكتمل بأن "الإسلامَ غير الوهابي" إبان تلك الفترة قد شهد تراجعًا كبيرًا أمام النموذج المدعوم بأموالٍ لا حد لها: ففي الداخل تراكمت المعضلاتُ بسببِ الاستبداد السياسي وانعدام الحراك الاجتماعي وترك معظم المؤسسات تدار بغيرِ كفاءةٍ مع تدهورٍ مشهودٍ في نظمِ التعليمِ .. ومن الخارج تهب أفكارُ الفهمِ الوهابي المدعوم بطوفانٍ من الإمكانيات .. فكيف لا يتراجع ما كان بمثابة التيار العام Main Stream (وأعني الإسلام غير الوهابي)؟ وكيف لا يبدو الفهم النجدي للإسلام وكأنه هو الإسلام الوحيد رغم أنه كان غيرَ موجودٍ خارج "صحراء نجد" قبل بداية القرن العشرين؟

إن كاتبَ هذه السطور لا يتوقف في محاضراته في أوروبا وأمريكا الشمالية عن تعريفِ العالَمِ بما يُسميه (الإسلام المصري) الذي كان حتى أربعينات هذا القرن مثالاً لا نظير له في السماحة والمرونة وقبول واحترام الآخرين وعدم الانشغال (بشكل سيكوباتي) بتفاصيلٍ لأحكامٍ لا يمكن إلاَّ أن تكون "ابنة زمانها ومكانها وظروفها" وكل ما يُطرح عليها من القداسة هو "عمل بشري" لأن القداسةَ للدينِ ولكنها ليست أبدًا لفهمِ الناسِ للدين : فلا فهمي أنا للدين ولا فهم أي أحد آخر بالمقدسِ، وإنما هو نتيجةٌ طبيعيةٌ لتكوينِ ظروفِ وبنيةِ المحصولِ المعرفي لكلٍ منا.

ولكن كل ما سبق لا ينفي أَن الذين يتحدثون الآن في الغربِ بوجهٍ عام وفي الولاياتِ المتحدة بوجهٍ خاص عن الخطرِ الداهمِ الذي يمثله "الإسلام المقاتل" عليهم أن يسألوا أنفسهم مجموعةً من الأسئلةِ بالغةِ الأهميةِ:

- من الذي أَغمضَ عينيه سنوات عديدة عن المُناخِ العام الذي في ظلِه استشرى النموذج المقاتل للإسلام بينما ترك النموذج المتحضر والإنساني والراقي (الإسلام التركي/ المصري) ليتراجع في ظل تردي الأوضاع العامة (الاقتصادية والتعليمية بوجهٍ خاص) وأن يصبح أرضًا مفتوحة يغزوها النموذجُ المقاتـل – من الذي أغمض عينيه قرابة ثلاثين سنة كاملة – ثم يجئ اليوم معلنًا غضبَه العارم على هذا المُناخ الذي أَفرزَ هذا المارد؟

- من الذي ابتدع في الخمسينيات (وربما قبل ذلك) لعبة استعمال ما يسميه البعض (الإسلام السياسي) لخلق توازنات إستراتيجية ضد الإشتراكية (وكانت لمصرَ في السبعينيات جريرتها الكبرى في نفسِ المجال)؟…

- ألم يدرك الغرب أن في مطبخِ النموذج المقاتلِ لا توجد حريات ولا ديموقراطية ولا حقوق نساء ولا حقوق مواطنين إِلاَّ الآن فقط؟…وهل كان هذا "المطبخ" ذاخرًا بتلك القيم الإنسانية الراقية في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات؟

- لماذا لا يفتح ملف فترة شهر العسل في علاقة المجاهدين الأفغان بالولايات المتحدة؟ وملف علاقة الإسلام السياسي في إيران بالغرب (فرنسا بالذات) قبل وصوله للحكم سنة 1979؟…وقبل ذلك ملف العلاقة بين الحركة السياسية الإسلامية في مصرَ وبريطانيا (التي كانت تحتل مصر وقتها) ولا سيما في ظل حكومتي محمد محمود (1928 و1938)؟

إن العقلَ النقدي الذي تفتخر به الإنسانيةُ المتقدمة يُملي علينا هذه الأسئلـة وغيرهـا – ويملي علينا أن يَقبلَ كلُ طرفٍ أن يتحمل جزءًا من المسئوليةِ عما حدث ويحدث – والعقلُ النقدي يُملي علينا أيضًا أن ننظر بإمعان في النموذجين الذين أشرت لهما في هذا الفصل ونتساءل: أيهما الذي يملك القدرة على مسايرةِ الحضارةِ والتواصلِ مع العالمِ والاشتراكِ في مسيرةِ التمدنِ (دون التخلي عن الكثيرِ من خصوصياتنا الثقافية الإيجابية)؟ أهو النموذج الذي أفرزه المطبخ الذي أَسسه أهل النقل (وهم ضحية العزلة الجغرافية وراء كثبان الرمال) أم النموذج التركي/المصري (ذو الوسطية والاعتدال والسماحة) أم النموذج الغائب دائمًا (نموذج ابن رشد الذي استفادت منه الحضارةُ الغربية وخسرنا نحن بهجره والوقوف مع المدرسة المناهضة له والتي تفتح البابَ على مصراعيه أمام الخرافةِ والأسطورةِ واللاعلمِ وامتطاءِ جواد الاقتتال الذي لا يتوقف عوضًا عن العلم والعمل والبناء والتنمية والتآخي.
أما الفهمُ الآخر فقد وجد من الوسائل اللازمةِ لنشرِه في شتى بقاع الدنيا ما لا نظير له. كما وجد ظروفًا دولية (وانعدام رؤية) تسببت في أن يصبح الفهمُ الاستثنائي المحدود والذي كان محصورًا بين كثبانِ رمالِ صحراء نجد هو الفهم الذي يفـرض نفسه على خشبةِ مسرح الدنيا ويقول: "أنا الإسلام" .. . وبين المشاهدين (في المسرح) من أمضى سنوات يتغاضى عن كلِ شيءٍ (عوامل الداخل والخارج) لأن الممثل الذي يحمل في يده السيف كان يؤدي الدور الذي كان مطلوبًا أن يقوم به – وليحدث بعد ذلك ما يحدث من جراء عوامل الداخل والخارج وانطلاق المارد!
ولكن لماذا يتجه عددٌ غير بسيطٍ من الشبابِ المسلمِ إلى تبني العنف كشكلٍ لأدائه السياسي؟ .. هذا هو السؤَال الذي انشغلت به (ولازالت) جامعاتٌ ومراكز بحوثٍ ودراساتٍ ومفكرون وباحثون ومنظرون عديدون في العالم كله بوجهٍ عامٍ وفي الولاياتِ المتحدةِ بوجهٍ خاصٍ. وقد عكست محاولاتُ الإجابةِ عن هذا السؤَال أشكالاً عدة من أشكال التنظير. وليس هدفي في هذا الفصل تفنيد شتى التفسيرات التي قيلت في محاولاتِ الإجابةِ عن هذا السؤَال بالغ الأهمية. وإنما هدفي أَن أَعرض تفسيري الخاص والذي عرضته مؤخرًا بعدد من المحاضرات خارج مصر كان آخرها بجامعة فيينا.

يقوم تفسيري لظاهرة تبني أعدادٍ من الشباب المسلم للعنفِ كشكلٍ للعمل السياسي على الركائز التالية:
- نصوص القرآن والأحاديث التي يستند إليها دعاةُ العنفِ فُهمت من بداية الإسلام فهمين مختلفين: فهمًا يربطها بظروفٍ وحيثياتٍ معينة، وهذا هو فهم الأغلبية التي اتسمت طيلة قرون بالوسطية والاعتدال. و فهمًا يعمم هذه النصوص (فيما لا يجوز فيه التعميم). وكان أصحابُ هذا الفهم من البدايةِ أقليةً هامشيةً.

١.3
إن نظمُ التعليمُ مُنبتَّة الصلة بالعصرِ هي حلقةٌ أساسيةٌ من حلقاتِ مسلسل التدمير هذا : فنظمُ التعليم في معظمِ المجتمعاتِ الإسلاميةِ والعربيةِ تكرس العزلة عن مسار الإنسانية (وهو مسار لا جنسية له) وتكرس التعصب وتضع (بشكل غير علمي) أُسسًا دينية لصراعاتٍ هي في الحقيقةِ "سياسية بحتة" وتقدم من الدين ما هو منزوع من إطاره بحيث يكرس عدم التسامح وقبول الآخر والإيمان بالتعددية كما يكرس "المكانة الدونية للمرأة" .. كما تقوم معظم هذه البرامج على خلق "ذهنية الإجابة" وليس "ذهنية السؤال" (في عالمٍ يقوم التقدم فيه على أساس فعاليات "ذهنية السؤال") .. كذلك تخلو برامج التعليم في معظم المجتمعاتِ الإسلاميةِ والعربيةِ مما يرسخ في أذهانِ وعقولِ أبناءِ وبناتِ المجتمع أن "التقدمَ" "عمليةٌ إنسانيةٌ" بمعنى أن آلياتِ التقدمِ "إنسانيةٌ" وليست شرقية أو غربية – والدليل على ذلك أن قائمةَ الدولِ الأكثر تقدمًا تضم دولاً غربية/مسيحية (كالولايات المتحدة ودول غرب أوروبا) ودولاً أخرى تنتمي لخلفياتٍ يابانية أو صينية أو مسلمة (مثل ماليزيا). وفي الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، فإن الإنسلاخَ عن مسارِ الحضارةِ الإنسانيةِ يتفاقم. لقد ذكرت في محاضرةٍ لي بجامعة اكسفورد (يوم 16 أكتوبر 2003) إنني طالعت (في الستينات) معظم كلاسيكيات الإبداع الإنساني من هوميروس (قبل الميلاد) إلى "سارتر" (ومرورًا بعشراتِ الأسماءِ واللغاتِ والخلفياتِ) .. طالعتُ كل ذلك (مثل آخرين من أبناء جيلي) باللغةِ العربيةِ .. وهو ما أثمر تواصلاً بيننا وبين الإنسانيةِ وإبداعاتها لا يتصور وجوده اليوم والساحة الثقافية في المجتمعاتِ الإسلاميةِ والعربيةِ شبه خالية مما كانت ذاخرةً به من ترجماتٍ فذةٍ لروائعِ الإبداعِ الإنساني. لقد ذهل جمهور المحاضرة عندما قلت لهم إنني (مثل آخرين من أبناء جيلي) قرأنا اسخيلوس وارستوفان ويوروبيدوس وسوفوكليس وفيرجيل ودانتي وشكسبير وراسين وموليير وفولتير وجان جاك روسو وجل الاعمال الروائية الروسية وفلوبير وبلزاك وبرناردشو وبيرانديللو والبير كامو وستاينبيك وفوكنر وعشرات غيرهم وعيون الفلسفة الألمانية بالعربية في كتب كان مترجموها في الأساس من مصر وسوريا ولبنان وناشروها في الأساس لبنانيون أو مصريون. والرسالةُ هنا هي أن الفجوة بين "عقولِ" أبناءِ وبناتِ المجتمعاتِ الإسلاميةِ والعربيةِ وبين روائع الإبداع الإنساني قد ازدادت اتساعًا كما أن هؤلاء أصبحوا "محليين" بدرجةٍ كبيرةٍ جدًا، وهو ما يدعم ثقافة التباعدِ عن الإنسانيةِ وهو ما يناسب للغاية "ذهنية العنف" و"ثقافتها".

١.4
توجد إحصائياتٌ تقول إن رُبعَ المنخرطين في العملية التعليمية / الدراسية في مصرَ اليوم من تلاميذٍ وطلابٍ إنما يدرسون في مؤسساتٍ تعليميةٍ دينيةٍ (مدارس ومعاهد وكليات أزهرية) . كما أن هناك إحصائياتٍ أخرى تنخفض بهذا العدد إلى الخُمس . وأخيرًا فقد رأيت إحصائيات تنخفض بهذا العدد إلى السُدس . وبافتراض أن الإحصائية التي تُعبر عن الواقع هي السُدس (أكثر قليلاً من 16%) (وهي أقل الإحصائيات) فإن ذلك يعني أن هناك أكثر من ثلاثة ملايين تلميذ وطالب يتلقون تعليمهم من البداية إلى النهايةِ في مؤسساتٍ تعليميةٍ دينيةٍ . وقد يزداد هذا الرقم إلى أربعة ملايين أو خمسة ملايين إذا أخذنا بالإحصائيات الأخرى . ولا شك أننا هنا أمام ظاهرة تعليمية (ذات أبعادٍ ونعكاساتٍ ونتائجٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ) تستحق التأمل والتحليل (بل والدراسة) .

وهذه الحقيقة تُملي على الناظر فيها سؤالاً بالغ الأهمية : "لماذا!" ... وأعني لماذا يقوم مُجتمعٌ مثل المُجتمع المصري بتوجيه هذه الاعداد الكبيرة لمؤسسات تعليمية دينية ؟... ومع السؤال "لماذا؟" يبرز سؤال آخرٌ : مالذي أوصلنا لهذا الحال !... أهي خطة موضوعة !... أم تداعيات لواقعٍ لا يحكمه التخطيطُ الاستراتيچي وإنما وجود واقع أملته ردود الفعل و البيروقراطية ؟ .

أما عن "لماذا؟" ... فمن الواجب أن نعرف أنه باستثناء السعودية وإيران وأفغانستان وباكستان والسودان واليمن السعيد , فإن باقي دول العالم (أكثر من مائتي دولة) لا توجد فيها مثل هذه الظاهرة ولا مثل 10% منها . وبالتالي فإن السؤال يكون : إذا كنا نفعل ذلك , فهل معناه أننا لا نريد أن نكون (تعليميًا وبالتالي ثقافيًا) مثل اليابان وسنغافورة وفرنسا وكندا وأسبانيا وإنما نريد أن نكون (تعليميًا وبالتالي ثقافيًا) مثل السعودية وإيران وأفغانستان وباكستان والسودان واليمن ؟ . هل هذا ما نريده ؟ وهل هذا ما صغناه في سياسةٍ إستراتيچيةٍ للتعليم نُدرك معناها ومغزاها وإفرازاتها ؟ .

أغلب الظن أنه لم تكن لنا سياسة استراتيچية تعليمية تهدف لأن يُصبح "ربع" أو "خمس" أو "سُدس" المُنخرطين في العملية التعليمية لدينا من تلاميذ وطلاب المؤسسات التعليمية الدينية . بل أكاد أُجزم أنه لم تكن لدينا مثل هذه السياسة الاستراتيچية التعليمية : لا هي ولاغيرها . وأكاد أَجزم بأننا وصلنا لهذا الحال بفعل تداعيات الأمر الواقع والبيروقراطية . فقد أوجدنا تلك الغابة الواسعة الشاسعة من المؤسسات التعليمية الدينية كرد فعل عشوائي لمشكلات مثل: إيجاد مؤسسات تعليمية قريبة من أبناءِ وبنات سكان المدن الصغيرة والقرى والنجوع ... وأيضًا كمكانٍ لإيواءٍ (تعليميَّ) للتلاميذ الذين لم يكن بوسعهم (ماديًا) أو (تعليميًا) الانخِراط في التعليم العام . وإذا كان الأمر كذلك (وأظن أنه كان كذلك) فإننا نكونُ هنا مُنسجمين مع طريقتنا في التعامل مع أشياء أخرى عديدة .

لقد تكونت لدي (وأنا أُعد لكتابة هذا الفصل) مجموعة من الحقائق المُخيفة . من أهمها أننا أنشأنا تلك الشبكة من التعليم الديني فيما يمكن وصفه بالحل الأدنى لمشكلات الطبقات الأدنى في المجتمع والطوائف الاقل نجاحًا في التحصيل والتعليم . وإذا كان ذلك كذلك , فمعناه (إستراتيچيًا) أننا نضخ أعدادًا كبيرة من المطحونين اقتصاديًا واجتماعيًا والاقل في القدرات التحصيلية داخل منظومة تعليمية دينية ديناصورية الحجم . وأغلب الظن أننا فعلنا ذلك دون أن نبذل أي جهد لاستقراء ودراسة النتائج الاستراتيچية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) لمثل هذا الخيار على كل مُجتمعنا وعلى حالِ ومُستقبل هذا المجتمع .

لسنواتٍ طويلةٍ كنتُ أسألُ العشرات بل المئات من صغار الموظفين والعاملين : "هل يذهب أولادكم للتعليم الأزهري؟"... وكان الجواب عادةً ما يأتي بالاستنكار والاستنكاف والرفض . وهو ما أعطاني شعورًا قويًا (وقد أكون مخطئًا) بأن التعليم الديني لدينا هو ملجأ لمن لم يكن أمامه (من حيث القدرات الاجتماعية أو الذهنية) إلا هذا الملجأ الأخير . ومرة أخرى أقول : إذا كان الأمر كذلك , فإن النتائج الاستراتيچية ستكون وخيمة العاقبة . فهل درسنا تلك العواقب أم أننا تركناها لثقافة الارتجال السائدة منذ عقود .

وإذا كان مُجتمعنا قد ضربته خلال العقود الأخيرة موجةٌ عاتيةٌ لفهم بدائي وماضـوي للديـن ... فهل قام بعضنا بدراسة العلاقة بين هذه الموجة وبين الفلول الكبيرة التي درست في المؤسسات التعليمية الدينية وكانت - من الأساس – مؤهلةً للانضواءِ في هذه الموجة من الفهم المحدود والبسيط والماضوي للدين؟

وهل نظر أحدٌ من الدراسين الاستراتيچيين لدينا للظاهرة من زاوية أخرى وتساءل :... ما هو أثر انخراط تلك الاعداد الهائلة من المصريين والمصريات في التعليم الديني على أحوالنا العلمية والتكنولوچية والصناعية والتجارية ؟ وإذا كانت دول أخرى قد توسعت في التعليم الديني بما أوجد في النهاية كادرًا من رجال الدين يَحولون دون انخراط المجتمع في مسيرة التقدم , فإن السؤال يكون : هل نرى كم أصبحنا غير بعيدين عن تلك الحالة ؟ .

وهل تأملنا التعليم الديني لدينا من المنظور التالي : إن قيم التقدم هي مجموعة من القيم التي لا يخلو منها مجتمع ذو حظٍ طيبٍ من الازدهار , ومن أهمها الإيمان بالتعددية والإنسانية والغيرية وعالمية المعرفة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة . وقد قضيت عشرات الساعات أُراجع المقررات والبرامج الدراسية للتعليم الأزهري لا سيما في مجالات النصوص والثقافة والأدب واللغات , فوجدت هذه البرامج والمقررات إما أنها خالية من عملية بذر وغرس تلك القيم خلوًا تامًا , وإما أنها تُقدم وتغرس قيمًا مناقضة. فهل درسنا حجم المشكلة التي نخلقها بأيدينا لأنفسنا عندما نُفرز خريجين وخريجات قد غرست في ضمائرهم وعقولهم قيمًا تناقض قيم التقدم التي كان علينا أن نعمل على غرسها ؟ ومن المهم التذكير بأن التقدم هو أمرٌ مرهون بمجموعةٍ من القيم قبل إن يكون مرهونًا بإمكانات وموارد مادية .

وهل درس أحدٌ (من المنظور السياسي الاستراتيچي) احتمال أن نكون (بتبني هذا الحجم الكبير من المؤسسات التعليمية الدينية) إنما نخدم في النهاية توجهات تُعلن الدولة (وهي في هذا مُحقة تمامًا) أن هذه التوجهات هي أعدى أعداء المجتمع المدني لدينا – وأعني أن نكون نعمل في خدمةِ أعداء المجتمع المدني وأعداء التقدم وأعداء الانخراط في مسيرة إنسانية بل و نقوم كمجتمع - وكدولة - بتمويل كل ذلك . وهل نظر أحد في مجتمعنا لعواقب وجود هذا الحجم من المؤسسات التعليمية الدينية على المناخ الثقافي العام وعلى السلام الاجتماعي وعلى طبيعة مُجتمعنا المصري كمجتمع من مجتمعات البحر المتوسط؟... أم أن كل ذلك لم يحظ بأي اهتمام من أي أحدٍ ومن أي جهةٍ .


١.5
ومن الغريبِ، أن كلَ الكتاباتِ التي تعرضت خلال العقودِ الأربعةِ الأخيرةِ للعنفِ المتنامي في عددٍ غيرِ قليلٍ من المجتمعاتِ الإسلامية والعربية لم تستعمل مصطلح (الكفاءة) أو مصطلح (عدم الكفاءة) في تحليلِها لهذه الظاهرةِ. ويستوي في ذلك أن يكون الكاتبُ أستاذًا بجامعةٍ عريقةٍ مثل صموئيل هانتنجتون (الاستاذ بجامعة هارفارد) أو صحفي، فلم يحدث أن طالعت هذه الكلمة المفتاح (Key word) في كل ما طالعته. ويذكرني هذا بما قلته في محاضرةٍ منذ عدة سنوات (لطلاب الماجستير في الإدارة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة)، إذ ذكرت إنني دونت مائة حديث بيني وبين آخرين عن شخصياتٍ عامةٍ محليةٍ ودوليةٍ عديدةٍ – ولاحظت أيضًا أن كلمة "كفاءة" لم ترد بأي شكلٍ من الأشكالِ في أحاديثِ التقييم المائة - رغم أن صنعَ المشكلاتِ (عند رجلِ إدارةٍ مثلي) ينبع من (عدمِ الكفاءةِ) وأن صنعَ النجاحِ بشتى صورِه ينبع من (الكفاءة). وفي اعتقادي أن يأسَ وقنوطَ أعدادٍ كبيرةٍ من أبناءِ وبناتِ المجتمعات الإسلامية والعربية والذي يوّلد "الغضب" ثم "العنف" في حالاتٍ كثيرة يكون بسبب أوضاعٍ نجمت من كون مجتمعاتهم تدار بكوادرٍ بشريةٍ اختيرت لولائها وانصياعها وليس لكفاءتها، إذ أن الكفاءةَ (بالمعنى المعروف في علوم الإدارة الحديثة) لا تشغل بال أي نظامٍ سياسي أوتوقراطي.

************
بين أتباعِ كل دينٍ مساحةٌ للتشددِ وداخل مساحةِ التشددِ هامشٌ للتطرفِ وداخله مساحةٌ للغلو في التطرفِ. ويمكن لمؤرخي الأديان أن يعرضوا على القراء هذه المساحات والتي تتصل بالطبيعةِ البشريةِ أكثر من اتصالِها بالأديان في حدِ ذاتِها: فلا يوجد دين يحضُ على العدوانِ على الآخرين ولا يوجد دين يشجع العنفَ واستعمالَه في حقِ الأبرياءِ ولا يوجد دين يعطى البعضَ حقوقًا لا يمكن تصور أن تكون لبشرٍ. ويمكن لعددٍ من المؤرخين المصريين أن يعرضوا للقراء صورًا من أتباعِ عددٍ من المذاهبِ الباطنيةِ التي أفرز بعضُها صورًا بالغة التطرفِ، فمن بين أتباع الصحابى الجليل المشهود له بعظيم الخلق والعلم على بن أبي طالب خرجت مجموعةٌ تؤثمه لرأيٍّ سياسيٍّ رآه وهو قبول التحكيم في معركةِ صفين، وهؤلاء هم أَصل فرقةِ الخوارج التي تشعبت في التأثيم والتجريم والتحريم. وهناك القرامطة الذي قاموا بخطف الحجر الأسود وإبعاده عن مكانه المقدس عند كل المسلمين لسنين عديدة. وفي أواخرِ القرنِ الثامن عشر الميلادي وأوائل القرن التاسع عشر وجدت فرقة أخرى أصبحت رمزًا للتشددِ والتضييقِ والتأثيمِ والتجريمِ والتحريمِ اكتست توجهاتُها بثقافةِ البداوةِ مع ثقافةِ القبليةِ الموغلةِ في المحافظةِ. وفي مواجهةِ هذه الفرقة كان هناك (إسلام مصر) المعتدل والراقي وصاحب التراث العتيد في قبول التعددية وآثارها. وكانت النتيجةُ أن قامت مصرُ خلال سنواتِ العقدِ الثاني من القرن التاسع عشر بمواجهةٌ حربيةٌ عارمة بين (مذهب الغلو الصحراوي) و (إسلام مصر) عندما أرسل محمد على جيشهَ بقيادةِ ابنه طوسون في البداية ثم بقيادة ابنه العظيم إبراهيم بعد ذلك ليقوم بتصفيِةِ دولة الغلو والتطرف وذيوع التأثيم والتجريم والتحريم. ولم تكن هذه المعركة بين جيشين وإنما كانت في حقيقتها حربًا بين (فهمٍ صحراويٍّ متطرفٍ للإسلام) و (إسلام مصر الحضاري العظيم) ... وانتهت المعركة بهزيمة نكراء لقوى التعصب والغلو والتطرف... والتي نزلت إلى (ما تحت الأرض) لتعود بعد ذلك في أدبيات تيارٍ سياسيٍّ يزعم أنه (الإسلام) ويرى معظم المصريين أنه (فهم محدود وضيق ومتطرف إلى أبعد الحدود للإسلام).

وهدفُ هذا الفصل هو دعوة المصريين قاطبةً لأن يعتزوا بالنموذج الذي قدمته مصرُ للإسلام: نموذج السماحة والإيمان بأن التعدديةِ هي ملمحٌ من ملامحِ الحياةِ والقبول بآثارِ ونتائج الإيمان بالتعددية... وعدم إطلاق صفة الكفار على المسيحيين واليهود لأن هؤلاء ببساطة (أهل كتاب) حسب التعبير القرآني، والإيمان بأن العدوان على الآخرين "جريمة" مثل العدوان على المسلمين... وهدف هذا الفصل أن يدعو كلَ مصريٍّ ومصريٍّة لعدم خلط الأوراق : فالمصريُّ المعتدل بطبيعته لا يمكن أن يدفعه استنكارُه للعدوان على الفلسطينيين ولا يدفعه الغضبُ من عدمِ عدالةِ عددٍ من سياساتِ الولايات المتحدة لكي يكفر بنموذجه الحضاري للإسلام ويؤمن بالنموذج المخالف لركائز طبيعته الحضارية والثقافية، فالعنف وقتل الأبرياء والعدوان على أرواحهم وأموالهم واستحلال العنف غير المبرر على الآخرين والرجوع بالمجتمع لظلام عصور ما قبل التاريخ ... ومعاملة المرأة كالدواب... وتحريم منتجات العلم والحضارة الإنسانية كل ذلك يخالف كليةً التوسطية المصرية والاعتدال المصري وباختصار فإنه يخالف إسلامَ مصرَ ومسيحيتها في نفسِ الوقت وبنفسِ القدر (وهنا، فإنني أدعو القراء لتأمل الفارق بين موقف طالبان القائل بأن المسيحيين واليهود ليسوا وحدهم الذين يُعتبرون (كفارًا) بل إن طالبان تجزم بأن "الشيعة" كلهم أيضًا (كفار)... وليقارن القراء هذا الموقف بفهم المصريين المعتدل أن المسيحيين واليهود (ولا شك أيضًا الشيعة) ليسوا (كفارًا) وإنما المسيحيون واليهود (أهل كتاب) أما (الشيعة) فإخوة في الإسلام وإن اختلفت الآراء معهم في مسائل ولكن من المستحيل وصفهم بالكفار...

إن أهم مهامنا الثقافية في الحاضر والمستقبل إن نعمل جاهدين على الرجوعِ الكليِّ لفهمِ المصريين للدين والذي استمر قرونًا طويلة والعودة بالكلية لإسلام مصرَ الذي ينفر من كل نماذج التطرف والغلو (وأهمها الفكر الذي أنتج الدمار الأفغانستاني) بقدر نفورِه من العنفِ والظلمِ والفظاظةِ التي تأتى من جهاتٍ أخرى قد تكون متقدمةً علميًا ولكنها بحاجة لمزيدِ من الرقى إنسانيًا ... وفي كل الأحوال : فإنه لا يوجد مبررٌ واحدٌ يجعل مصريًا واحدًا أو مصرية واحدة يقبل النموذج الأهوجَ لفرقةٍ من فرق الإسلام السياسى هي التجسيد الواضح لما في الطبيعة البشرية من قدرةٍ (في ظل أي دين أو ثقافة أو حضارة) على إفرازِ أشكالٍ بالغةِ الغلو من الفظاظةِ والتطرفِ والميلِ الجارفِ للعنفِ والرجوع بالمجتمعاتِ لدرجاتٍ بالغةِ الغرابةِ من التخلف والبدائية.

وإذا كان التطرفُ من طبائعِ البشرِ وليس من طبائعِ المسلمين (إذ أنه وجد تاريخيًا في كل الأديان وفي ظل كل الحضارات والثقافات) فإن الحقيقة تبقى متجسدةً في أن المجتمعاتِ التي تعمل على خلقِ طبقةٍ وسطى واسعةِ وذات شروطٍ حياتيةٍ (سياسيةٍ واقتصاديةٍ وثقافيةٍ واجتماعيةٍ ) طيبةٍ تكون أَكثرَ تحصنًا أمام التطرف الذي يمكن أن تقل معدلات تواجده ولكنها لا تختفي مادامت البشريةٌ موجودةً على ظهرٍ الأرضٍ.

كذلك ينبغي على أبناء الوجه النبيل للإسلام المصري (والموجود أيضًا في العديدِ من المجتمعاتِ الأخرى) أن يدركوا أن استعمالَ اسم الإسلام هو "حيلةٌ سياسيةٌ" لا أكثر ولا أقل: فعندما يقول أسامة بن لادن إنه لن يتوقف طالما بقيت الأحوالُ في فلسطين على ما هي عليه، فإن العاقلَ لا يملك إِلاَّ أن يوافق على رد الفلسطينيين العقلاء عندما قالوا: ومنذ متى كانت فلسطين هي قضيته؟ إنه باختصار شديد يضفي بعدًا نبيلاً على "حركةٍ سياسيةٍ بحتة" … ونفس الشئ يقال على العديد من التوجهات داخل "معسكر التطرف" الذي يسمى أصحابه أنفسهم بالإسلاميين، وهم في الحقيقة أصحاب مشروع سياسي صرف ركائزه خلطة من القبلية والبدائية والبداوة – وأن هذا المشروع يحتاج لأداةِ ترويجٍ …ولن يجد أصحابُ هذا المشروع أَداةَ ترويجٍ أفضل من مصطلح (المشروع الإسلامي)… والحقيقة أن كلَ مجموعاتِ التطرف والتي تتسمى باسم الإسلام هي مجموعاتٌ سياسيةٌ هدفها الوصول للحكم وتنفيذ مشروعها القائم على ركائز من القبلية والبدائية والبداوة وكراهة سيكوباتية للعلم والتقدم والحضارة (وكل ذلك الذي يكرهونه "إنساني" في المقام الأول). ومرة أخرى: فإن الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتدنية لا تخلق هذه المجموعات ولكنها تعطيها فرصًا أعظم وأكبر للترويج لمشروعها (السياسي) الذي سيعيد أي مجتمعٍ يُنكب بها لظروفِ ما قبل التاريخ كما أعادت "طالبان" أفغانستان إلى ما هو أسوأ من ذلك بكثير: فالظروف الحياتية للشعب الأفغاني أكثر من بائسة… ونظم الخدمات العامة والصحية شبه منعدمة، ووضع المرأة مزرٍ ومؤسف وخلال عقد واحد من الزمان سيكون كل نساء أفغانستان "أُميات"، والتعليم العصري للأطفال شبه غائب، وعدد الأفغان الذين قتلوا أو شوهوا على يد الأفغان (خلال ربع قرن للآن) أضعاف الذين قتلوا أو أصبحوا من ذوي العاهات على يدِ أيةِ قوةٍ أجنبيةٍ … وأي خلافٍ في الرأي يقود للإعدام…ونظرة واحدة لظروف الحياة المعيشية في أفغانستان تنبئ بما ستؤول إليه أمور وأحوال أية أُمةٍ يحكمها متطرفون جمعوا خلاصة التطرف والجهل والظلامية والفظاظة في سبيكة واحدة هي سبيكة يشمئز منها المصريُّ المسلم قبل غير المسلم لتعارضها الكلي مع فهمِه للدينِ والإنسانيِة والحضارِة.

************
٢

وإذا كانت "ذهنيةُ العنفِ" في نظري هي ثمرةَ عواملٍ داخليةٍ، فإن إقحامَها في موضوعِ "صراع الحضارات" هو (في اعتقادي) من قبيل "أدب الخيال" أكثر من كونه "تحليلاً فكريًا أو سياسيًا"… ولا أستبعد من ذلك عمل ذائع الصيت مثل كتاب صموئيل هانتنجتون . ولابد هنا من كلمة عن هذا الكتاب لارتباطه الوثيق بموضوع "ذهنية العنف" . لقد طالعت المقالَ الذي نشره هانتنجتون في أكتوبر 1992 بعنوان "صدام الحضارات؟" ثم جعله كتابًا أصدره في العامِ التالي (1993) بنفس العنوان ولكنه بدون علامة استفهام (والمعنى في غير ما حاجةٍ لشرحٍ). وقد حقق الكتابُ من الانتشارِ وإثارةِ الجدلِ والحوارِ ما لم يحققه كتابٌ آخر خلال تلك الفترة (وأستثني بالطبع الاعمال الروائية ذائعة الصيت) . ورغم استحالة أن أُصدر أحكامًا مثل التي صدرت (على نطاقٍ واسعٍ في العالم الإسلامي والعربي) عن المؤلفِ ونواياه وأهدافِه ودوافعِه - رغم استحالة إصداري لأحكامٍ كهذه – إلا أن ذلك لا يحول بيني وبين القول بإنني وجدتُ في الكتاب ما أعتقد أنها ثلاث غلطات كبرى:
أما الأولى، فهي أنه تكلم عن "الإسلامِ وفق الفهم الوهابي" وكأنه "الإسلام". والحقيقة أن الفهمَ الوهابي لم يكن تيارًا أساسيًا في الإسلامِ حتى إبرام الحلف الذي أُبرم بين محمد عبد الوهاب ومحمد بن سعود في النصف الثاني من القرن الثامن عشر . وقبل ذلك كانت هناك أفكار مماثلة للفهمِ الوهابي للإسلام ولكنها كانت هامشيةً بكل ما تعنيه الكلمةُ من معانٍ . أما التيارُ الأساسي في الإسلام (Main Stream Islam) فكان بعيدًا كل البعدِ عن الفهم الوهابي للإسلام وثقافة هذا الفهم – وإذا كانت الدولةُ العثمانية قد مثلت الإسلامَ سياسيًا (وكقوةٍ عظمى) لعدةِ قرون – فإن الدولةَ العثمانية والفهمَ الوهابي للإسلام لم تكن بينهما أية صلة أو علاقة إلا "العداء المطلق". . وقد كنت على استعدادٍ لقبولِ معظمِ ما قاله هانتنجتون عن الصدام قوى الاحتمال بين "الغرب" و"الإسلام" لو أنه استعمل كلمة "الإسلام الوهابي" عوضًا عن "الإسلام" . وأميل للاعتقاد بأن هانتنجتون غيرُ ملمٍ بتاريخِ وعواملِ وظروفِ تعاظم النموذج الوهابي لفهمِ الإسلام .
أما الثانية، فهي أنه لم يقدم أية أدلة قوية عن الصراع المرتقب بين "الغرب" والمجتمعات المنتمية للكونفوشيوسية – وكان هنـا يكتب مـا هـو أقـرب للأدب (وأدب هـ . ج . ويلز بالتحديد) منـه للتحليـلِ والفكرِ السياسي . كما أنه هنا يشبه نعوم تشومسكي الذي يقيم نظريةً سياسيةً على فرضيةٍ لا يوجد دليل واحد على صحتها – فهو يقول (أي تشومسكي) إن الولاياتِ المتحدة الأمريكية لا تستطيع أن تعيش من غير عدوٍ واضحٍ تتعرف على نفِسها من خلالـه ومن خـلال العداء معه – ويضيف أن هذا العدو كان (ما بين 1945 و1990) الكتلة الشرقية (أو الشيوعية) وأن الإسلامَ هو المرشح اليوم لهذا الدور (المسرحي!) . ولم يسأله أحد: وكيف نمت الولايات المتحدة الأمريكية نموها الاعظم ما بين 1500 و1900 دون أي انغماسٍ في الصراعاتِ الخارجيةِ ودون وجود أي عدو واضح لها خلال فترة تكوين واكتمال "الحـلم الأمريكـي"؟؟ وكيف وصل ونستون تشرشل لحافةِ اليأسِ وهو يحاول إقناع الولايات المتحدة (خلال السنتين من 1939 إلى 1941) بضرورةِ دخولِ الحربِ العالميةِ (في جانب الحلفاء) ولم يحقق له النجاح إلاَّ ضربة اليابانيين لبيرل هاربور في سنة 1941 – كيف لم تر الولاياتُ المتحدة العدو (وهي مجبولة حسب تنظير تشومسكي على الاستفادة من وجوده) إلاَّ بشق الأنفس؟!! ...: نحـن هنـا ببساطـة بصـدد "أدباء" لا "مفكرين" …
وأما الثالثة، فهي أنه لم يُفرد للحربِ العالميةِ الثانيةِ أيةَ مساحةٍ لائقةٍ في كتابه. رغم أن الحربَ العالمية الثانية (والتي هي أكبر حالة صدام في تاريخ الإنسانية) كانت بين أطرافٍ معظمها من بوتقة حضارية واحدة (الحضارة الغربية) كما أنها كانت داخل "العالم المسيحي" ولم يذكر أحدٌ (قط) أن "الدين" (كما يعتقد هانتنجتون) كان عاملاً من عوامل هذا الصراع الكبير (والذي كان في الأساس صراعًا بين الفاشية الأوروبية والديمقراطيات الأوروبية).
و أوضح دليل على خطأ الزعم بأن التيارات والجماعات العنيفة (المخاصمة للعصر والحداثة والداعية لعودة درامية للقرون الوسطى) هي"الإسلام" – أوضح دليل على خطأ هذا الزعم هو صورة عدد من المجتمعات الإسلامية الأساسية في مستهلِ القرنِ العشرين مثل مصر وسوريا الكبرى (وكانت تشمل وقتئذ لبنان) وتركيا. كانت تلك المجتمعات "مسلمةً" إلى حدٍ بعيدٍ ولكنها كانت أيضًا من أكثرِ المجتمعاتِ قبولاً للأقلياتِ، وكان بعضها يذخر بعدد لا مثيل له من الاقليات (الإسكندرية وبيروت والقاهرة مثلاً). وكان "قبول الآخر" وقبول "الحداثة" والاقبال على ثمارِ الإبداعاتِ الإنسانيةِ الكبرى واضحًا. في هذه البلدان (يومذاك) كان المثقفون يترجمون هوميروس وروائع المسرح اليوناني القديم وروائع الآداب الأوروبية الحديثة وعيون الفكر الإنساني (مثل ديكارت وجان جاك روسو وفولتير وديدرو ولوك وهوبز وكانط وهيجل وشونبهور ونيتشة .. وغيرهم) وكان الانسجامُ مع موجةِ الحضارةِ العظمى التي بدأت بعصر النهضةِ (الرينيسانس) كاملاً. ومع ذلك، كان مصريو وأتراك وسوريو تلك الفترة المسلمون لا يشعرون بأي تناقضٍ بين كونهم مسلمين وشغفهم بالحداثةِ وإبداعاتِ الحضارةِ الغربيةِ الماديةِ والثقافيةِ على السواء.
وفي هذا الدليل القاطع (المستمد من واقع كان موجودًا وحيًا) على أن الإسلامَ ليس هو جماعات العنف وحملة السيف (الذين يرجعون لنقطةِ انطلاقٍ جيوبوليتيكية شرحتها من قبل) بل و في هذا الدليل الواضح على أنه التيار الذي كان بمثابة التيار الأساسي في الإسلام Main Stream كان أَبعد ما يكون عن "الإسلام المحارب" Militant Islam الذي يعود عقليًا للفهمِ الوهابي للإسلام وانتشار لظروفِ التدهورِ في عددٍ من المجتمعات الإسلامية (نظريتنا التي أوضحناها: "نظام سياسي أوتوقراطي" يؤدي لشلل كلي للحراك الاجتماعي .. بما يؤدي لشيوع "عدم الكفاءة" .. بما يؤدي لانخفاض كل المستويات .. بما يؤدي لليأس والذي في ظلِ نظمٍ تعليمٍ وإعلامٍ متخلفةٍ ينتج "ذهنية العنف" ومناخ ثقافي عام يقبلها هو ما سميته "ثقافة ذهنية العنف".
وباختصارٍ شديدٍ، فبينما كان الإسلامُ غير الوهابي يسمح بوجودِ مجتمعاتٍ تعيش عصرها في مصر وسوريا ولبنان وتركيا ويتفاعل فيها المسلمون مع المسيحيين واليهود ومستحدثات العصر، فإن الفهمَ الوهابي للإسلام لا يتصور أن يسمح بوجودِ مجتمعاتٍ مثل الإسكندرية والقاهرة واسطنبول وبيروت ودمشق وحلب كما كانت تلك المدن في سنة 1900 على سبيل المثال. وعلى النقيض، فإن هذا الفهم النجدي للإسلام يجعل المسلمين (من أتباعه) في "حالة تصادمٍ دائمةٍ" مع الآخرين والعصرِ والحداثةِ .. ولا يُفهم لكلمةِ "الجهاد" معنىً إلاَّ حمل السيف في كلِ وقتٍ – رغم أن المسلمين غير الوهابيين كانوا عبر قرون عديدة يفهمون أن مصطلحَ "الجهاد" يعني استعمال القوة لدرءِ عدوانٍ عليهم. ناهيك عن أن المصدرَ اللغوي للكلمةِ لا علاقة له بالعنفِ المسلح. كذلك، فإن تصورَ اندماج المسلمين في الإنسانية وارد عند الفهم غير الوهابي للإسلام (لاسيما قبيل الذيوع الواسع للثقافة الوهابية خلال القرن الأخير) .. أما حسب الفهم الوهابي (وثقافته) فإن هذا الاندماج "مستحيل" و"مرفوض" ومرادف لمصطلحِ "التبعيةِ" الذي يروجه كلُ من سيطرت الثقافة الوهابية على تفكيرهِ. وإذا كانت لنظريةِ نعوم تشومسكي أن تكون صائبةً، فإنها تكون كذلك بالنظرِ لأصحابِ الفهمِ الوهابي للإسلام – فهم لا يستطيعون الوجود بمعزلٍ عن "عدوٍ كبيرٍ" يكون وجودُهم مرهونًا بوجوده!
وفي كل هذا ما يدحض أن "المنظومة الإسلامية" تؤدي حتمًا للعنفِ والصدامِ مع الآخرين – فتلك (من جهةٍ) خاصية "فصيل واحد" لم يكن له وجود يذكر (خارج صحراء نجد) منذ قرنٍ واحدٍ من الزمان، وتلك من جهة أخرى ليست من نسيج تيار الإسلام غير الوهابي الذي كان هو التيار الأساسي Main Stream في المجتمعات الإسلامية قبل حدوث الزلزالين: زلزال انتشار النموذج العنيف .. وزلزال تدهور مستويات الحياة في عدد كبير من المجتمعات الإسلامية بالكيفية التي جعلت المناخ العام مناسبًا لفكر النموذج العنيف للإنتشار.

**********
٣

إن إيماني بأن جذورَ "ذهنيةِ العنفِ" في الأساسِ "داخليةٌ" لا يمنعني من التطرقِ لعاملٍ مهمٍ في استفحالِ أمرِ ذهنيةِ العنفِ، وهو عامل خارجي وإن بقى "عامل انتشار" لا "عامل وجود". وأعني الاستعمال السياسي قصير النظر للتياراتِ النابعةِ من ذهنيةِ العنفِ. فقد كان مكتبُ المخابرات البريطانية (MI 6) بالهند وراء الحلف الذي كان يسعى وقتئذ (أوائل القرن العشرين) لتوحيد الجزيرة العربية تحت نظامٍ سياسي يستمد شرعيته من الفهم الوهابي للإسلام. وقد كانت الحركةُ النجدية المعروفة بالأخوان خلال عشرينيات القرن الماضي نموذج واضح لغلاةِ هذا التيـار – وهو ما حدا بالملك عبد العزيز بن سعود (مؤسس الحقبة السعودية الثالثة) للدخولِ في حربٍ معهم لا تهامهم إياه بالخروجِ عن صحيحِ الإسلامِ بسببِ قبولهِ لبعضِ مظاهرِ الحضارةِ الغربيةِ (الإذاعة .. السيارة … التليفون) وائتلاف الإنجليز والقصر في مصر بهدفِ خلقِ كيانٍ سياسي (يستمد شعبيته من شعبية الدين في مصر) يحدث توازنًا استراتيجيًا مع "الوفد" الذي كان يمثل ويقود (بأغلبيةٍ كبيرةٍ) النضال المصري من أجل الدستور والحياة البرلمانية والاستقلال – هذا "الائتلاف" هو أمرٌ معروفٌ لدارسي تاريخ مصرَ المعاصر. وهذه اللعبة (لعبة بعض الساسة بعفريت "ذهنية العنف") هي ما تكرر في مصرَ في سبعينيات القرن العشرين وما كررته الولاياتُ المتحدة الأمريكية في أفغانستان .. وكلها أمثلةٌ واضحةٌ على "عاملٍ خارجي" ساعد "ذهنية العنف" على أن تصل لدرجةٍ من النمو السياسي والعسكري ما كان بمقدورها أن تصل إليها لولا أن البعضَ قد ظن (تحت تأثير ظروفِ الحربِ الباردةِ) أن اللعبَ بهذه الورقةِ مربحٌ لا محالة .. فكما يقول المثل العربي "لا يفل الحديد إلاَّ الحديد". واليوم: فإن الصورةَ تبدو شبه مكتملة: و هي أن نشوءَ ذهنيةِ العنفِ هو أمرٌ مرهونٌ بعواملٍ داخليةٍ هي الأوتوقراطية وشلل الحراك الاجتماعي واختفاء الكفاءة وشيوع اليأس وتدعيم كل ذلك بأدواتِ نظمٍ تعليميةٍ وإعلاميةٍ مُنْبَتَّةُ الصلةِ بالعصرِ .. ثم جاء عاملٌ خارجي هو "أكبر غلطة حسابات في القرن العشرين" لتعطي ذهنيةَ العنفِ فرصةَ النمو السياسي والعسكري لحدود ما كان لها أن تبلغها لو لم يقرر البعضُ أن يستعملها في صراعاته استعمالاً كان يفتقر للحكمةِ وبعد النظرِ ودقةِ الحسابِ في كلِ الحالاتِ.
وهكذا: وجد العالم نفسه بعد القضاء على الفاشية والنازية، ثم القضاء على الشيوعية أمام مجابهة جديدة نجمت عن انتقال مقعد القيادة في عالم المسلمين من التيار الوسطي المعتدل (المصري والسوري والتركي والمغربي قبل قرن من الزمان) إلى سبيكة الوهابية/القطبية/البترودولارية الجديدة التي لا يمكن أن تنخرط في مسيرة الإنسانية والتقدم والتمدن كلاعب ضمن آخرين.
وعندما اغتالت مجموعةٌ متطرفةٌ الرئيس أنور السادات كان ذلك رمزًا من رموزِ ذيوعِ وشيوعِ ونفوذِ وانتشارِ نموذج الفهم الوهابي للإسلام وبنفس القدر تراجع الفهم المصري/التركي/السوري للإسلام. ثم توالت أحداثٌ مماثلة تكرر الدليل بعد الدليل على أن الفهمَ السعودي للإسلام أصبح متسعًا ومنتشرًا ومؤثرًا في معظمِ المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة من نيجيريا إلى الجزائر إلى مصر إلى الجزيرة العربية إلى باكستان وأفغانستان وإندونيسيا.

وفي صباح 11 سبتمبر 2001 قام مجموعةٌ من المنتمين للفهمِ الوهابي للإسلام بهجماتهم في نيويورك وفيرجينيا وغيرهما في أعمالٍ تمثل موقف الفهم الوهابي للإسلام من الآخر بوجهٍ عام ومن الحضارةِ الغربيةِ بوجهٍ خاص.

***********


٤

شهد المسلمون خلال القرون الخمسة الهجرية الأولى نشاطًا فكريًا هائلاً فى سائر مجالات الفكر الإسلامي - علم أصول الفقه وعلم الكلام والتفسير والتأريخ - وهو ما تمخض عن ثروة في الآراء والاجتهادات من أقصى اليمين المحافظ كالمدرسة الحنبلية لأقصى درجات التوسع فى التأويل وإعمال العقل بنفس درجة إعمال النقل – وربما أكثر (مثل المفكر العظيم ابن رشد)؛ وبين هذا وذاك شتى أنواع المدارس .
ساهمت نظم الحكم الأوتوقراطية المغلقة مع نظم التعليم منبتة الصلة بالعصر وكذلك وسائل الاعلام الموجهة ومناخ ثقافة الفهم المتزمت (وأحيانًا المتطرف) للدين لنشوء حالة تحفز بين عقول أعداد كبيرة من المسلمين والعرب وكلمات مثل "التقدم" و"الحداثة". بل يمكن القول إن العوامل التي ذكرتها (وهي عوامل داخلية) مع عوامل أخرى خارجية (مثل مرض "الطفولة الثقافية" في بعض الدول بالغة التقدم) قد أدت بالعقل المسلم والعربي للاعتقاد بأن الدعوة للتقدم والحداثة هي دعوة للتبعية وفقدان الخصوصية الثقافية. ويزيد من تفاقم الحالة، ما يشعر به مسلمون وعرب كثيرون من أن قيم الحضارة الغربية السامية هي للداخل لا للكل. وقد بذلت جهودًا هائلة لأوضح لقرائي في مصر ومنطقة الشرق الأوسط أن "التقدم" ظاهرة إنسانية في المقام الأول. وأن "روشتة التقدم" لا جنسية و لا دين لها: وكان دليلي الأول دائمًا أن الولايات المتحدة واليابان وماليزيا وتايوان وكوريا الجنوبية هي مجتمعات متقدمة، وبعضها غربي بحت وبعضها صيني وبعضها مسلم وبعضها ياباني. وقد أفردت العديد من كتاباتي لأوضح لأبناء وبنات مجتمعي أن الزعم بأن التقدم والحداثة هما مقابل حتمي لضياع الهوية والخصوصية الثقافية هو خلط مروع للأوراق. وما أكثر ما رددت: "إنني كرجل مارس تقنيات الإدارة الحديثة على نطاق واسع أعلم يقينًا أن هناك "إدارة ناجحة" و"إدارة فاشلة" ولكنني لا علم لي بإدارة عربية أو صينية أو إفريقية أو فرنسية". لقد تقدمت اليابان تقدمًا مذهلاً خلال خمسين سنة، ولا يزال المجتمع الياباني (لاسيما خارج العاصمة "طوكيو") يابانيًّا صرفًا. والذي ينكر أن التقدم ظاهرة إنسانية وأن آلياتها أيضًا إنسانية هو إنسان لم تر عيناه "آليات التقدم على أرض الواقع" (وربما يكون ذلك تفسير عدم اهتمام معظم الأكاديميين بهذه الجزئية).
ولا شك أن نظم الحكم الاستبدادية يلائمها المواطن المحلي الصرف والمنبت الصلة بالعالم الخارجي والذي يعتقد أن "الحداثة" هي الوجه الآخر "للتبعية" : فمواطن كهذا لن يؤمن أيضًا بأن "الديمقراطية" ثمرة الإنسانية وأنها "منتج إنساني" و"حق إنساني" وليست بضاعة غربية "للغربيين" – كما أنه سيدرك (وهو أمر غير مرغوب فيه) أن القول بأن لكل مجتمع "نوع خاص من الديمقراطية يناسبه" هو "كلام مغرض إلى أبعد حد" : فمن المؤكد أن هناك صورًا عديدة للديمقراطية .. ولكن من المؤكد أيضًا أنها كلها تتضمن آليات محاسبة تهبط بالحكام من "أفق السادة" إلى "أفق خدمة المجتمع".
ولكن المسلمين ارتكبوا جناية كبرى فى حق أنفسهم وفى حق دينهم عندما توقفوا عن البحث عن مفاهيم وحلول جديدة عندما أعلنوا "قفل باب الاجتهاد" والانكباب على ما أنتجه السابقون من مفاهيم وحلول - رغم أنها كانت ابنة زمانهم وثمرة ظروف عصرهم . وهكذا؛ فإن المسلمين منذ نحو ثمانية قرون فى حالة اجترار لأفكار رجال آخرين اجتهدوا لزمانهم لا لزماننا . وبينما كان رجال الدين - منذ ثمانية قرون – من نوعية ابن رشد الذي كان بقامة مثل قامة أرسطو؛ فإن رجال الدين اليوم لا يقرأون إلا بالعربية ولا يعرفون علوم ومعارف العصر كما أنهم من بيئات اجتماعية لا تسمح لهم ظروفها بالانفتاح الفكري على إبداعات الإنسانية فى سائر مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانيات .


٤.1
إننا بحاجة لجيل جديد ممن استوعبوا علوم وثقافات ومعارف العصر بقدر معرفتهم بتراث المسلمين السابقين . منذ سبعين سنة؛ كان شيخ الأزهر فى مصر - الدكتور مصطفى عبد الرازق - أستاذًا سابقًا للفلسفة - وأين ؟ ليس فى جامعة الرياض أو جامعة صنعاء؛ وإنما فى جامعة السوربون !! لقد جمعتني الظروف بعدد من رجال الفاتيكان؛ وكنت دائما أتحسر : لماذا يحفل الفاتيكان برجال دين على هذا المستوى التعليمي والثقافي والمعرفي الموسوعي في شتى مجالات المعرفة؛ بينما رجال الدين عندنا لا يعرفون أى شىء عن الثمار العظيمة للإبداع الإنساني فى عشرات المجالات التي تنضوي تحت فروع العلوم الاجتماعية والإنسانيات المختلفة . فى مؤتمر منذ بضع سنين رأيت من يعتبره البعض أكبر الفقهاء والدعاه الإسلاميين المعاصرين (وهو المصري المتجنس بالجنسية القطرية والذي هرب من مصر إبان أزمة صدام الإخوان المسلمين مع جمال عبد الناصر في سنة 1954) وهو يستعمل أكثر من مترجم ولا يدخل فى أي نقاش يتعلق بالأفكار والتيارات الحديثة فى العديد من المجالات؛ بينما كان رجال الفاتيكان يصولون ويجولون بأربع أو خمس لغات وفى كافة المجالات المعرفية - ولا أكتم القول إننى شعرت يومها بالخجل منه فقد كان بدائيًا فى كافة المجالات والتصرفات وكأنهم أتوا بإنسان بدائي من أحراش جزيرة بورنيو . نريد جيلاً من رجال الدين درس الأديان الأخرى والتاريخ الإنسانى والآداب العالمية والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس ويجيد عددًا من اللغات (لغات الحضارة) ... وحتى يحدث هذا؛ فسيظل مستوى رجال الدين عندنا على ما هو عليه الآن من البدائية والسذاجة والضحالة والانعزال عن مسيرة التمدن والإنسانية ... قبل إن أبلغ العشرين علّمني المسرح اليوناني والفلسفة اليونانية القديمة راهب كان يرأس الدير الدومينيكي فى العباسية بالقاهرة وهو الأب جورج قنواتي؛ وعلّمني راهب آخر ما جعل البعض اليوم يظن - وهو غير حقيقي - إنني متخصص أكاديميًا في الديانة اليهودية . ولم أر فى حياتي رجل دين إسلامي موسوعي المعرفة . والخلاصة أنه كما أننا متخلفون فى سائر العلوم والمجالات؛ فإننا متخلفون لأبعد آماد التخلف فى علوم الدين الإسلامي وحالنا فى الدين الإسلامي كأحوالنا فى الطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات وأبحاث الفضاء - إننا لسنا سوى "عالة" على البشرية - حتى السلاح الذى يستخدمه رجال الجماعات التي تسمي نفسها بالجهادية هو من صُنع الآخرين الذين يعملون ونتكلم نحن فى تفاهات الأمور .

إن عدم ظهور رجال دين من الطراز الذي وصفت معالمهُ فيما سبق من هذا الفصل أي رجال يجمعون بين ذروة علوم الإسلام وذروة علوم العصر، بدون ظهور جيل من هؤلاء، فإن المسلمين ستزداد عزلتهم عن ركب البشرية وستزداد حملات الهجوم عليهم والتخوف والحذر منهم بل أتصور طرد أعداد كبيرة منهم من المجتمعات الأوروبية ومجتمعات أمريكا الشمالية كما قد تتكرر مصادمات مثل صدام الغرب مع طالبان في أفغانستان وسيصبح المسلمون (أو بالأحرى : ستصبح قطاعات كبيرة من المجتمعات الإسلامية) العدو الأول للحضارة الغربية بل و ربما للإنسانية .

٤.2
ومن المستبعد أن يحدث التطوير المنشود داخل المؤسسات الدينية. فأكبر المؤسسات الدينية الإسلامية في العالم حاليًا (في السعودية وفي مصر بالتحديد) تطرد عناصر التجديد والتغيير البسيط، فما بالك بالتغيير الشامل المنشود . لقد طردت إحدى الجامعات الإسلامية الدكتور / أحمد صبحي منصور لمجرد رفضه لأن تكون الأحاديث النبوية مصدرًا للأحكام الفقهية . وكان الجدير بها أن تختلف معه اختلافًا علميًا لا يخرج عن دائرة الحوار والجدل ومقارنة الحجة بالحجة . وهو أمر غريب، فقد كان أبو حنيفة النعمان غير بعيد عن هذا الموقف الذي اتخذه الدكتور / أحمد صبحي منصور . فبينما قبل بعض الفقهاء الأحاديث النبوية، فإن أبا حنيفة قد رد معظم هذه الأحاديث واكتفى ببضعة عشرات منها – وبكلمات أكثر تحديدًا فإننا لو كنا قد وضعنا أمام أبي حنيفة كتابًا مثل صحيح البخاري لكان قد رفض أكتر من تسعين بالمائة من محتوياته، ولكانت الجامعة الإسلامية قد حكمت بتكفير أبي حنيفة الذي هو أول الفقهاء الأربعة والملقب في التاريخ الإسلامي بالإمام الاعظم . والخلاصة أن أحوال المؤسسات الدينية الإسلامية المعاصرة لا تشي بقدرتها على إفراز رجال من نوع أبي حنيفة النعمان وابن رشد، فهى تزداد انغلاقًا وانكبابًا على المراجع الصفراء ويقتصر دورها منذ قرون على الشرح على المتون ولا يكاد يوجد بين رجالها من طالع ولو كتاب واحد بأية لغة غير العربية . وعليه، فإن التغيير المنشود مرهون بإرادة سياسية تستند على حس تاريخي واستشراف مستقبلي، وهى مؤهلات غير متوفرة بكثرة في المجتمعات الإسلامية . ولكن بدون إرادة سياسية تهدف إلى إجراء عمليات كبيرة داخل بنية الفكر الإسلامي وجعل هذا الفكر منسجمًا مع العصر ومع العلم ومع مسيرة المدنية، فإن المسلمين سيكونون في طريقهم لمواجهة مع البشرية تشبه اصطدام الأجرام في الأفلاك السماوية .






الفصل الثاني
التعامل مع المارد

وإذا كان من السهل على أي مواطن أوروبي أو أمريكي غير متعمق في تفاصيل ما سلف أن يظن أن الإسلامَ والعنفَ والإرهابَ هي أمورٌ ملتصقة ببعضها البعض، فإن الدارس لهذا الموضوع يعرف أن كل ما حدث أن فهمًا محددًا للإسلام كان بلا شأن ولا تأثير قبل انهمار الثروة البترولية قد أصبح في ظل ظروف شرحتها في فقرة سابقة من فصل سابق قادرًا على أن يجعل ( بفعاليات البترو/دولار) العالم يظن أن فهمه للإسلام هو (الإسلام)، والحقيقة أنه فهمٌ ضيقٌ وصغيرٌ ولم يكن له أنصار بين المسلمين قبل حلول الثروة البترولية، وأن ملايين المسلمين في مصر وتركيا وبلاد سوريا بالمعنى الواسع والعراق وإندونيسيا وغيرها كانوا لا يزالون بعيدين كل البعد عن حدةِ وتشددِ وتطرفِ وعنفِ ودمويةِ هذا المذهب الصغير في قيمته الفكرية والذي لولا البترودولار وغفلة العالم ما وصل لما وصل إليه اليوم حيث أصبح بالغ الخطورة على سلام البشر وعلى الإنسانية وأضيف وبكل الصدق "على الإسلام والمسلمين"، وأعني هنا المسلمين الذين عرفهم العالم في مصر وسوريا ولبنان والعراق وتركيا منذ نصف قرن كنموذج للتسامح والتواصل مع الآخر والتعايش مع الديانات والثقافات المختلفة– ولكن هؤلاء المسلمين هم الذين أصبحوا بفعلِ حكامٍ طغاةٍ مستبدين (وفاسدين) في ظروف معيشية متدنية تجعلهم فريسةً سهلةً للفهمِ الوهابي للإسلام المدعوم بشلالات البترودولار.

أيضًا، لست بحاجةٍ لأن أُلفت انتباه القارئ المحايد إلى أن وجودَ نصوصٍ في القرآن يمكن أن تستعمل كدليلٍ على عنفِ الإسلام هو أمرٌ لا أهمية له : فمن جهةٍ، هناك تفسيرات مستنيرة تربط هذه النصوص بظروفٍ وملابساتٍ معينةٍ، فالعبرةُ ليست بالنص وإنما بالعقل الذي يتعامل مع النص . كذلك فإن هناك نصوصًا قرآنية أخرى عديدة تدعوا لنقيض العنف والعدوان على المختلفين دينًا ومذهبًا بل و تحض على التعامل معهم بعدلٍ وإنسانيةٍ . كذلك فإن التركيز على النصوص سيسمح للمتطرفين على الجانبِ الآخرِ أن يقولوا إن في أسفار التوراة بوجه عام وفي سفر يشوع بن نون بوجهٍ خاص ما يحض أيضًا على العنفِ والدمِ – وهو ما لا ينبغي أن تتجه إليه العقول . إن المهمةَ السامية في هذا المجـال هـي مناصرة المستنيرين وتأييد المعتدلين والوقوف إلى جانب الفهم الإنساني للإسلام والذي كان هو دائمًا "الأغلبية" ومقاومة الفهم المتشدد والمتطرف بل و الدموي الذي أنتجته (وهذا أمر طبيعي) العزلةُ وراء كثبان رمال صحراء الجزيرة العربية واختلاط هذه العزلة بنزعة قبلية يستحيل معهما (العزلة الجغرافية والنزعة القبلية) أن يكون الموقف من الآخر إنسانيًا ومتسامحًا وإيجابيًا . وسيكون من أوجب واجبات الحكومة السعودية أن تدرك أن الحلف السعودي/ الوهابي لم يعد من الممكن له أبدًا أن يستمر فهو حلف يرسخ فكرًا ظلاميًا متطرفًا معاديًا للتقدم والإنسانية والحضارة والتواصل بين الثقافات والنفع من أهم طبيعة من طبائع الحياة وهي التعددية. على كل، فأنا ممن يدعون أنه لا توجد ظواهر إجتماعيةٌ مؤبدةٌ .. فالظواهرُ الاجتماعية ثمرةُ ظروفٍ وعواملٍ. لذلك فإن الخوفَ على الإسلامِ غير الوهابي (خوفًا جوهره احتمال انزواء هذا الفهم والذي كان الواجهة والأغلبية والتيار الأساسي في المجتمعاتِ الإسلاميةِ لعدةِ قرونٍ) هو خوف له أسبابه. فما لم تتم معالجة عناصر معادلة الانهيار الداخلي التي شخصتها (من الأتوقراطية إلى ذهنية العنف مرورًا بعدم الكفاءة وانهيار المستويات الحياتية واليأس وتدني نظم التعليم) وما لم يميّز العالم الخارجي بوجهٍ عامٍ والقوى العظمى الوحيدةِ بوجهٍ خاص أن اتخاذ مواقف عدائية من الإسلام والمسلمين بشكلٍ مطلق وجزافي سيؤدي لردودِ فعلٍ لا يمكن أن تكون إلاَّ سلبية – لاسيما وأن العالم الخارجي (والقوى العظمى بالتحديد) كانت شريكًا لأولئك الذين تسببوا في تعاظم "معادلة الإنهيار الداخلي" كما كانوا شركاء في الظروف الخارجية التي سمحت لتيارِ العنفِ بأن يستفحل أمره وينتشر ذلك الانتشار الكبير.
إن عدم انشغال "الإنسانية" كلها بدعم "الإسلام غير المحارب" (والذي كان بمثابة الـ Main Stream حتى وقت قريب) وذلك عن طريق الإشتراك في إزالة الألغام الداخلية والخارجية سيكون جريمة من الإنسانية في حق نفسها وستكون عواقبها مروعة وثمنها فادحًا – وأخشى ما أخشاه أن تتسبب في ذلك "الطفولة الثقافية" للقوى العظمى الأولى في العالم اليوم: وأنا أعني ما أقول: فإن الولايات المتحدة رغم إنجازاتها العملاقة في عشرات المجالات تعاني مما أطلق عليه في محاضراتي "الطفولة الثقافية للسياسات الأمريكية" في غير قليل من الحالات. إن العمود الفقري للإنسانية هو "جسم ثقافي" أكثر من أي شئ آخر – وهذا ما لا يحوزه معظم المواطنين الأمريكيين ونسبة كبيرة جدًا من كبار مثقفيها .. وتفسير ذلك عندي هو الفجوة بين "التقدم المادي/العلمي/التكنولوجي" وبين "الثراء الثقافي".. وكذلك الخلط الشديد في مراكز الفكر والثقافة في الولايات المتحدة بين "المحصول المعلوماتي" و"المحصول المعرفي" .. ولعل مقارنة بين كتاب "دراسة في التاريخ" لأرنولد توينبي ومؤلفات معظم مشاهير الكتابة في السياسة وصراع الحضارات الأمريكيين المعاصرين توضح ما أقصده هنا.

وبعد ثلاثة عقود من تكوين المملكة العربية السعودية واكتشاف البترول كانت أشياءٌ كثيرةٌ في الدنيا قد تغيرت:

- أولاً : تحققت ثروة هائلة سمحت بالإنفاق ببذخٍ على الفهم الوهابي للإسلام في الداخل والخارج. وهو ما أدى لحدوث تأثيراتٍ لا تنكر على فهمِ الكثير من المسلمين المعتدلين أصلاً للإسلام؛ إذ اقتربت عقولُ العديد منهم لنموذج الفهم الوهابي للإسلام.
- ثانيًا : تعرضت مصرُ لتراجعٍ كبيرٍ في كل مستوياتها منذ الستينيات بما في ذلك تراجع مُناخها الثقافي العام وتغلغل النفوذ الوهابي داخل مؤسسة الأزهر العريقة؛ ثم جاءت هزيمةُ يونيه 1967 لتفتح المجال واسعًا أمام المجموعات المتأثرة في مصرَ بالفهم الوهابي للإسلام لكي تتحول إلى تياراتٍ سياسيةٍ نشطة ذات توجهات متشددة بل و متطرفة بل و حاملة للمدفع والبندقية.
- ثالثًا : ارتكب الغربُ بوجهٍ عام والولاياتُ المتحدة الأمريكية بوجهٍ خاص أخطاءً عديدة بسبب ظروف الحرب الباردة من بينها غض النظر عن تنامي الفهم الوهابي للإسلام في العالم العربي والإسلامي والتعامل مع تياراتٍ تنتمي للفهم الوهابي للإسلام بغرضِ تحقيق أهدافٍ محددة مثل طرد القوات السوفيتية من أفغانستان.
وهكذا يكون السؤال حول "مستقبل العقل المسلم" هو ذات السؤال حول "مستقبل المجتمعات المسلمة" – هل هو مستقبل في ظل الحريات والديمقراطية والإزدهار والتقدم .. أم مستقبل سيشهد نقيض كل ذلك؟ .. والإجابة عن هذا السؤال تحدد الإجابة عن السؤال حول مستقبل العقل المسلم : أهو طريق الإسلام الوسطي أم طريق الإسلام الوهابي؟ إن الإسراع في عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي هو الضمانة الوحيدة للتقليل من الشعبية غير العقلانية لفكر الجماعات الإسلامية في العالم. فإذا شعرت شعوب المجتمعات الإسلامية بمتعة الحرية والمشاركة وواكب ذلك تحسن ملحوظ في الاقتصاد والظروف الحياتية مع إصلاح تعليمي ملموس – فإن شعوب المجتمعات الإسلامية سينخفض إعجابها غير العقلاني بالجماعات الإسلامية وستدرك تلك الشعوب أن الخير والصواب لا يمكن أن يتوفرا على يد أشخاص مثل قادة هذه التيارات بذهنيتهم المتسمة بالتعصب والبداوة وضيق الأفق وعدم المعرفة بمعظم معطيات العصر.
إن اليأس وسوء الظروف الحياتية والشعور بالظلم وقسوة الحياة والفساد هي مكونات البيئة المثلى لازدياد شعبية التيارات السياسية الدينية. إذ أننا نكون في حالة يتواجد فيها "أمل" (وإن كان مستحيل التحقيق) في مواجهة "يأس كبير". والحقيقة أن المتأسلمين لا يمكن أن يكونوا على درجة عالية من الكفاءة. فهم أصحاب "حلم" (وهم؟!) ووعود كبيرة واعتقاد (لا أساس له) أن لديهم وصفة "فيها البركة" (!؟؟) ولكنني كقائد إداري لمؤسسة كبيرة لسنوات عديدة لا أعرف ما هي مصادر كفاءتهم. إن "التقدم" ظاهرة إدارية عصرية تتحقق للمسيحي واليهودي والمسلم والبوذي إذا توفرت عناصرها – وعناصر التقدم سياسية/إدارية/اقتصادية/تعليمية إنسانية بلا دين ولا جنسية.
و كنتيجة لليأس وسوء الظروف الحياتية والشعور بالظلم وقسوة الحياة والفساد يعيش العقلاءُ في منطقتنا اليوم وبين أرجلهم ومن حولهم قطعان من المخربين. أما العقلاء، فتعريفهم عندي أولئك الذين يريدون أن يعيشوا وأن يحسّنوا نوعية الحياة لأنفسهم وللآخرين معهم ومن بعدهم . أما المخربين، فهم أولئك الذين يصرون (تحت شعارات يرفعونها وتبدو للسذج نبيلة) على إعاقة الحياة وعملية تواصلها وتواصل تجويدها وتحسين نوعيتها . وأول المخربين، هم أولئك الذين يخلطون (بخبث لا بحسن نية) الدين بالسياسة، فيدعون أن الله معهم وأنهم – لذلك- يملكون وصفة (روشتة) علاج لأمراض واقعنا كلها . وهو زعم ساذج وبدائي ولا أساس له من المنطق أو التجربة التاريخية . فالتاريخ الذي يصفونه بالمجيد لم يكن أكثر من تاريخ إنساني كان عامرًا بالصراعات والدم (مقتل ثلاثة من أربعة خلفاء راشدين ... وجرائم بني أمية بدءًا من مقتل الحسين وأنصاره إلى آخر السلسلة المعروفة من حكامهم وحكمهم الذي وصفه ابن خلدون بأنه ما كان إلا ملكًا عضوضًا) ... ثم جرائم معظم الخلفاء العباسيين بدءًا من أوليهما – السفاح وأبي جعفر المنصور الذين قتلا من ساعدهما على الوصول للحكم – إلى هارون الرشيد بطل مجزرة البرامكة... إلى المأمون الذي أمر بضرب أحمد بن حنبل "ضرب التلف" لاختلافه معه في قضية فلسفية محضة (قضية خلق القرآن أم أبديته)... إلى لحظة سقوط الخلافة العثمانية...

ولا يضحكني شيء أكثر من زعم "أول المخربين" أن نهجهم سيأتي بالبركة الإلهيـة ... فتنجح أعمالهم . وقد تناسى هؤلاء أن البركة (كل البركة) لم تفد المسلمين يوم موقعة أحد حيث انهزموا رغم وجود أقوى أسباب البركة وسطهم وهو الرسول (ص) . وهى حادثة فارقة في تاريخ المسلمين إذ تثبت أن الله (كما كتب الوليد بن رشد بروعة) قد وضع قوانين الحياة وجعلها تعمل ... ومن بين قوانين الحياة أن ينتصر في الحروب من هو أكفأ، و ليس من "يتخيل أن البركة معه" .

ولولا أمية الكثيرين من أبناء مجتمعاتنا وضحالة علم معظم المتعلمين، لكان من الجلي للكل أن "أول المخربين" لا يمكن أن يكونوا أكفاء . فللكفاءة مصدران هما "العلم" و "الإدارة الحديثة" ... ومن غير المتصور أن يتحلى "هؤلاء" ببعض (ناهيك عن الكثير) من مقومات الكفاءة هذه ... ويكفي أن ننظر إليهم ونسمع (ونقرأ) كلامهم ... (يقول أرسطو : "تكلم حتى أراك") .

وإلى جانب "أول المخربين" يقف حسن نصر الله الذي يصر على تدمير لبنان (أحد أجمل بقاع عالمنا العربي) بسبب تبعيته المطلقة والعمياء لنظام حكم القرون الوسطى في إيران . ومن أكثر ما يحزنني أن يكون معظم الأحياء على سطح الأرض يرون جسامة وفداحة خطأ حسن نصر الله يوم 12 يوليو 2006 (بل يقر هو أيضًا بذلك الخطأ في حديث له مع واحد من أكثر المثقفين العرب إمعانًا في التخريب) ولا يعني ذلك عند شعوبنا وضع هذا الشخص على رأس قائمة المخربين . إن النتيجة العملية الوحيدة لحرب حزب الله لإسرائيل في صيف 2006 هى انتقال "ميليشيا حزب الله وزعيمها" من القتال مع إسرائيل إلى القتال مع لبنان ولبنانيين آخرين أكثر انتماء للعصر من ميليشيات "السيد" المستند بالكلية على "حائط طهران" .

وإلى جوار من ذكرت من المخربين، تأتي "حماس" (الإخوان المسلمون فرع غـزة – كما كانوا يسمون منذ عشرين سنة) . فمن لحظة مجيئهم للسلطة أكدُّوا للبشرية خطورة هذا الفصيل بتصرف غاية في قصر النظر . جاءت حماس بسنةٍ جديدة هى عدم احترام الحكومات الإسلامية لما سبق و أقرته حكومات سابقة . ويزيد من فداحة الخطأ – هنا- معرفتي (المؤكدة) أنه لا يوجد زعيم من زعماء حماس إلاَّ ويؤكد في أحاديثه وحواراته الخاصة أن وجود إسرائيل حقيقة مؤكدة . فلِمَ إذن يتم إيذاء ملايين الفلسطينيين من أجل "وهم" ليس إلاَّ ؟! الجواب : لأننا بصدد "مخربين" لا "رجال حكم مسئولين" .

وفي طهران , يحكم مخربون قد يأخذون البشرية لحرب كونية بسوداوية فكرهم وانعزالهم عن حقائق الواقع ورفعهم شعارات لا تمت للعصر ولا للحضارة ولا للمدنية بصلة . ومخربوا إيران طغمة لا ترى أن من أهم مهامها العمل على تحسين ظروف حياة الشعب الإيراني، وإنما التحول الذي لا تتوفر أيَّ من شروطه لقوة عظمى !..

هل اكتملت قائمة المخربين ؟ .. قطعًا لا .. ففي واشنطن مخربون لم يجيدوا عملاً واحدًا بدءوه منذ سنة 2001 . وبصرف النظر عن صواب أو خطأ ما أقدموا عليه , فإن ما أقدموا عليه مورس بأشد درجات الغلط و الخطأ وانعدام المعرفة والرؤية .

وفي القدس وتل أبيب مخربون آخرون لم يدركوا قط أن الزمن (الذي يحاولون كسبه) إنما يعمل ضدهم ... كما أنهم لم يدركوا قط حجم مساهمتهم في إطلاق مارد المتأسلمين من قمقمه ...وربما يدركوا ذلك – بعد فوات الأوان .

عالم مجنون هو الذي نعيش وسطه ... عالم حاشد بالمخربين الذين يحملون نار حقد هائلة في منطقة كلها مواد قابلة للاشتعال : البترول والدين .




الفصل الثالث
التغلغل

١

أُطلقت تسميةَ الإرهابِ على عدةِ ظواهرٍ خلال نصف القرنِ الأخير . فمثلاً أَطلق البريطانيون وصفَ الإرهابِ على عملياتِ الجيشِ الجُمهوري الأيرلندي كما أُطلق نفس الوصف على العديدِ من الحركاتِ مثل الحركةِ التي تَستهدف استقلالَ إقليم الباسك بين أسبانيا وفرنسا كما أُطلق نفس الوصف على عملياتِ مُنظماتِ الألوية الحمراء (إيطاليا) وبادرماينهوف (ألمانيا) وحركات مماثلة في اليابان وأمريكا اللاتينية . أما اليوم , فعندما يُستعمل مصطلح الإرهاب فإن أولَ ما يتبادر للأذهانِ (خارج المُجتمعات العربية والإسلامية) أَن عربًا أو مُسلمين قاموا بعملٍ عنيفٍ . وقد تصاعد خلال السنواتِ منذ كارثة 11 سبتمبر 2001 الربطُ ما بين المسلمين والعمليات الإرهابية، وهو الربط الذي أدى إلى ظهورِ ظاهرةِ الخوفِ الهوسي من الإسلام (الإسلامو فوبيا) . والذي لا شك فيه أن مُسلمين أو عربًا يكونون عادةً منخرطين في العملياتِ التي يَصفها العالمُ اليوم بالإرهابِ . وبغض النظر عن أكبر مدرستين في تفسير ذلك وهما مدرسة تدين المسلمين بشكلٍ مُطلقٍ ومدرسةٍ (إسلامية) تبرر ذلك بما تعرض ويتعرض له المسلمون، فإنني أودُ في هذا الفصل أن أتناول منابعَ أو مصادرَ أو أعمدةَ تلك الظاهرة بشكلٍ قد يكون مُختلفًا عن مُعظم التناولاتِ السابقة لهذا الأمر الذي أصبح بمثابةِ الشُغل الشاغل لمئاتِ الباحثين والدارسين في العالم .

رغم تسليمي باختلافِ ظاهرة الإرهاب التي ينخرط فيها عربٌ ومُسلمون عن غيرهِا من ظواهرِ الإرهابِ فيما يتعلق بالحجمِ، أي كَون الظاهرة في حالتِها الإسلامية أكبر حجمًا وأكثر اتساعًا من أي ظاهرةٍ أُخرى وُصفت بالإرهابية (مثل الظاهرة الأيرلندية)، إلا إنني أرى أن الاختلافَ يتعلق بحجمِ وعددِ الأتباعِ في المقامِ الأول . وأعني أنه بينما يُعتَبَر عدد الدعاة قليلاً ومُشابهًا للدُعاةِ في أنساقٍ ثقافيةٍ ودينيةٍ أُخرى فإن أعدادَ الذين ينجذبون لأفكارِ الدُعاةِ في الحالةِ الإسلاميةِ أكبرُ بكثيرٍ جدًا .

وفي اعتقادي أن الذين يتعاملون سياسيًا وأمنيًا وكذلك الذين يَدرسون ما يُسمى بالإرهاب الإسلامي يبدأون من نقطةٍ تتجاوز هذه التفرقة بالغة الأهمية بين "الدُعاةِ" و"الأتباعِ" . بينما يميل كاتبُ هذه السطور للاعتقادِ بأن هذه التفرقةَ هي كلمةُ السرِ التي تفتح أبوابَ الحلولِ والتعامل الناجح مع تلك الظاهرةِ التي يرى البعضُ خارج المجتمعات الإسلامية أنها تمثل التحدي الأكبر للبشريةِ وللإنسانيةِ وللمدنيةِ في القرنِ الحادي والعشرين .
فالدُعاةُ الذين يكتبون كُتبًا ويلقون محاضراتٍ ويحاولون التأثير في الناسِ بشكلٍ إيجابي أو سَلبي لا يَستطيعون جذب أتباع بأعدادٍ كبيرة إلا إذا كانت الحالةُ الذهنية والنفسية والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية تجعل الأتباعَ في حالةِ استعدادٍ لتلقي الدعوة . في كل الأديان والطوائف والمِلَل، دُعاةٌ يحاولون الترويج لأفكارٍ بالغة التشدد وأحيانًا بالغة العدوانية . ولكن حجمَ وأعدادَ الأتباعِ يتفاوتون . وعلى سبيل الِمثال، فإن هناك من القادةِ الدينيين اليَهود والمَسيحيين من يدعون لأفكار بالغة التضاد مع الإنسانية والتسامح وقبول الآخر (بل ولقتل بعض الآخرين) . ولكن يبقى أن أعدادَ هؤلاء لا تشكل ظاهرةً تعكس اتساع وكثرة أعداد أتباع بعض الأفكار والدعوَات الإسلامية المُتشددة . وتتجه نظمٌ سياسيةٌ عديدةٌ (وللأسف، تُؤيدها قِطاعاتٌ من المُثقفين) للتعاملِ الأمني مع أعضاءِ الدائرتين : دائرة الدُعاة ودائرة الأتباع؛ ومن هنا تبدأ ثم تتوسع ثم تتفاقم الكارثةُ .

ففي اعتقادي أَن الدُعاةَ قد يُشكلون بعض الخطورة، ولكنها خطورةٌ نسبيةٌ أو مَحدودةٌ لا توصل المُجتمعات إلى ما وصلت إليه عدةُ مُجتمعاتٍ إسلامية مُعاصرة، وأَزعُم أن التعاملَ الأمني مع مُعظم الدُعاةِ لا يؤدي لأية نتائجٍ إيجابية . فقتلُ مُفكرٍ مثل سيد قطب على المشنقة سنة 1966 لم يَنتجُ عنه أي انحسارٍ لأفكارهِ التي تعُد (في اعتقادي) بعد اندماجها مع التيار الوهابي بمثابةِ المصدرِ الفكري الأول لمعظمِ تياراتِ الإسلامِ السياسي العنيفةِ والرَاديكاليةِ . إن الطريقةَ الوحيدة للتعاملِ مع الدُعاةِ هي صحوةٌ فكريةٌ وثقافيةٌ تنخرط فيها النُخبُ المثقفة بمعنى أن يُقارع الفكرَ بالفكرِ والرأي بالرأي والكتابةَ بالكتابةِ. وهنا، فإن فئةَ المثقفين الرسميين تكونُ غيرَ ذاتِ قدرةٍ على التأثيرِ بشكلٍ إيجابي لكون أفرادها "موظفين" أكثر من كونهم "مفكرين أو مثقفين" . ناهيك عن دلالات عدم المصداقية بالنسبةِ لمعظمهم .

وفي كل الأحوال , فإنني لا أظن أبدًا أن الدُعاةَ هم حجر الأساس لظاهرةِ العُنفِ السياسي الموصوم بالإرهابِ الإسلامي .

إن الداءَ كله يكمن في "الأتباع" . وبداية الحلول تكمن في الإجابة عن السؤالِ التالي : ما الذي يجذب الشباب (بوجهٍ خاصٍ) في مُجتمعاتٍ إسلاميةٍ عديدةٍ للسيرِ وراء هؤلاء الدُعاة الذين صاغوا أفكارًا راديكالية تسوّغُ العُنف والابتعاد عن مَسيرةِ المدنيةِ الإنسانيةِ . وفي اعتقادي أن مُجملَ الأسباب التي تُغري الشباب في المُجتمعات الإسلامية باتباع الدعوات الراديكالية يمكن أن تنضوي تحت كلمةٍ واحدةٍ كبيرةٍ هى "الغضب" . وهو في اعتقادي غضب متعدد المصادر، كما أنه في اعتقادي غضبٌ علينا أن نفهمهُ لا أن نَستهجنهُ، ولا يهم إن أدى "الفهم" للتعاطف , فالتعاطف (عند العُقلاء أصحاب الرؤية الإنسانية والتاريخية) لا يعني "المُسايرة" أو "التبرير" أو "القبول" وإنما يعني إدراك أننا أمام مرض ومريض , وكلاهُما يحتاج لعلاجٍ أي لطبيبٍ ولدواءٍ وليس لتدابيرٍ أمنيةٍ أو عنفٍ وقسرٍ وتعذيبٍ .

************

٢
ومصادر هذا الغضب عديدة لكن أهمها مايلي :
أولاً : الشُعور المَدعوم بمفردات الواقع بضيق آفاق الحياة وهو يشمل يأس
المُتعلمين وغير المُتعلمين من العثورِ على عملٍ لائقٍ يسمح بحياةٍ إنسانيةٍ
معقولةٍ .
ثانيًا : التفاوت المُذهِل بين الذين "لديهم" والذين "ليس لديهم" . وأعتقد أن الغضبَ لا ينبع من التفاوت، وإنما من هول مساحاتِ ومسافاتِ التفاوت .
ثالثًا : عدم وضوح أسباب وشرعية ثراء الأثرياء وقوة الاقوياء وشُهرة المشاهير .
لقد كان الناسُ يعلمون أن محمد طلعت حرب رجلٌ ثريٌّ، ولكنهم لم يكن ظنهم يتجه لكون ثروته قد تكونت بسُبلٍ مُريبةٍ .
رابعًا : اختفاء العدالة في مُعظم مجالات الوظائف والعمل وأحيانًا الاعمال التُجارية، حيث تكون لقوةِ العضلاتِ السياسيةِ الداعمةِ للبعضِ (وغير المتوفرة للأكثرية) قوة "بُساط الريح" .
خامسًا: ندرة الشخصيات القدوة في مُعظم المجالات .
سادسًا: قُرب المسافة بين "سُلطان المال" وسُلطانين آخرين هما "السلطة التنفيذية" و"الاعلام" .
سابعًا : ما يشيع عن حالات الفساد دون إمكانية التأكُد من حقيقتها أو دون رؤية أية
عواقبٍ لتلك "القصص" التي تلوكها الألسنُ .

أخيرًا، إن دراسةَ هذه الاعمدةِ السبعة التي يرتكز عليها هيكلُ الغضبِ الذي يفُرّخ العُنف والرفض والعدوانية والإرهاب هى مسألةٌ سياسيةٌ وثقافيةٌ وإستراتيچيةٌ . أما اختزالُ الأمرِ في (التفسير الأمني) ثم (التعامل معه بالوسائلِ الأمنية) فهو ظُلمٌ للمُجتمعِ ولكلِ أطرافِ المسألةِ بما في ذلك هيئات الأمن ذاتها التي يُطلَب منها التعامل الأمني مع ظواهر مُتعددة الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
الفصل الرابع
وهم الأحزاب الدينية

١

هناك أكثر من سببٍ منطقيّ وعقلانيّ ووجيهٍ لكي نتجه من خلال التعديلاتِ الدستوريةِ المرتقبة للنصِ الصريحِ على عدمِ جواز تأسيسِ الأحزابِ السياسيةِ على أُسسٍ دينيةٍ . فهناَك أولاً اعتقاد الكثيرين أن ما يضفي كثيرون عليه هالةً من التقديسِ وأعني "الفقه الإسلامي" هو – أي التقديس – أمرٌ لا أساس أو مبرر أو تسويغ له . فالفقه الإسلامي عملٌ بشريٌّ محض . ولعله من المفيد أَن أُشير هنا لأكثر التعريفاتِ استقرارًا وانتشارًا للفقه الإسلامي وهو التعريف الذي يقول : (إن علمَ أصولِ الفقه هو علمُ استنباطِ الأحكامِ العمليةِ من أدلتها الشرعية) . ولا نحتاج لأن نصرف كثير جهدٍ في إثباتِ أن أية "عمليةِ استنباطٍ" هى عملٌ بشري بحتميةِ اللغةِ والمنطقِ . كذلك فإن تعاقبَ الفقهاءِ السنيين الأربعة الكبار (وأتحدث هنا عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل) وقد عاشوا وماتوا خلال أقل من قرنين وتعاصر منهم الثاني والثالث على الاقل ... إنما يؤكد أننا بصددِ عملٍ بشري، وإلاَّ فكيف يجرؤ "مالك" على وضعِ مذهبٍ فقهيّ مختلفٍ عن مذهبِ أبي حنيفة، لو كان العملُ الذي قام به أبو حنيفة أي شيء عدا كونه عمـلاً بشريًا ؟ ... ناهيك عن أن ثالث فقهاء السنة الأربعة الكبار كان له مذهبان : مذهبه للعراق ومذهبه لمصرَ ... وهو أمر له دلالات بالغة الوضوح، وأهمها أننا بصدد عملٍ بشريٍّ إنسانيٍّ محضٍ (من ألفه إلى يائه) .

وبالتالي , فإن المباديء التي يعتقد البعضُ أنها مباديء الإسلام في نظم الحكم ما هي إلاَّ "اجتهاد" ... وهذا الاجتهاد هو ما ُسمى بالأحكام السلطانية ... ويعرف المتخصصون أن الحكام (سواء حكام حقبة بني أمية أو حكام الحقبة العباسية) كانوا وراء معظم ما كُتب عن الأحكام السلطانية ليضمنوا أن ما سيكتب سيأتي مواتيًا لرغباتهم وفهمهم هم . وهو أمر تكرر في مجتمعات أخرى (وأشير هنا لعلاقة آراء وكتابات المفكر السياسي البريطاني هوبز بالعرش البريطاني أو بالتحديد بأهواء العرش البريطاني في مسألة تكييف العلاقة بين الحاكم والمحكومين) .

وهكذا , فإن وجودَ أحزابٍ سياسيةٍ على أُسسٍ دينيةٍ هو أمرٌ غير منطقي , حيث إن المبادىء التي يُقال إنها "مذهب الإسلام في شئون الحكم" لا تعكس إلا فهم بشر مثلنا قد يخطئون وقد يصيبون – والأمر كله عمل بشري . وخلاصة القول هنا , أن الإسلامَ لم يقم بوضعِ نظامٍ شاملٍ كاملٍ لقواعدِ ونظم الحكم تصلح لأن تكون بديلاً عن القواعد الدستورية التفصيلية المعاصرة , وذلك لأن هذه ليست هي مهمة أو غاية الإسلام . فالذي يعيب على الإسلام خلوه من النظام السياسي كمن يعيب على الإسلام أنه لم يقدم نظرية متكاملة في علم النفس أو في علم الاجتماع ... أو في علوم الإدارة (!!) . والواقع، أن الإسلام جاء بمجموعةٍ عامةٍ من القواعد الكلية التي من الأفضل والأنفع الاستهداء بها عند وضع القواعد التفصيلية . أما هذه القواعد التفصيلية ( مثال : كل ما جاء بكتاب "الأحكام السلطانية " للماوردي وبعشرات الكتب المماثلة في الموضوع والعنوان) فإن ذلك عملٌ بشريٌّ محض يعكس اجتهادًا إنسانيًا يترجم هو أيضًا القدرات العلمية والعقلية والمكونات الثقافية ودوافع كاتبها؛ كما يعكس حقائقَ الزمانِ والمكانِ .

وما أُريدُ أن أُركز عليه في هذا الفصل هو أن هناك منطقًا لم يسلط عليه كثيرون الضوء من قبل وهو جدير بنسف وجهةِ النظر التي تدعو لتأسيسِ أحزابٍ سياسيةٍ على أُسسٍ دينيـةٍ ... فلو بدأنا من أن مجملَ القواعدِ التي يسميها البعضُ "نظم الحكم في الإسلام" ما هى إلا استنباطات لرجال عاشوا منذ أكثر من ألف سنة، وأعملوا فكرهم وعقولهم وحاولوا تقديم القواعد التي يظنون أنها ستؤدي (في زمانهم ومكانهم وعلى قدر فهمهم وعلمهم وظروفهم) لإقامةِ نظامِ حكمٍ يعبر عن القيمِ الأساسية التي يدعو لها الإسلامُ ويتوخى شيوعها وذيوعها في المجتمعات الإسلامية – إذا بدأنا من هذا المنطلق، فإننا نكون قد اتفقنا على أن ما يسمى بنظم الحكم في الإسلام هو تعبير عام (غير دقيق) عما كتبه فقهاءٌ مسلمون منذ أكثر من ألف سنة في محاولة (جادة ومحترمة) منهم لإيجادِ نظمِ حكمٍ في مجتمعاتهم تتماشى وتنسجم وتتوافق مع مباديء وقيم الإسلام .

************

٢

ومعنى هذا، أننا حتى لو سلمنا بأن مؤلفي كل ما وصلنا من كتابات المسلمين الاقدمين عن قواعد ونظم الحكم هى كتابات قيمة وتستلهم "روح الإسلام" (وهذا أقصى ما يستطيع أي صاحب عقل أن يصل إليه) فإن على الجميع أن يؤمنوا بأنه نظرًا لتقاعس المسلمين (لمدة تبلغ الآن قرابة الألف سنة) عن التجديد والإضافة لكتابات الفقهاء الاقدمين في مجال الأحكام السلطانية (وهو ما يعكس من المصطلحات المعاصرة نظم وقواعد الحكم الدستورية والسياسية) ... فإن أي حديثٍ عن الاقتباس من هذه المؤلفات – كما وضعت منذ ألف سنة - قبل حدوث نهضةٍ فقهيةٍ إسلاميةٍ معاصرةٍ تدلي بدلوها في هذا المجال (مجال الأحكام السلطانية بالتعبير القديم الذي يجب أن يتبدل بمصطلح يعبر عن حقائق الزمن) إنما سيكون مثل من يفتح كتابًا وضع في القرن العاشر الميلادي في الطب والصيدلة ويريد أن يؤسس عليها نظامًا ومؤسسات طبية معاصرة !! ... فإن ذلك سيؤدي – لا محالة – لموت كل المرضى !! وكما قلت في مواضعٍ أُخرى , فكما أن الإسلامَ تكلم عن الدواب والأنعام كوسائل انتقال (ولا عيب في ذلك) فقد تكلم عن الشورى (وليس عن الديموقراطية وحقوق المواطنة وحقوق الإنسان) وأيضًا لا عيب في ذلك , وإنما العيب أن يتمسك إنسانٌ بالدوابِ كوسيلةِ انتقالٍ (كما أراد الوهابيون بقيادة فيصل الدويش في معركتهم مع الملك عبد العزيز في عشرينيات القرن العشرين عندما رفضوا كلَ مظاهرِ المدنيةِ والحداثةِ مثل السيارة والتليفون والراديو) . وفي اعتقادي أن الذي يتمسك بمصطلح الشورى (وهو مصطلح بسيط يعكس حقائق العصر والجغرافيا ودرجة التقدم) يكون كمن يتمسك بأن وسائل المواصلات يجب أن تكون هى الدواب والأنعام (لأن الإسلام تكلم عن الدواب ولم يتكلم عن السيارة والقطار والطائرة) .ولكن البعض قد يقول "ولماذا لا نستطيع نحن كمسلمين تأسيس أحزاب سياسيةٍ على أُسسٍ دينيةٍ بينما يوجد العديد من الأحزاب السياسية التي توصف بالمسيحية في أوروبا ولعل أشهرها الحزب الديموقراطي المسيحي الذي تنتمي إليه السيدة مركيل التي تحكم ألمانيا اليوم ؟ ... وأمامي وأنا أكتب هذه الكلمات دساتير كل الدول التي بها أحزابٌ مسيحية وأيضًا مباديء هذه الأحزاب (وأهمها الحزب الديموقراطي المسيحي الألماني) ولا توجد كلمة واحدة بتلك الدساتير و المباديء تشير إلى أن هذه الأحزاب ستحكم بمباديء دينية أو بمباديء غير قواعد الدستور ... بل إنها (رغم تسميتها بالمسيحية) لا تحمل من هذه الصفة إلا الاسم . فهى أحزاب تمثل أجنحة محافظة تستلهم القيم من المسيحية ولكنها حاكمة ومحكومة ومنضبطة بقواعد الدستور والقوانين الوضعية . ولا أظن أن أنصار حركة مثل الإخوان المسلمين في مصرَ وغيرها يمكن أن يعلنوا أن هدفهم من تحويل حركة الإخوان المسلمين لحزبٍ سياسيّ هو أن يصلوا لشكلٍ مماثلٍ للحزبِ الديموقراطي المسيحي ؟ (!!) .

وتبقى جزئية هامة وهى اعتقادي الجازم أن الأحزابَ السياسية التي تسمي نفسها بأحزابٍ إسلاميةٍ هى (أحزاب سياسية محضة)، بلا فارق بينها وبين غيرها : فكلهم كيانات سياسية صرف تحاول الوصول للحكم (وهو أمر مشروع) إلا أن البعض يلعب على أوتار عاطفية عندما يسمي نفسه بالإسلامي ... وما هم إلا محض حركة سلفية تعيش على فهم واستنباطات بشر عاشوا منذ أكثر من ألف سنة وتعاملوا مع مسائل عصرهم وزمانهم وحاولوا إيجاد الحلول لها ... وهى حلول كانت ابنة الزمان والمكان ... ولا أدل على ذلك من وضع محمد بن إدريس (الإمام الشافعي) لمذهب جديد عندما جاء لمصر (لأن مذهبه الأسبق كان مناسبًا لبيئة أخرى هى العراق) ... والكارثة أن يأتي بشر يتميزون بالكسلِ والعطالةِ الفكرية إذ أنهم لم يجتهدوا لا هم ولا آباؤهم ولا أجدادهم لمدة ألف سنة، ولكنهم يريدون أن يعيشوا عالةً على فهمِ بشرٍ آخرين حاولوا واجتهدوا منذ عشرة قرون .
وفي اعتقادي أن الحركاتِ التي تسمى بحركات الإسلام السياسي (ومنها حركات الإخوان المسلمين) تعاني (دون أن تدرك) من إشكاليات فكرية هائلة وذات آثار بالغة القوة (والسلبية) . فالإسلامُ تتطرق لمباديء عليا عن العدلِ والإنصافِ والمساواةِ وفضائل العلم والذين يعلمون (في مقابل : الذين لا يعلمون) بما يمكن أن نسميه "مباديء كلية" (أو ماكرو) . ولكنه (ولكي يبقى صالحًا لأزمنة وأمكنة غير أزمنة وأمكنة فجر الإسلام) لم يأت بأحكام تفصيلية ... أي على مستوى الجزيئات ودقائق التفاصيل والآليات (أي على مستوى الميكرو) . وفي ظل هذا الوضع (الذي لا يقبل بتوصيفنا هذا له أتباعُ حركاتِ الإسلامِ السياسي) فإنهم يبحثون – بجهد جهيد – عن نظام متكامل (عدا المبـاديء الكليـة) ... ونظرًا لعدم وجود هذا النظام المتكامل فإنهم يتمسكون بذات المواضيع (مثل : حرمة فوائد البنوك والنظام العقابي وغيرهم) . والأسلم (والأكثر جلبًا للصلح المفقود بينهم وبين "الإنسانية") أن يعترفوا بأن الإسلام جاء كدينٍ سامٍ وليس ككتابِ اقتصاد أو سياسةٍ أو اجتماعٍ أو علمِ نفسٍ أو كيمياءِ أو طب . ولكن كيف لهم أن يلعبوا لعبة السياسة بعد أن يعترفوا بهذا الاعتراف الذي ندعوهم إليه ؟ ... إنهم إن فعلوا تخلوا عن أقوى مواد الدعاية السياسية التي بأيديهم كما أنهم سيكونون مطالبين بتقديم برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي عدا مسألة "تطبيق أوامر الله" و"الإسلام هو الحل" و"البركة" ... وما لا يوجد لديهم سواه من شعارات عامة مجردة ما يهبط بها الإنسانُ المدقق لمستوى الحياة ومعمل العلم والتجربة والفحص والتدقيق حتى يجد أنها بالونات هائلة ليس بداخلها إلا الهواء : وهو هواء سياسي محض لادين فيه بأي شكل أو أي قدر .

************

٣
وتبقى مسألة "البركة" ... فكثير من المسلمين الطيبين البسطاء يعتقدون أن وجود أشخاص على رأس المجتمع يحكمون باسم الإسلام هو أمر كفيل بتحقيق الخير والبركة. ولهؤلاء أكرر : إن المسلمين الأوائل (الصحابة من المهاجرين والأنصار) قد هزموا في معركة (موقعة) أُحد وفي وسطهم النبي. ولو كان النصر (أو النجاح أو التقدم أو الخير) يتحقق بالبركة، لانتصر المسلمون يوم أحد وبين ظهرانيهم البركة كلها (الرسول) . ولكن هزيمة المسلمين (الصحابة من المهاجرين والأنصار ووسطهم النبي) جاءت لتؤكد أن الله كما خلق الخلق، فقد خلق قواعد وقوانين سير الكون (ومنها قوانين الطبيعة) ... ومن بين هذه القوانين : أن من يحارب بدون مؤهلات النصر العلمية والمادية الصرف لابد وأن يهزم (بهذه القوانين انتصر المسلمون بقيادة طارق بن زياد عند غزوهم الأندلس وبذات القوانين انهزم المسلمون بعد عدة عقود في معركة "بو" في جنوب فرنسا ... ولا دخل للبركة في النصر الأول ... ولا دخل للبركة في الهزيمة الثانية) ... وهكذا، فإن من يظن أنه سيحكم باسم الإسلام وأن البركة ستحل (لأنه يحكم باسم الإسلام) فسوف يأخذ النتائج (في كل المجالات) مثل نتيجة معركة (موقعة) أُحد ... فالنصر والتقدم والحكم الناجح يحدث – فقط – بالعلم وحُسن الإدارة وهى كلها أقانيم إنسانية لا دين ولا ملة ولا جنسية لها . وهى أقانيم لا يوجد دليل واحد على أن من يريدون أن يحكموا مجتمعاتهم باسم الدين يتحلون بها ... بل هناك أدلة وأدلة (مستقاه كلها من خلفياتهم ومحصولهم المعرفي وصلتهم بعالمية العلم والمعرفة وقيم التقدم) على أنهم لا ... ولا يمكن أن يحوزوها .

الفصل الخامس
كشف اللثام

١

يُرَدد كثيرون في واقعِنا المصري مُلاحَظَتين يكادُ يكون من المُستحيل نفي وجودِ أيٍ منهما وهما : أولاً انتشار معالمِ التدينِ في واقعِنا مقارنةً بحالِنا منذُ قرنٍ من الزمانِ . والمُلاحظةُ الثانيةُ هى انتشارُ التوترِ وعُنف السلوك وعدوانيتهِ وتراجُع دماثة الأخلاق في التعامُلِ بين أفرادِ المُجتمعِ . ومن البديهي أن هناك تناقُضًا واضحًا بين طبيعةِ المُلاحظتين . فإذا كانت غلبةُ معالمِ التدين على الناسِ والسلوك والمُفرداتِ والمُناخِ الثقافي العامِ لم تمنع من تردي مستويات الخُلق والسلوك والمُعاملات بين الناسِ، فإن ذلك يعني بداهةً أن التدينَ (أو بالتحديد "هذا الفهم للتدينِ") ليس في صالحِ المُجتمعِ . ولا يدحض ذلك، أن هناك العديدِ من الأمثلةِ الأخلاقيةِ الرائعةِ بين المُتدينين (بهذا الشكل من التدين)؛ ولكنني أتكلمُ عن ظاهرةٍ عامةٍ وليس عن حالاتٍ فرديةٍ . والمخرجُ من هذا التناقُضِ هو في الاعتقاد بأن ما يُسمى بالتدينِ ليس تدينًا، وهذا ما أعتقده يقينًا وعلى أساسٍ من طولِ مُتابعةٍ ودراسةٍ وتحليلٍ . فالذي انتشر في واقعِنا هو الزي النسائي المُسمى بالزي الإسلامي واللحى وخواتم الزواج البيضاء فى أصابع الرجال وعلامة السجود على جباه الرجال والعديد من المؤثراتِ المكتوبةِ والصوتيةِ والسمعيةِ التي تحملُ زخمًا من "ذهنيةِ الطقوس" . وإذا كان من حق البعض أن يعتبر أن ذلك تدينًا، فإن من حق البعض الآخر (مثل كاتب هذه السطور) أن يزعُم أنه لا علاقة لكل تلك المعالمِ والصخبِ والمظاهرِ بالتدين . فالتدينُ يتعلق بالخُلُق الرفيع وأن يكون الإنسانُ مُفيدًا للمُجتمعِ وللآخرين ومُتسمًا بصفاتٍ أخلاقيةٍ راقيةٍ مثل العطاء والتسامُح والعون للآخرين والإخلاصِ في العملِ وإتقانهِ أما المعالمُ السابق ذكرها فظواهرٌ ترجع عندي لأسبابٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وإجتماعيةٍ وتعليميةٍ وثقافيةٍ ونفسيةٍ من الميسورِ رصدها . وبحسبِ منطقِ المدرسةِ الوضعيةِ في الفلسفةِ (أوجست كونت) فإنه ليس من حقِ البعض أن يقول إنه "بمزيدٍ من هذا التدين سوف تستقيمُ الصورة"، لأن التجربةَ العملية تؤكد أنه بمزيدٍ من "هذا التدين" قد تزداد الصورةُ استغراقًا في ذاتِ الملامحِ من تدني الأخلاقِ العامة وذيوعِ العُنف والغضب في شتى صورِ السلوكِ . والحقيقةُ أن منبعَ "هذا التدين" يأتي من عدةِ مصادرٍ : فأكثرُ من نصفِ قرنٍ من عدمِ المُشاركةِ السياسيةِ أو من المشاركةِ السياسيةِ الصوريةِ هي من مصادرِ "هذا التدين" الصوري (والطقوسي المظهري) وأكثر من نصفِ قرنٍ من التردي الاقتصادي وتآكل الطبقة الوسطى هو من منابعِ "هذا التدين" ... وخروجُ المنظومةِ التعليميةِ المصريةِ عن سياقِ العصر وهبوطُها لمستوياتٍ متدنيةٍ من الانعزالِ عن التقدمِ والاتسامِ بكل عيوبنا الثقافيةِ وتحرُكنا الحثيث تجاه التقوقعِ والتعصُبِ وعدمِ تفعيلِ العقلِ النقدي كانت ولا تزال من أهم منابع "هذا التدين" ... كما أن أكثر من نصفِ قرنٍ من الأوليجارشيات المتنوعة (أي تحكُم أقلياتٍ مُختَلفةٍ في قيادة المُجتمع سياسيًا واقتصاديًا) هي كذلك من منابع "هذا التدين" ... ويُضاف لكل ما سبق أن ما حاقَ بغير قليلٍ من مكونات المؤسسةِ الدينيةِ من تراجُعٍ في النوعيةِ والمستويات وكذا غزوها برياحٍ فكريةٍ هَبَّت عليها وعلينا من الشرق كانت (بنفس الدرجة) من منابعِ "هذا التدين"، ويمكن أن يضاف أن خلو الساحة من إمكانية الانتماء لأي شيء غير "هذا التدين" قد أتت "لهذا التدين" بأعدادٍ كبيرةٍ من أبناءِ وبناتِ المجتمـع- فالانتماءُ "لهذا التدين" هو الملاذ السيكولوچي لمن ليست أمامه جهةٍ أُخرى لينتمي لها (أمل أو طبقة أو طموح أو حزب أو واقع أفضل أو نموذج ثقافي مُعين) .

كلُ إنسانٍ في الكونِ (باستثناء ثُلةٍ صغيرةٍ من الناسِ تنتمي لأفكارِها هى ولمبادئهـا ولنسقهـا القيـمي) في حاجةٍ لانتماءٍ ما . ويأخذُ هذا الانتماءُ في المُجتمعاتِ المُتقدمةِ ذات المستويات الحياتية الأرقى والأرفع أشكالاً عدة . فهُناك من ينتمي لنجاحاتهِ الخاصة وهُناك من ينتمي لحزبٍ سياسي وهُناك من ينتمي لطبقةٍ مُعينة بثقافتها ونسقها القيمي وهناك من ينتمي لتيارٍ فكري أو ثقافي مُعين . ومن خلالِ هذا الانتماء يُحقق الإنسان إرضاءًا واكتفاءًا لازمين لكل إنسان من بني البشر. ويُمكن استعمال هذا التفسير لفهم إنتماءِ المصريين للحركةِ الوطنية التي قادها سعدُ زغلول منذُ قُرابة تسعين سنة، كما يُمكن أن تُفَسِر لنا علاقة مُعظَم الشعب المصري بالمشروع الناصري منذُ عقودٍ قليلةٍ . ففي الحالتين كانت هُناك "جبهةٌ" قابلةٌ لجذبِ قطاعاتٍ واسعةٍ من المُجتمعِ لها وللارتباطِ بها، بصرفِ النظرِ عن مدى نجاح كل منهما في الوفاءِ بعهودهِ وتحقيقِ شعاراتهِ .

عند اختفاء هذه "الجبهات" التي تجذبُ اهتمام وطاقة وولاء وارتباط مُعظم أبناء وبنات المُجتمع، فإن الساحة تكون مفتوحة على مصراعِيها لانتماءٍ آخرٍ هو من جهةٍ الأكثر جاذبية ومن جهةٍ ثانية الأكثر إراحة ومن جهةٍ ثالثة فإن اتسامَه بالعمومياتِ وعدم الدقة في التحديدِ يُناسب المتوسط العام للتكوينِ الثقافيِ لأبناءِ وبناتِ المُجتمع . فبينما يتطلب الانتماءُ (مثلاً) للعقيدة الماركسية درجة وعي وثقافة وذكاء أعلى من المستوى المتوسط فإن الانجذابَ لجبهةِ الشعاراتِ الدينية لا يتطلب ذلك .

وخُلاصةُ الرسالة هُنا أن جاذبيةَ الشعاراتِ الدينيةِ (والتي هى في اعتقادي سياسية محضة وليست دينية) إنما ترجع لتآكلِ وخفوتِ أدوارِ جبهاتٍ أُخرى تعملُ عملها في مُجتمعاتٍ غير مُجتمعنا كما أنها كانت أكثر فاعلية في مراحل أُخرى من مراحلِ تجربتنا المُعاصرة خلالَ القرنين الأخيرين .

ومن الجديرِ بالتوضيح أن التدينَ الطقوسي (وأكبر الأمثلةِ عليه ما هو معروض في كتابات رجالٍ مثل ابن تيمية وبن قيم الجوزية وفي كتابات وتطبيقات محمد بن عبد الوهاب والتجارُب المُستقاةِ من مدرستهِ) يشتغلُ على "خارج الإنسان" وليس على "داخل الإنسان" . فهو يشبه نظام المرور الصارم الذي يقولُ للناسِ ما الذي يمكن أن يفعلوه وما الذي ينبغي ألا يقترفوه، وهى مدرسة في التفكير قد تُناسب الجماعات البدائية ذات الحظ النحيل من التعليمِ والثقافةِ والإدراك، ولكنها لا تُناسب المُجتمعات المُعاصرة المُتحضرة والمُتمدنة . وتبدو الجماعات المحكومة بهذا النظام الصارم (مُنضبطةً) "من الخارج"، ولكنها "من الداخل" تكونُ عامرةً بالأخطاءِ والانحلالِ . فهى تُعامل الناس كحيواناتِ السيرك المُدربة بالعصا والعُنف. أما التدينُ بالمعنى الذي يفهمه على سبيل المثال المُسلمون من المتصوفة والمسيحيين والبوذيين، فإنه يشتغل على "الداخل" ويهتم بتغليب الطبيعة الخيرة في النفس البشرية على جوانب الطبيعة السيئةِ والعنيفةِ والشريرةِ والعدوانيةِ في ذات النفس البشرية . وليس من مُصادفة أن تكونَ المُجتمعات الأكثر صرامة بين المُجتمعات الإسلامية في الضبطِ والربطِ الديني "من الخارج" هى أكثر هذه المُجتمعات انشغالاً (كلما أُتيحَت الفُرصة) بالجنس والنساء واللهو والعبث، وكُلها مما يحاول النظام ضبطهُ "من الخارج"، ولكن نظرًا لفشله في التعامُل مع "الداخل" فإنه يخلقُ حالةً من الثُنائيةِ والازدواجية وانفصال ما يُقال في العَلَن عما يُفعَل خفيةً بشكلٍ قد لا يكون له مثيل مُشابه في العالم بأسرهِ .

************

٢

ويعتقد البعضُ في الدولِ التي استشرى فيها "التطرفُ" الذي يستمد شعاراته من الدين الإسلامي أن "فكرًا معينًا" هو الذي يولِّد هذا التيار، وأن الظروفَ المعيشيةِ ليست هي منبع هذا التيار . ويعتقد هؤلاء أنهم على حقٍٍ عندما يضربون الأمثال بمجتمعاتٍ فقيرةٍ إلاَّ أن "تيارَ التطرفِ" (والذي يسمي نفسه بالإسلامي) لم يتعاظم فيها . وفي المقابل، فإن البعض يعتقد أن الظروفَ المعيشيةِ هي "المفرخةُ" الأساسية لفكرِ وتيارِ وحركةِ التطرفِ . ويعتقد أصحابُ هذه النظرة أن الظروفَ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ هي المسئولُ الأول عن المناخِ الذي يُنبت تيار التطرف .

وعادةً ما تكون حكوماتُ العالمِ الثالثِ (حيث يوجد التيار الأصولي المسمى بالحركة الإسلامية) من أنصارِ وجهةِ النظرِ التي ترى أن "التطرفَ" فكرةٌ خبيثةٌ يروج لها البعضُ بدوافعٍ ولأغراضٍ سياسيةٍ وأنها لم تنتج عن الظروفِ المعيشية . وعادةً ما يكون المثقفون بوجهٍ عام وأولئك الذين يعطون العناصر الاجتماعية الوزن الأكبر من أنصارِ وجهةِ النظرِ التي ترجع التطرفَ للظروفِ المعيشيةِ .

وإذا كنت قد أوليت موضوع الأصولية الإسلامية آلاف الساعات من وقتي وقراءاتي ومتابعتي بما في ذلك المتابعةِ التي يصح أن توصف بأنها "متابعةٌ ميدانيةٌ" – فإنني أَعطي نفسي الحقَ في الاجتهادِ في هذه المسألةِ وأقول إن الحركةَ الأصوليةِ الإسلامية نتجت واستشرت بفعل العاملين الذين يعتقد فريقٌ من المحللين أن أحدهما هو المسئول الأوحد بينما يعتقد فريقٌ آخر أن ثانيهما هو المسئول الأوحد . فالحقيقة – في اعتقادي – أننا يجب أن نميِّز بين "وجود فكر الأصولية الإسلامية" وبين "انتشار تيار الأصولية الإسلامية" انتشارًا واسعًا في مجتمعٍ من المجتمعاتِ .

أَما "وجود فكر الأصولية الإسلامية" فيرجع لوجودِ المفكرين الذين يؤمنون بالمرجعيةِ الدينية (الإسلامية في هذه الحالة) كأساسٍ لتنظيمِ المجتمعِ بكل ما تعنيه عبارةُ "تنظيمِ المجتمعِ" من معانٍ ودلالاتٍ . ومما لا شك فيه أنه من الطبيعي أن يوجد في أي مجتمعٍ توجد به أغلبيةٌ سكانيةٌ مسلمة "فكرٌ" يرى أن إصلاحَ حالِ المجتمع وتنظيم شئونه ينبغي أن يكون على أساسٍ من المرجعية الدينية . ولكن من الطبيعي أيضًا أن يكون هذا الفكرُ مجردَ "تيارٍ واحدٍ" ضمن تياراتٍ فكريةٍ أخرى في المجتمع ومن الطبيعي أيضًا أن يكون تيارًا محدودًا إلى جوارِ التياراتِ الأخرى التي تنتمي للحاضرِ والمستقبلِ . أما "انتشار تيار الأصولية الإسلامية" بين أعدادٍ كبيرةٍ من أبناءِ وبناتِ مجتمعٍ معينٍ فأمرٌ لا يرجع إلاَّ للظروف المعيشية أي للعواملِ الاقتصاديةِ / الاجتماعيةِ والتي يكون تخلفُها داعيًا لأصحابِ الفكرِ المسمى بالإسلامي لكي يروجوا لنظريتهم بصفتها "المنقذ" من براثنِ الواقعِ بما يتسم به من ظروفٍ معيشيةٍ مترديةٍ .

وفي اعتقادي أنه من الطبيعي أَن تُكرر حكوماتٌ عديدةٍ في دولِ العالمِ الثالثِ أن التطرفَ ليس إلا ورمًا فكريًا خبيثًا وأنه لا يرجع للظروفِ المعيشيةِ، لأنها ليست بوسعها إلا أن تقول ذلك، لأن اعترافها بأن الظروفَ المعيشيةِ هي التي ولدت وأنتجت ودعمت انتشار هذا التيار سوف يجعلها تعترف في نفسِ الوقتِ بفشلها في إدارةِ المجتمع ذلك الفشل المتمثل في تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والذي في ظله أمكن لفكرِ الأصوليةِ (المحدود والمتواضع على المستوى النظري والفكري) أن يقيض له الذيوعَ والشيوعَ بين أعدادٍ كبيرةٍ من أبناءِ وبناتِ المجتمع .

وفي اعتقادي، أن وجودَ الفكرِ الأصولي في حد ذاته ليس بذي خطرٍ كبيرٍ . فالفكرُ الأصولي الإسلامي يفتقد لأيةِ قدرةٍ على الانتشارِ وجذبِ الأتباعِ والمؤمنين به بمعزلٍ عن تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إذ أنه (بكل المعايير) فكر بسيط تجاوزه الزمنُ والعلمُ . وأنا لا أقصد هنا "الدين" وإنما "فكر الأصوليين" وهو عمل بشري لا قدسية له ولا يملك أصحابُه أن يقولوا إنه هو "الدين ذاته" وإنما هو "فهمهم الخاص للدين" .

وفي اعتقادي أن الخطورة تكمن كلها في الظروف المعيشية . ففي ظلِ ظروفٍ معيشيةٍ مترديةٍ تخلفت فيها الدولةُ عن تقديمِ أساسياتِ الحياةِ من الرعايةِ الصحيةِ والتعليمِ وسلسلةِ الخدماتِ الأساسيةِ لوجودِ حياةٍ كريمةٍ، في ظلِ ظروفٍ من هذا النوع يتقدم الأصوليون بسلسلةٍ من الخدماتِ في هذه المجالات ومعها "فكرهم الأصولي" وكأن ما يقدمونه من خدماتٍ هو جزءٌ لا يتجزأ من فكرهم الأصولي – والحقيقة أنه لا توجد أية صلة بين ما يقدمونه من خدمات طبية وتعليمية ومجتمعية وبين فكرهم الأصولي – وإنما هي مكيافيلية سياسية في المقام الأول تلك التي جعلتهم ينتهزون فرصة تردي الظروف المعيشية ويقدمون سلسلة من الخدمات مع تقديم موازٍ لفكرهم الأصولي .

وفي اعتقادي أن مواجهةَ حركاتِ التطرفِ بالأدواتِ والوسائلِ الأمنيةِ (رغم ضروريتها وأهميتها) لا تقدم أيَ حلٍ للمشكلةِ من أساسِها . فالوسائلُ الأمنية هنا تشبه من يقطع فروعَ الشجرةِ مع بقاءِ الجذعِ والجذورِ . وقد يكون قطعُ الفروعِ في أوقاتٍ ومراحلٍ معينةٍ ضروريًا لأبعدِ الحدودِ حتى لا يفقد المجتمعُ ذاته ويسقط في يد الأصوليين الذين لا فرصة معهم لإقامةِ مجتمعٍ مدني أو عصري أو متقدمٍ من أية وجهة نظرٍ ناهيك عن فقدان الأمل نهائيًا في الحرية والديموقراطية وحقوق الآخرين .

ولكن من المؤكد أن التعامل بالوسائلِ الأمنيةِ فقط يسمح بنكساتٍ لا يمكن تجنبها بشكلٍ مطلقٍٍ . وأعتقدُ اعتقادًا جازمًا أن وضعَ الدولةِ لخطةٍ محكمةٍ لكي تقوم بكلِ الخدماتِ التي ينتظرها أبناءُ وبناتُ المجتمعِ منها هو الوسيلةُ الوحيدةُ لحصرِ تيارِ الأصوليةِ في حدودِ الاهتماماتِ الفكريةِ (المتواضعة للغاية) لعددٍ قليلٍ من أبناء المجتمع . وأعني هنا أن سحبَ البساطِ من تحتِ أقدامِ الأصوليين عن طريقِِ قيامِ الدولةِ بما يقدمه الأصوليون من خدمات يجعل ثمانية أو تسعة من كلِ عشرةِ أشخاصٍ ممن كان من المحتمل انجذابهم لدعوةِ تيارِ الأصوليين ينصرفون عن هذا التيار وشعاراته الجذابة والتي لا تستند على أي فكرٍ عميقٍٍ أو تجاربٍ ناجحةٍ . وسيبقى واحدٌ أو اثنان تنطلي عليهما تلك الأفكارُ البسيطة والتي لا أساس لها من المنطق أو التجربة، وهو أمر طبيعي، فالخطورة في جذب الاعداد الكبيرة (بفعل الظروف المعيشية) وليس في وجود جيوب صغيرة من المؤمنين بفكر لا يملك بدون الظروف المعيشية المتردية أن يجذب إلا أعدادًا صغيرة من أصحاب الاستعداد الشخصي للميل لأفكارٍ انفعاليةٍ تميل للشطط دون أن يكون لها حظ من العلم أو المنطق أو التجربة الناجحة .

************

٣
في "مرايا نجيب محفوظ" التي صدرت منذ أكثر من ثلاثين سنة صورًا رُسمت بعبقريةٍ أدبية لشخصياتٍ بعضها عرفناهُ من النص وبعضها عرفناهُ من صاحب النص. ومن الشخصيات التي عرفناها من المصدرين شخصيةٌ قصد بها المؤلف "سيد قطب" الذي عرفهُ الاستاذ نجيب محفوظ جيدًا خلال النصف الأول من ثلاثينيات القرن الماضي كما كان سيد قطب مع سلامة موسى هما أول من قدما نجيب محفوظ عبد العزيز للقراء منذ أكثر من ستين سنة. وقد صور الاستاذ نجيب محفوظ بعبقريةٍ بذور التعصب في الشخصية التي رسمها (ولا أقول كتبها). وقد كان سيد قطب من مريدي العقاد وتلاميذه-ولكنها كانت علاقةٌ غريبة؛ إذ على خلاف معظم تلاميذ العقاد لم يحظ سيد قطب بكلمة ثناء واحدة بقلم العقاد عن كتاباته في تلك الفترة والتي لم تكن تخرج عن "النقد الأدبي" و"الشعر". ويعرفُ الذين كانوا مقربين من العقاد وسيد قطب أن الأخير شعر بمرارة كبيرة عندما تجاهل العقاد ديوانه الشعري الذي أصدره سيد قطب في أربعينيات القرن العشرين. وفي زيارةٍ من زياراتي لواحدةٍ من كبريات الجامعات الأمريكية التقيتُ بباحثٍ تخصص في دراسةِ أعمال سيد قطب السابقة لرحلته للولايات المتحدة الأمريكية في أوائل خمسينيات القرن الماضي والتي استمرت لقرابة السنتين. وقد اطلعت على عملٍ أرشيفيٍّ جيد كان من أبرز ما لفت انتباهي فيه خلو أعمال سيد قطب في تلك المرحلة (والتي هي بشكلٍ تقريبيٍّ الفترة من 1930 إلى 1950) من أي كتاباتٍ تشبه كتاباتِه بعد عودته لمصر من رحلته الأمريكية. كان سيد قطب خلال تلك السنوات العشرين ناقدًا وشاعرًا دون أن يتمكن من الوصول للصف الأول أو حتى الثاني في هذين المجالين. وعندما يطالعُ الإنسان (في جلسةٍ واحدة) الشخصية التي صورها نجيب محفوظ في المرايا وكذلك ديوان سيد قطب الذي صدر في أربعينيات القرن الماضي فإنه يلمس بوضوح "شعورًا كبيرًا بالمرارة".
سافر سيد قطب إلى الولايات المتحدة ورجع لمصر بعد سنتين. بعد عودة سيد قطب لمصر حدثت حركة 23 يوليو 1952. وما بين هذا التاريخ الأخير وتاريخ القبض عليه واعتقاله في سنة 1954 كان سيد قطب مقربًا من قادة الضباط الأحرار بل و يُقال إن مكتبًا كان مخصصًا له في مقر مجلس قيادة الثورة بالجزيرة. ومعروف أن سيد قطب شعر بمرارةٍ كبيرةٍ عندما لم يضمه الضباطُ الأحرار لقائمة الشخصيات المدنية التي أصبح أعضاؤها وزراءً في وزارات ما بعد 23 يوليو 1952. بعد حادثة المنشية أُلقِي القبض على سيد قطب وأمضى أكثر من عشر سنوات في المعتقل كتب خلالها معظم كتاباته المعروفة ومن أشهرها "وأصغرها حجمًا" معالم في الطريق.
بعد قرابة سنة من خروجه من المعتقل في منتصف ستينيات القرن الماضي اُعْتُقِلَ سيد قطب للمرة الثانية وحوكم وتم إعدامه. وأنا ممن يخالفون سيد قطب في كل آرائه ومع ذلك فأنا بكل عقلي وقلبي وضميري ممن يستبشعون فظاعةِ ووحشيةِ وإجراميةِ ما حدث في حقه منذ اعتقاله (سنة 1965) وحتى إعدامه سنة 1966. ولكن هذا لا يمنعني من التساؤل: ما الذي حدث للرجل الذي كان ناقدًا أدبيًا وشاعرًا أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية وجعله يعود من تلك الرحلة شخصًا غير الذي ترك مصر قبل سنتين؟. كيف ولماذا نبتت تلك المرارة الشديدة على الآخرين؟؟ وكيف انتقلت روح ابن تيميه فيما يتعلق بغير المسلمين لكيان ووجدان سيد قطب فنقلها بعد ذلك لآلاف بل و عشرات الآلاف من الأتباع؟؟ إن المذاهب الإسلامية السنية كلها باستثناء الفرع الحنبلي الذي بدأ بأحمد بن حنبل ومر بابن تيميه وبابن قيم الجوزية ووصل إلى محمد بن عبد الوهاب في نجدٍ منذ قرنين ونصف من الزمان ثم إلى سيد قطب وهو في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر قليلاً من خمسين سنة… إن كل المذاهب السنية باستثناء هذا الفرع وكذلك كل المذاهب غير السنية وأهمها مذاهب الشيعة الأساسية (كالإمامية) وكذلك كل الطرق الصوفية لا تعرف تلك الروح المليئة بالمرارة والكراهية لغير المسلمين والتي نراها عند ابن تيميه والخط الموصول منه إلى أسامة بن لادن.
إن البعض يظن أن ما يحدث اليوم في السعودية هو شيءٌ جديد في طبيعته. وهذا تصور غير سليم. فكما ذكر آنفًا، خلال سنوات الدولة السعودية الأولى (في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن العشرين) وُجِدَت أمثلة تضاهي ما نراه اليوم من كراهية عمياء لغير المسلمين ولكل مظاهر الحياة العصرية وأنماط التذكير الجديدة. وخلال السنوات الأولى للدولة السعودية الثالثة (أي الحالية) حارب أولئك الذين يتسمون بتلك الروح تجاه غير المسلمين وتجاه مظاهر الحياة العصرية الرجل الذي أنشأ الدولة السعودية الثالثة وهو الملك عبد العزيز آل سعود. وفي المراجع العلمية المتخصصة عن تاريخ الدولة السعودية الثالثة أشياء ومواقف للإخوان (إخوان نجد) يقفُ لها شعرُ الرأس. فقد كانوا يعارضون الملك عبد العزيز في أشياء عديدة مثل إدخال الراديو (الإذاعة) وركوب السيارة العصرية واستعمال الهاتف بل إنه عندما غادر الملك عبد العزيز الرياض في منتصف عشرينيات القرن الماضي على ناقةٍ وعاد لها بعد ضمه لمكة لمملكته الوليدة وكانت عودته في سيارة عصرية-انتقد الإخوان (إخوان نجد) هذه البدعة التي تمثلت في ركوب عبد العزيز لسيارةٍ أمريكية… ومنذ سنوات غير بعيدة أفتى الشيخ عبد العزيز بن باز بكفر من يقول إن الأرض كروية… وبين يدي الآن مئات الفتاوى (مثل فتوى عدم كروية الأرض وحرمانية قيادة المرأة للسيارة)… وأنتقي منها فتوى مذهلة هي الفتوى رقم 21409 بتاريخ 29 ربيع الأول 1421 (هـ) والتي تحرم إهداء الزهور للمريض لأن ذلك (محض تقليد وتشبه بالكفار).. وكذلك (خشية ما يجر إليه ذلك من الاعتقاد بأن هذه الزهور من أسباب الشفاء) وبناء عليه (لا يجوز التعامل بالزهور بيعًا أو شراءً أو إهداءً)!!!.
إن واجب كل مسلم يريد لهذا الثوب الأبيض أن يكون نقيًا أن يدرك أن هذا التيار المليء بالمرارة والكراهية لغير المسلمين ولمعالم العصر المادية والمعنوية هو تيار استثنائي وإن كان قويًا وعنيفًا ومؤثرًا. إنني لشديد التطلع لأن أرى مؤرخين محترفين يدرسون ويتتبعون هذا التيار من ابن تيميه إلى أسامة بن لادن ومساهمة سيد قطب في هذا التيار مع إبرازٍ واضح لكونِ هذا التيار مخالف لكل أدبيات المذاهب السنية والشيعية الأخرى. كذلك آمل أن يفرغ باحثٌ متخصص لدراسة السنتين اللتين أمضاهما سيد قطب في الولايات المتحدة وعاد بعدهما رجلاً مختلفًا تمامًا.
وآخر ما أتمناه أن يحدث ذلك بقلمٍ غير صحفيٍّ أو سياسيٍّ وإنما بقلمٍ وعقلٍ أكاديميٍّ لا يبحث عن الإدانة والاتهام وإنما عن ضالة المفكر الحقيقي وهي الحقيقة… إننا هنا نهدف لعمل فكري لا لعمل إجرامي كالذي تم في حق سيد قطب في سنة 1966.











الفصل السادس
رؤية أم كابوس؟

• محمود فهمي النقراشي وجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك هم الرؤساء التنفيذيون لمصر منذ أواخر أربعينات القرن العشرين. وقد أطلق المتأسلمون النار عليهم جميعًا فقتلوا النقراشي والسادات وفشلوا في قتل الآخرين.

• ظن الأمريكيون أنهم يمكن لهم احتواء أحد أهم زعماء المتأسلمين في مصر وهو عمر عبد الرحمن فأعطوه تأشيرة دخول الولايات المتحدة. وما أن استقرت له الحال حتى دبر حادث برج التجارة العالمي الأول. فاعتقلوه وأودعوه السجن.

• يقاتل المتأسلمون في الكويت من أجل عدم إعطاء المرأة الكويتية حقوقها السياسية. وبلغت قوة معارضتهم حد الانتصار على أمير الكويت.

أتذكر هذه الحقائق الكبرى الثلاث وعشرات غيرها كلما تحدث إنسانٌ عن حتمية انخراط المتأسلمين في الحياة السياسية في مصرَ؛ كما يرتجف قلبي من هول مواقف المتأسلمين من المرأة والاقباط إذ أن مكانتهم عند هؤلاء أعلى قليلاً من مكانة أسرى الحرب والرقيق.

و أحاولُ أحيانًا أن أتخيل سيناريو نجاح المتأسلمين في تحقيق كل أهدافهم. فأفترض أن أسامة بن لادن (أو غيره) تم لهم ما يريدون. وأعتقد أنهم يريدون ما يلي.

• خروج الغرب (والولايات المتحدة الأمريكية بالذات) من بلدان المسلمين.
• إنهاء حكم الملوك والرؤساء الحاليين لكونهم (من منظور أسامة بن لادن وأمثاله) عملاء للشيطان الأكبر (الولايات المتحدة).
• وصول أسامة بن لادن (أو واحد مثله) للحكم في بلدان المسلمين وإعلان الخلافة وإلغاء القوانين الوضعية وتطبيق الشريعة الإسلامية.

أغلق عيني أحيانًا وأستمر في تصور هذا السيناريو... ثم أتساءل: وماذا بعد؟.. هنا تكمن مخاطر التفكير. إذ أننا لن نكون إلا أمام إحتمالين. أما الاحتمال الأول، فتقوم في ظلِه عزلةٌ كاملةٌ بين "عالم المسلمين" و"عالم غير المسلمين". وتمتد هذه العزلةُ لسائر الجوانب العلمية والاقتصادية والعسكرية والثقافية. وعندما أستمر في تصوُّر هذا السيناريو وتداعياته، أجد المجتمعات الإسلامية قد تحولت إلى وديان مليئة بالبشر، قليلة الحظ من العلم وتوظيفاته في سائر مجالات تحسين نوعية الحياة على الأرض (وهذا الأمر غير هام، لأن الحياة في الدنيا ليست هدف المسلم، فما الحياة الدنيا إلا دقائق ومعبر للآخرة بنعيمها أو جحيمها). وستكون تلك المجتمعات مكتظة بالسكان (لأن الشريعة وفق فهم القائمين على تلك المجتمعات تحض الناس على التكاثر لكي يتباهى بهم الرسول (ص) يوم القيامة)… وستكون الأحوالُ المعيشية لهؤلاء الذين قاطعوا العلم الغربي الكافر سيئة للغاية من كافةِ الجوانبِ الاقتصادية والحياتية والصحية والعلمية… ولكن هذا أمر غير مهم – إذ أن "الدنيا" ليست هي غاية المسلم المؤمن الذي يعتبر نفسه في هذه الحياة فوق قنطرة يعبرها في زمن وجيز (هو العمر البشري على الأرض) إما للجنة (بالأنهار والثمار والحور العين) وإما لجهنم (بلظاها ولهيبها). وأحيانًا يصل بي التخيّل لأحوال مجتمعات المسلمين (وفق هذا السيناريو) لأن أرى صورًا تتحرك أمام عيني لبؤس أسطوري ومشاكل عظمى من كافة الأنواع وفي كافة المجالات. وفي ظل هذا السيناريو يقوم المسلمون أحيانًا بغزوات لعالم الكفار فتأتي أسلحة الكفار المتطورة وتسوي بعالم المسلمين الأرض تاركة صورًا فظيعة من جديلة التخلف والدمار (وذلك أمر طبيعي – فالمسلمون لا يصنعون سلاحهم وإنما يشترونه من عدوهم الأكثر تقدمًا في سائر مجالات العلم والصناعة). وأكاد أسمع خطباء المساجد في عالم المسلمين (وفق هذا السيناريو) وهم يؤكدون لمستمعيهم أن ما يمرون به اختبار من الله وأن النصر المعجزي آت لا محالة، وسوف تدور الدائرة وينتصر المسلمون على دول الكفر ومجتمعاته في يوم لا ريب فيه. وسوف ينهي أئمة المساجد خطبهم بالدعاء أن ينزل الله عقابه الأكبر والخراب الكلي على أهل الكفر من النصارى وأتباعهم اليهود... وسيكون الدعاء مليئًا بالجناس والطباق والقوافي الرنانة بدون شك.

أما السيناريو الثاني، فيفترض أن قادة الإسلام السياسي بعد تحقيق الأهداف المذكورة في مستهل هذا الفصل لن يؤسسوا عزلة بين عالم المسلمين وعالم غير المسلمين. ولكنهم سيقومون بالتعامل مع الكفار عملاً بالمبدأ الفقهي المعروف (الضرورات تبيح المحظورات). وسوف يأخذ هذا التعامل أشكالاً عدة في المجالات الاقتصادية والعلمية والاجتماعية والصناعية والخدمية والزراعية. فعلى المسلم (وفق منظور هذا السيناريو) أن يطلب العلم ولو في الصين. ووفق هذا السيناريو، فإن المسلمين سينخرطون في تعاملات واسعة مع غير المسلمين. وعندما أُغلق عيني وأستعمل معرفتي المتواضعة بالتاريخ والسياسة والإدارة الحديثة، فإنني أجد نفسي أضحك: لأن هذا السيناريو سيقود المجتمعات الإسلامية للوضع الذي كانت عليه (في تعاملاتها مع غير المسلمين) منذ قرن من الزمان: أي طرف يتعلم من طرف... وطرف يشتري من طرف... وطرف يحاول اللحاق بطرف.
وهكذا تأخذني الحيرة، فسواء كان السيناريو الأول هو الذي ستسير عليه الأمور أو أنها ستسير وفق السيناريو الثاني: فإن السؤال الكبير يبقى بدون تغيير: ولِمَ كل هذا العناء والدم والقتل والدمار والجروح والتشوهات والآلام والقلق والبؤس؟.. وأجدني أضحك بمرارةٍ لا حد لها وأنا أجيب على تساؤلي: من أجل الحكم أيها السادة!.. الفارق الوحيد بين كل السيناريوهات هو: بيد من يكون الحكم. ووفق سيناريو الإسلام السياسي الأول سيكون الحكم بيد الإسلاميين. وكذلك الحال وفق السيناريو الثاني. أما إذا بقيت الأمور على ما هي عليه اليوم، فالإجابة واضحة. أما وفق السيناريو الرابع (أي تطور المجتمعات الإسلامية وتقدمها وذيوع الديموقراطية فيها) فإن الحكم سيكون بيد الشعوب (أو بيد ممثليهم وفق تفويض حقيقي)… وهذا ما لا يشغل أكثر المنشغلين بالسياسة على كافة الجوانب.


















الفصل السابع
استخدام القوة (العنف)

١

كثيرٌ من العواصفِ التي تضرب منطقتنا تدل على أن فكر الحركات التي تمارس السياسة تحت اسم (الإسلام السياسي) لا يزال فكرًا انقلابيًا (فكر تنظيمات "تحت" الأرض لا "فوق" الأرض) وليس فكر مؤسسات سياسية عصرية تفهم وتحترم القانون ... بل إنني أستكثر كلمة "فكر" على هذه الحركات، فعلامات عديدة حولنا تدل على أن "عضلات هذه الحركات" هى عضلات قوة منفلتة من عقال الدساتير والقوانين والعقل والحكمة.

في لبنان، حكومة منتخبة وبرلمان يمثل الشعب ... ومع ذلك فأكبر حركات المعارضة (وهى حركة يختلط فيها الدين بالسياسة) لا تقبل الاحتكام لممثلي الأمة المنتخبين، وإنما تحتكم لحناجر مدوية بوسعها (للأسف) العودة بلبنان قرونًا للوراء ... ويشارك في هذه اللعبة التي تدوس فيها "عضلات القوة العمياء" على كل مبادئ الديموقراطية والدساتير والقوانين أحزاب تمثل عدة مصالح خارجية أهمها إيران المتعطشة لدور القوى العظمى في منطقة الشرق الأوسط بدوافع من بينها علاقة كراهية تاريخية طويلة وعميقة بين الفرس والعرب . فحزب مسلح (دون غيره) يقلب المائدة (الشارع) على رؤوس الجميع ضاربًا عرض الحائط بأن هناك برلمانًا منتخب يجب أن يكون هو المرجع وليس جحافل المتظاهرين الذين يتم توجيههم من خارج الوطن ... وبالذات من قبل نظام ثيوقراطي يموّل خراب لبنان .

وفي مناطق الحكم الفلسطيني تأتي حركة ثيوقراطية من رحم القرون الوسطى لتضرب عرض الحائط بالتزامات الحكومات السابقة وتريد لحركة الأحداث أن تبدأ من يوم وصولها للحكم فقط . وعندما يدعو أبومازن (بحكمة ... وإن كانت متأخرة بعض الشئ) للعودة للشعب مصدر السلطات، فإن حكومة الثيوقراطيين الذين لا يفهمون الديموقراطية (إلا بصفتها أداة للوصول للحكم) ترفض الاحتكام للشعب، فهى كحركة ثيوقراطية غير ناضجة ديموقراطيًا تفهم أن الديموقراطية كانت أداة لوصولها للحكم ... أما بقاؤها في الحكم لأبد الآبدين فهو أمر منطقي لأنهم في الحقيقة ثلة من البشر لا علاقة لها بالديموقراطية وإنما هى فرقة انقلابية تتداخل اللوثة الدينية (وليس الدين) في رأسها مع معطيات أخرى أهمها الثيوقراطية والعنف والعضلات التي لا يحكمها عقل وإنما غرائز سياسية ونعرات دينية وقومية وطائفية .

ثم تأتي ثالثة الأثافي، وهى الأحداث المؤسفة لصبية الإخوان المسلمين أمام الأزهر (منذ سنوات قليلة) والتي أظهرت أن حركة الإسلام السياسي لا تزال بعيدة كل البعد عن النضج – فنحن أمام خلطة من اللوثة الدينية (وليس الدين) والفهم البسيط البدائي للديموقراطية وميل جارف للعنف (إن أمكن) أو لاستعمال العضلات التي لا يحكمها عقل ولا توجهها رؤية عصرية للعمل السياسي .

ورغم الحزن الدفين الذي سببته لكل محب لهذا الوطن ولكل راغب في تقدمه واستقراره وازدهاره، هذه الأحداث بالغة الخطر والضرر والنذير، فإن لكل مصيبة (أيًا كانت) وجهًا قد يكون أقل جهامة، وهو (في حالتنا هذه) أن يعلم الناسُ في كل ربوع مصرﹶ حجم الخطر الذي يمثله وصول صبية أصحاب عقول بسيطة ومحصول معرفي هزيل وعضلات منفلته من عقال كل عقل وحكمة لحكم دولة عريقة مثل مصرﹶ .

ويخيل لي أن ما حدث (وأعني أحداث الصبية عند الأزهر) قد أضر بالكثير من الجهات بما في ذلك أعضاء مجلس الشعب الذين ينتمون فكريًا (أو تنظيميًا) لحركة الإخوان المسلمين . فكيف يقبل الشعب المصري بحركة سياسية يقول صبية تابعون لها (بشكل أو بآخر) بتصرفهم الشاذ عند الأزهر أنها حركة لها (أو قد يكون لها) ميلشيات منظمة ... وأنها (في زمن العلم والإدارة) حركة صبية تحركهم غرائز (لا أفكار) سياسية وعضلات (لا فكر) منفلت من عقال كل عقل وحكمة .

وفي اعتقادي، أن الحركات السياسية الإسلامية لم تمر بعد بمرحلة غربلة وفرز كما يجب أن يحدث، كما أنها لم تشهد داخلها تطورات فكرية يعتد بها . بل و أجزم، أن "العقل المسلم" قد عرف خلال المائة سنة التي تفصل ما بين تاريخ وفاة أول فقهاء السنة الأربعة الكبار "أبي حنيفة النعمان" وما بين تاريخ وفاة رابع الفقهاء السنة الأربعة الكبار "أحمد بن حنبل" (مات الأول حول منتصف القرن الثاني الهجري ومات الثاني بعد أكثر قليلاً من قرن ) . أقول إن العقل المسلم عرف خلال السنوات التي تفصل بين أول ورابع الفقهاء السنة الكبار من المتّغيرات الجذرية أضعاف ما حصل للعقل المسلم بوجه عام وللعقل الفقهي المسلم والعقل السياسي المسلم خلال القرون العشرة التي مرت منذ وفاة أحمد بن حنبل (في القرن الثالث الهجري) وحتى هذه اللحظة . هذا الجمود (بالغ الضرر) الذي نتج عن ظاهرتين مدمرتين هما ما عرف بقفل باب الاجتهاد وإدارة الأغلبية المسلمة لظهرها لأبي الوليد بن رشد الذي كان بوسع المسلمين (إن سمحوا لأنفسهم بالاستفادة من دور ابن رشد العقلي الفذ) ألاّ يكونوا (كما هم الآن) في هذه الدرجة المنخفضة على سلم الترقي والتقدم والنهضة .

************

٢
وفي اعتقادي أن هناك عشرات المعضلات التي تقف ما بين تيارات الإسلام السياسي والنضج السياسي . إلاّ أن أكبر حجر عثرة يحول بين هذه التيارات (ومن بينها تيار الإخوان المسلمين) وبين النضج السياسي العصري هو تمسكهم بفكرة الحاكمية كما صاغها مفكرون إسلاميون مثل أبي الاعلى المودودي وسيد قطب . فالفكرة (حتى لو بدت للبعض ذات بريق وزينة) هى "محض خرافة" . فمؤدي الفكرة أن البشر لا يحكمون البشر وإنما الحاكم هو الله . وهذا لعب خطير باللغة ينتهي – نظرًا لعدم وجود احتكام مباشر للذات الإلهية بالمعنى الحرفي لكلمة "احتكام مباشر" – لوجود طبقة رجال دين تحكم باسم الله ووفقًا لفهمها هى لمقاصد الله (!!) . وفي ظني أن أبا الاعلى المودودي وسيد قطب إنتهيا لهذه "الصيغة الأدبية" التي لا تقبل التطبيق عمليًا بسبب صدمة الأول أمام ثقافة هندية عارمة وصدمة الثاني أمام حضارة أمريكية أزعجته أيما إزعاج عندما سافر لقضاء أقل من عامين بالولايات المتحدة الأمريكية منذ أقل قليلاً من ستين سنة . وبدلاً من "التعامل مع العصر" اختار كلاهما "الهروب من العصر" .

************

٣

والخلاصةُ أن أول عقبة أمام تيارات الإسلام السياسي (التي تريد أن تعيش في هذا العصر وأن تكون في سلام مع الإنسانية) تجاوزها لفكرة الحاكمية كما يؤمن بها جل أتباع تيارات الإسلام السياسي المعاصرة . ويتبع إسقاط هذه الفكرة غير القابلة للتطبيق بدون عودة للوراء لأكثر من ألف سنة وبدون عداء سافر مع الإنسانية والحضارات والثقافات الأخرى، حتمية عمل بعض قادة تيارات الإسلام السياسي على إنضاج درجة أعلى وأرقى من الإيمان بالديموقراطية . فالديموقراطية ليست هى (الشورى) . وإن لم يكن هناك تناقض بينهما : فالشورى جزءٌ من كلٍ، هو الديموقراطية . والذي يقول إن في ذلك تطاولاً على الإسلام، فإن ردي عليه أن الإسلام تكلم عن الشورى (وليس عن الديموقراطية) كما تكلم عن الدواب (ولم يتكلم عن السيارات والطائرات) ... ولا يعيب هذا الإسلام في شئ ... فليس من هدف الدعوة الإسلامية التبشير بمنجزات العصور التي لم تأت بعد كالديموقراطية والطائرات وحقوق الإنسان واستعمالات الليزر ومستحدثات الطب الحديث ونظم الإدارة المدنية وتكنولوجيا المعلومات .

على بعض قيادات تيارات الإسلام السياسي أن تعمل على تنشئة جيل جديد يؤمن بأن الأمة هى مصدر السلطات وأن الدستور هو قانون القوانين وأن الزمن لا يسمح بأن تقاد المجتمعات بواسطة رجال الدين (لا سيما في ظل دين لا يعرف طبقة رجال الدين) وإنما بأحدث محصولات العلم والإدارة والفكر وتكنولوجيا المعلومات .

ودون انشقاق بعض قيادات تيارات الإسلام السياسي عن صفوف الجمود الذي لازم العقل المسلم لأكثر من ألف سنة وتحديهم لمفاهيم مثل الحاكمية والتراث الطويل من النظرة الدونية للمرأة والموقف القبلي من الآخرين الذي يصل عند الحنابلة وعند ابن تيمية بالذات لاعتبار المسيحيين واليهود كفارًا (وهو عبث وتخلف ووضع للمسلمين في حالة مواجهة مع الإنسانية لا يمكن إلا أن يخسروها) وتنشئتهم لأجيال تؤمن أن الأمة هى مصدر السلطات وأن المجتمعات تدار بالعلم والإدارة – بدون ذلك فإننا لا يجب أن نتعجب من وجود صبية يحاولون أن يُكوِّنوا ميليشيا تحكمنا بالعاطفة الجياشة والحناجر الصارخة وعضلات منفلتة من عقال كل عقل وحكمة .




الفصل الثامن
الحضّانة

١

أوجع قلبي وعقلي وضميري أن أرى ملكَ السعوديةِ يقدم لبابا الڤاتيكان سيفًا . فما كان أشد حاجتنا لأن نبعد أنفسَنا عن السيوفِ ونبعد اسمَ الإسلامِ والمسلمين ورموزهما عن السيفِ كشكلٍ وكفكرةٍ وكدلالةٍ. لذلك فما أن أوجعت صورةُ ملكِ السعودية قلبي وعقلي وضميري وهو يهدي السيفَ لبابا الڤاتيكان حتى أمسكت بقلمٍ وكتبت الكلمةَ التي لم يُلقها ملكُ السعودية وكان الجدير به أن يفعل لو كان مستشاروه يعرفون العقل الغربي و ثقافة الغرب .

كلمة الملك التي كان ينبغي أن تُلقى :
قداسة البابا ... حضرات الكاردينالات ... باسم السعوديةِ التي أَشرفُ بتمثيلِها وباسمِ الإسلامِ والمسلمين الذين أشرف بالانتماء لهم، أُلقي عليكم تحيةَ السلامِ ... علمًا بأن حروفَ كلمتي "السلام" و"الإسلام" متطابقتان في اللغةِ العربيةِ . باسمي وباسم من أُمثلُ أدعوكم لكي نبدأ عصرًا جديدًا يقوم على الاحترامِ المتبادلِ وعدمِ قيامِ أي منا بجرحِ مشاعرِ الطرفِ الآخر، ناهيك عن الاعتداءِ المادي والمعنوي عليه بشكلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ . إنني أدعوكم وأدعو الجانبَ الذي أُمثله أن نتعاهد على أن أصحابَ كل دينٍ وإن كان من حقِهم دعوة الآخرين لدينِهم فإن ذلك ينبغي ألا يتم بالعنفِ أو القسرِ أو الإجبارِ أو الاعناتِ أو السيفِ وإنما بالمنطقِ والحجةِ وتبيانِ مزايا الدين الذي ننتمي له . إنني من الآن أُعلن أن "الجهادَ" لا يعني إلا الدفاع عن النفس ومواجهة العدوان، ولكنه لا يعني أبدًا الذهاب للآخرين بالقسوةِ والعنفِ والسيفِ لإدخالهم عنوةً في ديننا . فما أبأسَ أي دينٍ لا يستطيع الاستحواذ على عقولِ وقلوبِ وإعجابِ الناسِ إلا بالعنفِ والقسرِ وعملِ السيوفِ . كذلك فإنني أدعو كلَ الأطرافِ للإهتمامِ بنوعيةِ أتباعِ كل دينٍ أكثر من الاهتمامِ بأعدادِهم ... وإن لدينا في مسألةِ تحسينِ توعيةِ المؤمنين بديننا العظيم الكثير لنقوم به .

إنني أدعوكم والجانب الذي أمثله لئلا يسخر أيٌّ منا من الآخر أو يسفه مُعتقداته أو يَزعم أن كُتبَه المقدسة مُحرفةٌ . إنني أدعوكم والجانب الذي أمثله لعهدٍ جديدٍ من حريةِ الاعتقادِ وحريةِ العبادةِ وحريةِ إنشاءِ دور العبادة في أي مكانٍ وفي أي زمانٍ . وإذا كان نبيُّ الإسلامِ قد رحب بأن يصلي مَسيحيو نجران بمسجدهِ الذي هو اليوم المسجد النبوي بالمدينةِ المنورةِ , فإنني أُعلن أمامكم أننا سنبدأ عهدًا جديدًا في التعامل مع غيرِ المسلمين بصفتهم إخواننا في الإنسانيةِ، وسأدعو كل المسلمين في العالمِ لأن يعرفوا أن مصطلحاتٍ مثل دار الحرب ودار السلام وأهل الذمة كانت متصلةً بظروفِ تاريخيةٍ في أزمنةٍ قديمةٍ وأننا نهدف اليوم لعالمٍ لا ينقسم إلى دار حربٍ ودار سلامٍ وأن مساجدَنا مفتوحةٌ للترحيبِ بالجميع وأن ديننا متينٌ لا يحبس أحدًا في دائرةِ الاعتقاد به قسرًا وعنوةً . إنني يا صاحب القداسة اخترت لك هديتين رمزيتين أحدهما نخلة ذهبية رمز تاريخنا وبيئتنا ومخطوط قديم للانجيل يعود لقرون طويلة بعيدة خلت . وقد رفضت اقتراحًا بأن أهديكم سيفًا؛ فلا السيف من رموزِكم التاريخيةِ ولا هو مما نحب أن يكون مسلطًا فوق علاقتنا المستقبلية . إن بلادي ستعمل جاهدةً في المستقبلِ على أن تكون إقامةُ غير المسلمين بها متسمةً بكل معاني كرم الضيافة ورحابة الصدر والتسامح بما في ذلك حقهم في الصلاةِ وعبادةِ الله في كنائسٍ أو معابدٍ حسب دينهم وطائفتهم . إن ارتفاعَ مناراتِ الكنائسِ أو قباب المعابد فوق أرض بلادي لن يجرح شعورنا كما أن ارتفاع مآذن المساجد في أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا لم يجرح مشاعر غير المسلمين بتلك البلاد . كذلك أعدكم بأن ندرس في وقتٍ قصيرٍ عدم تطبيق قوانينا المستمدة من ديننا على أُناس لا يؤمنون بهذا الدين . لنبدأ معًا عهدًا جديدًا من قبول الآخر والتسامح ونسبية الاعتقاد؛ أي ألا يتصرف أيُّ إنسانٍ على وجهِ الأرضِ على أساسِ أن دينَه هو الصوابُ المطلق وأن أديانَ الآخرين هى الخطأ المطلق، ولنترك لله الحكم على أمورٍ ليس بوسعنا (وليس من مهامنا) الانشغال بها . إنني أدعوكم وكل الذين أمثلهم لعهدٍ جديدٍ من التسامح وقبول الآخر والاحترام المتبادل وعدم افتراض خطأ الآخر وترك ما لله لله . كما إنني أغتنم فرصة هذا اللقاء للدعوةِ لتكوينِ لجنةٍ من أفاضلِ علماء الأديان السماوية والعقائد الأخرى لمراجعةِ كافةِ برامج ومقررات ومناهج التعليم في شتى بقاع العالم لتحقيق الأهداف التالية :
• تنقية هذه البرامج التعليمية من أية مادةٍ تسيء لعقائد الآخرين .
• تنقية هذه البرامج التعليمية من أية مادةٍ تبذر بذور الشوفينية الدينية والشعور بالتعالي على الآخرين .
• تنقية هذه البرامج التعليمية من أية مادةٍ تقزم التسامح وقبول الآخر وتستأصل الاعجاب بالتعددية والاختلاف كأهم معالم الحياة الإنسانية وأسباب ثرائها وجمالها .

واسمح لي يا قداسة البابا – الآن – أن أهديك النخلة الذهبية ومخطوط كتاب العهد الجديد التي تعود لزمن انتشار المسيحية في منطقة نجران، وهى اليوم واحدة من محافظات أو ولايات المملكة العربية السعودية .
*** *** ***
انتهى خطابُ الملكِ الذي لم يلقه وكان من الجدير به (في إعتقادي) أن يلقيه .

************

٢
"سوسيولوجيا قبائل الجزيرة العربية" هي كلمةُ السرِ بالنسبةِ للشخصيةِ والذهنيةِ العربيةِ . وحتى نتمثل الملامح التاريخية لهذه الشخصية ولتلك الذهنية فإن علينا محاولة تخيل شكل ووضع الحياة في القسم الشرقي/ الداخلي من الجزيرة العربية خلال القرون العشرين الماضية . ولكن لماذا شرق (وليس غرب) الجزيرة العربية؟ ... سأتطرق لذلك بعد كلمة بانورامية عن المعالم التاريخية للشخصية والذهنية المتعلقة بأبناء قبائل شرق الجزيرة العربية وبالتحديد "قبائل الداخل" وليس قبائل الساحل.
بعد محاضرةٍ لي كان جمهورُها أساتذة قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون العريقة قال لي أحد الأساتذة: "من الأمور المستقرة لدينا في الأوساط الأكاديمية في الولايات المتحدة أن كراهية العرب للغرب إنما هي نتيجة لدخول الغرب في حياة شعوب المنطقة والذي بدأ باستعمار الجزائر (1830) ومصر (1882) والمغرب (1912)… إلى آخر تلك التواريخ المعروفة… أما أنت فواضح أن رؤيتك في هذا الشأن مختلفةٌ تمامًا". قلتُ: "إن ما ذكرته يخلط أشياءً كثيرة ببعضها ويضعها في سلةٍ واحدةٍ؛ وأنا أعتقد أن ذلك خطأٌ. فكراهية شعوب المنطقة للاستعمار ظاهرة (صحية) قائمة بذاتها. ولكن الحقيقة أن عددًا من شعوبِ المنطقةِ لم تكن كراهيتها للاستعمار سببًا لكراهيتها للتقدم الغربي. بل أكاد أُجزم أن المجتمعات ذات الخلفية الحضارية الثرية (مثل مصر وسوريا الكبرى والعراق) كانت الأمور فيها واضحة جدًا: كراهية للاستعمار… وإعجاب بالتقدم.. وفهم صائب، لأن "التقدم" لا يعني "التغريب". وهذا موقف يدل على "ضمير شعبي بالغ الرقي"… والبديل هو أن "يقعوا في حب الاستعمار والتقدم" وهو ظاهرة مهينة ولا تدل إلا على "موت أشياء كثيرة". ولكن علينا ألاَّ ننظر إلى كل مجتمعات المنطقة وكأنها كياناتٌ متماثلة. فما قلته الآن ينطبق على مجتمعات المنطقة ذات التاريخ المضفر بالحضارة وهو ما يضم إلى جوار ما ذكرت مجتمعات أخرى في المغرب العربي… كما يضم (بدرجة أقل) مجتمعات الجزيرة العربية الساحلية، إذ أن الجغرافيا/السياسية جعلتها أكثر قبولاً "للعالم الخارجي" من مجتمعات الجزيرة العربية القابعة (بشكل بدوي) داخل الجزيرة العربية في ظل ظروف جغرافية/سياسية من العسير أن تسمح إلا بذهنية محلية متشددة وقبلية ورافضة للآخر (أيًا كان هذا الآخر). وتاريخ عداء هذه المجتمعات الصحراوية للآخر المختلف في ذهنيته ودينه معروف. وليس ذلك بسبب المذهب الحنبلي (بصيغته التي جاءت عبر ابن تيميه) وإنما العكس هو الصحيح: فهذا المذهب وتلك الصيغة لم تجد من يقبلهما في دنيا المسلمين الشاسعة إلا في هذه المنطقة. ولقرابة ألف سنة لم يكن لأفكار وفتاوى ابن تيميه (العامرة بالتشدد وكراهيته لغير المسلمين) أي ذيوع في مصر وسوريا الكبرى والمغرب العربي. وكيف يقبل أبناء الحضارات القديمة فكرًا بهذه العزلة عن الإنسانية؟!

٢.1
كانت القبائلُ العربية التي عاشت خلال القرون العشرين الماضية في شرق الجزيرة العربية (وأكررُ قبائل الداخل وليس قبائل الساحل) تعيش عيشة رعوية أي غير حضارية وكان انتقالُها يتعلق أساسًا بالماء والكلأ . وهو ما شكل خلفية عدة أمور : أن فكرة العربي المنتمي لقبائل الداخل في الجزء الشرقي للجزيرة العربية عن الولاء والموضوعية والحياد هي فكرة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن سوسيولجيا القبيلة البدوية العربية التي كانت تنتقل بحثًا عن الماء والكلأ في داخل القسم الشرقي من الجزيرة العربية . الولاء هو لشيخ القبيلة وبالتالي فإن الموضوعية مستبعدة والحياد صنو الخيانة !! .
وكما قال الناقد المصري الكبير جلال العشري في كتابٍ أفرده كليةً لإبداع العرب, فإن الشكل الوحيد للإبداع الذي تألق فيه العربُ هو الشعر. فهم لم ينتجوا إلا الشعر وذلك لأسباب ليس هذا موضع تناولها وإنما الواقع أن العرب لم ينتجوا مسرحًا أو قصصًا أو روايات أو ملاحم أو موسيقى أو أي شكل من أشكال الإبداع التي عرفها اليونانيون ومن قبلهم المصريون والسوماريون .
وأظن إنني لا أبتعد عن الحقيقة إذا قلت إن الشعرَ العربي الذي أنتجه شعراءٌ من مناطق الداخل في القسم الشرقي من الجزيرة العربية هو مرآةٌ تعكس المجموعة القيمية لإنسان قبائل تلك المنطقة ومبادئه وانشغالاته ومعالم تفكيره وسلوكه . وكل ما يعكسه الشعرُ العربي لشعراء الداخل من المنطقة الشرقية للجزيرة العربية لم يتغير على مر الزمان . فقصيدةٌ بالفصحى منذ أكثر من عشرة قرون لشاعر من نجد تعكس كل المجموعة القيمية والنظرة للحياة وللآخر التي بقصيدة بالعامية (أي بما يسمى بالشعر النبطي) لشاعر من نجد يعيش الآن في هذا الزمان . فمعظم قصائد القديم والحديث من شعر هذه المنطقة يدق الطبول لنغمة الفخر والخيلاء ورفع الرأس فوق باقي الرؤوس والأنفة (ومنها أسماء "نايف ونوف ونواف") ناهيك عن أنهم يهزِمون ولا يُهزَمُون ولا ينحنون ولا يُسْأَلُون وأنهم على الجميع يتفوقون (!!!) . تلك هي خلاصة الرسالة التي تحاول آلاف القصائد التي قالها شعراءٌ من نجد أو من الإحساء أو من القصيم أو من الهفوف أن يعبروا عنها منذ أن أصبحت اللغةُ العربية على ما هي عليه الآن (نسبيًا) وحتى هذه اللحظة . وهذه النظرة للحياة التي يعكسها شعر هذه المنطقة هو ترجمة نهائية لسوسيولوجيا قبائل هذه المنطقة .

وهذه الذهنية (ذهنية القبلية العربية في المناطق الداخلية في شرق الجزيرة العربية) هى الذهنية التي جلست على مقعد القيادة في الحياة العقلية أو الذهنية في المجتمعات العربية والإسلامية بعد إخفاقات المرحلة الليبرالية وحقبة الإشتراكية المندمجة بالقومية العربية .إلا أن تأثر المجتمعات الإسلامية والعربية بتلك الذهنية القبلية العربية الصحراوية التي نبتت بين كثبان الرمال في المناطق الشرقية الداخلية بشرق الجزيرة العربية إنما تتفاوت وتختلف من مجتمع لآخر بحسب خلفياته التاريخية والحضارية والثقافية وبسبب ظروفه السياسية والسوسيواقتصادية . فبينما كان التركيز شديدًا في داخل الجزيرة العربية فإنه كان أقل نسبيًا في مدن سواحل الجزيرة العربية كما كان التأثير أضعف نسبيًا بمجتمعات ذات نصيب أوفر من الجزيرة العربية من التاريخ والحضارة والثقافة مثل المغرب ومصر وسوريا والعراق والهند . ولكن تبقى هذه الذهنية العربية البدوية الصحراوية الداخلية والتي يعبر عنها الشعرُ الذي أنتجته هذه المناطقُ هو أهم مفاتيح أو أدوات فهم الكثير من أشكال وطرق التفكير والأحكام الذائعة اليوم في العديد من المجتمعات العربية والإسلامية.
إن ذهنية القبيلة البدوية العربية الصحراوية الداخلية تحمل مفاهيمًا تتناقض بالكلية مع مفاهيم الدولة العصرية . فالولاء لشيخ القبيلة شخصانيًا بطبيعته بينما الولاء للدولة العصرية موضوعي أو أقرب للموضوعية . وفي القبيلة يكون الالتزام برغبات وأقوال وتعليمات شيخ القبيلة هو البديل (الشخصاني مرة أخرى) لالتزام المواطن العصري بالقواعد الدستورية والقانونية الرسمية في دولته . وحسب سوسيولوجيا ذهنية القبيلة (بمواصفات القبيلة المذكورة أكثر من مرة في هذا الفصل) فإن "الآخر" يكون إما عدوًا أو على الاقل "عدو يلزم الحياد" , أما في نظم الدولة المعاصرة فإن الآخر هو وجه طبيعي من أوجه تعددية الحياة ولا يوجد ربط ما بين "الآخر" وأي شكل من أشكال الرفض أو العداء . وفي بيئة قبلية من هذا النوع فإن الحديث عن أمور أو قيم مثل التعددية وقبول الآخر وممارسة النقد الذاتي وقبول النقد والإيمان الراسخ بعالمية وإنسانية المعرفة يكون أمرًا مستحيـلاً – وهى كلها من ثمار الدولة العصرية المتحضرة والمتقدمة . بل إن مفهوم "الإنسانية" يكون منتفيًا في المجتمع القبلي .
وإذا إستعرنا من مفكر عظيم مثل ابن خلدون نظريته في التفرقة بين الحضر والبدو، فإنه يكون من الممكن أن نقول إن الذهنية الإسلامية المعاصرة (وليس الإسلام) هى الإسلام كما فهمته وقدمته وروجت له خلال النصف قرن الأخير الذهنية العربية القبلية البدوية الصحراوية الداخلية . وإذا كانت جل المراكز والمدارس الإسلامية التي أنشئت في أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا وآسيا غير الإسلامية وأيضًا في أفريقيا غير الإسلامية قد أنشئت بمبادرة وتمويل من جهات لا تمثل إلا هذه الذهنية (العربية القبلية البدوية الصحراوية الداخلية) فإنه لا يكون من العسير معرفة لماذا يبدو للعالم اليوم أن هناك صدامًا كبيرًا بين البشرية والإسلام – والحقيقة أن الصدام هو بين البشرية وبين الإسلام الذي قدمته ومولته وروجت له هذه الذهنية والتي يمكن تسميتها بالذهنية النجدية .
و يرجع تركيزي على المناطق الداخلية بشرق الجزيرة العربية لكونها هى التي أثمرت الذهنية الوهابية. إن فكر المذهب الوهابي هو من مكونات البناء العلوي أو الفوقي (الأفكار) التي أنتجها بناء تحتي معين (هو الحقائق الجيوسياسية والاقتصادية لصحراء نجد)… وهؤلاء لا يعرفون أنه لا يوجد مكان آخر على وجه الأرض يحتمل أفكارًا كهذه، لأن معادلة ماركس التي أخذها عن فويرباخ وهيجل لا تزال صائبة: وهي أن هناك علاقة مؤكدة بين (الأفكار) والبناء التحتي للمجتمع (اقتصاد+جغرافيا).

************
٣
عاد السعوديون بشكلٍ مستترٍ للتأثير في الحياةِ السياسيةِ في شرقِ الجزيرة العربية بعد سنواتٍ مما فعله بهم إبراهيم باشا (إذ ألقى القبض على كبيرهم وأرسل به إلى مصر ومن مصر إلى أسطنبول حيث لقي حتفه). عاد السعوديون (خفية) لممارسة شئون السياسة مقاسمة مع آل الرشيد – السعوديون في الرياض وآل الرشيد في حائل حتى اصطدم الفريقان (آل سعود وآل الرشيد) وانهزم السعوديون بزعامةِ عبد الرحمن والد الملك عبد العزيز مؤسس العهد السعودي الثالث بعد ذلك – وكانت هزيمة السعوديين في سنة 1891؛ ورحل الأمير المهزوم (عبد الرحمن) بأقطاب البيت السعودي إلى الكويت حيث كانوا في ضيافة الشيخ مبارك الصباح والذي لعب دورًا كبيرًا في توجيه الشاب الصغير (عبد العزيز) ابن عبد الرحمن آل سعود – وكان عبد العزيز قد ولد في سنة 1876 واختمرت فكرة العودة للرياض في ذهنه بتأثيرٍ من عواملٍ عديدةٍ من بينها جلساته مع أمير الكويت الشيخ مبارك الصباح.

و لقد طور محمد بن عبد الوهاب الخطوط العامة لدعوته (ولا أقول لمذهبه الفقهي-فالرجل كان داعية ولم يكن فقيهًا) قبل سنة 1798 والتي شهدت أول احتكاك في الأزمنة الحديثة مع الغرب (وأعني قدوم نابليون وحملته لمصر). وقد شهدت سنوات الدولة السعودية الأولى (التي سحقها إبراهيم باشا في سنة 1818) وكذلك الدولة السعودية الثانية (والتي انتهت في 1891) مئات النماذج التي تدل في الأساس على رفض التحديث وكل مظاهر المدنية وكراهية غير المسلمين، بل و كراهية المسلمين الذين يخالفونهم في فهمهم للإسلام. فالمسلم (المصري أو السوري) الذي لا يرى غضاضةً في الغناء، كان عند الدولة السعودية الأولى والثانية (مقلدًا للكفار). وعندما حارب الإخوان (إخوان نجد) الملك عبد العزيز من أجل مظاهر المدنية (كالراديو والتليفزيون والسيارة) ووجود أجانب بجزيرة العرب وذلك خلال عشرينيات القرن العشرين- كان ذلك مجرد تعبير عن معالم أساسية في ذهنية أفراد ومذهب فقهي لا مكان لهما إلا في زمان غير هذا الزمان ولا مكان لهما في أي مكان إلا إذا كان مماثلاً لمكانهم في ملامحه وعناصره الجغرافية.
منذُ أكثر قليلاً من مائتين وخمسين سنة (بالتحديد في سنة 1744) عندما تعاهد رجُلان هُما مُحمد بن سعود ومُحمد بن عبد الوهاب على أمرٍ خلاصته أن يحكم الأولُ وفق مباديءِ وقواعدِ دعوةِ الثاني. وعقب البيعة قال مُحمد بن عبد الوهاب كلمات قليلة كانت بالغة الصدق في التعبيرِ عن جوهرِ حركتهِ التي تُعرَف بالوهابية . قال مُحمد بن عبد الوهاب (موجهًا حديثه لمُحمد بن سعود) "الدم الدم، الهدم الهدم" . وعلينا أن نُقَدِر صدق الرجل كل التقدير إذ لخص دعوتهُ في أربع كلمات كانت ولا تزال دستور الوهابية . كانت هذه البيعةُ هى أساس الدولة السعودية الوهابية الأولى . ومن يُراجع مؤلفات مُحمد بن عبد الوهاب اليوم (وقد طالعتُ بعناية كتبهِ وهى 19 مؤلفًا) يجدها تُدخله في مجال الدعوة أكثر من أن تُدخله في مجال الفقه . المُهم : استمرت الدولةُ السعودية الأولى من سنة 1744 حتى قامَ إبراهيم باشا (ابن مُحمد علي الكبير) بالقضاءِ المبرمِ عليها بعد 75 سنة عندما قام بمهاجمة الدولة السعودية وحطمَ عاصمتها (الدرعية) وألقى القبض على أميرها (عبدُ الله بن سعود) وأرسله إلى القاهرة ومنها إلى عاصمة الدولة العثمانية حيث تم إعدامه وكانت سماتُ الدولة السعودية الأولى هى محاربة ما تعتقد أنه البِدَع مثل بناء القبور والموسيقى والغناء والتشبه بغير المسلمين في أي مظهرٍ من المظاهر مع كراهية واضحة لهم والاعتقاد بنجاستهم (بل والبصق عليهم كما كان الإخوان يفعلون مع المُستشارين الأوروبيين للملك عبد العزيز في أوائلِ القرن العشرين) وعدم جواز وجود غير المُسلمين على تُراب الجزيرة العربية مع عداء مُستأصل لكل مظاهر الحداثة حتى لو كنا بصدد أمر بسيط مثل كيفية التعامُل مع الشارب واللحية !! . كذلك اتسم فُقهاء الدولة السعودية الأولى بسمةٍ لم تَغِب عن الوهابيين قط وهى اعتبار المذهب الحنبلي (بما أَضافه إليه ابن تيمية وابن قيم الجوزية) هو الفهم الوحيد الصحيح للإسلام، رغم أن فقه ابن حنبل هو أضعف مدارس الفقه السُنية الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية).

************
٤

بعد قضاء إبراهيم باشا على الدولة السعودية/الوهابية الأولى، عاد السعوديون (وفي ذيلهم الوهابيون) إلى المُشاركة في قيادة مجتمعات شرق الجزيرة العربية ولكن هذه المرة للمُشاركة مع آل الرشيد (الذين كانت حائل عاصمة مُلكَهم) . وقد استمر هذا التحالف بين آل الرشيد وما يُمكن أن نُسميه الدولة السعودية الثانية حتى قام آل الرشيد بالتخلص من مُشاركة آل سعود لهم (بل وطردهم إياهم لمنفاهم بالكويت) في سنة 1891 .
وفي سنة 1901 قام الشاب العامر بمؤهلات القيادة وأدوات صُنع التاريخ (عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود المولود سنة 1875) بالاستيلاء على مدينة الرياض بعد عمليةٍ ليليةٍ بالغةِ الجسارة . وخلال السنوات من 1902 إلى 1925 حفلت حياةُ هذا الأمير السعودي العامر بمواهب القيادة والحُكم بجهود خارقة انتهت بأن يصبح (بعد إستيلائه على مكة والمدينة المنورة سنة 1925) الحاكم الوحيد لنجدٍ ومناطق أخرى هى التي تُعرَف اليوم بالمملكة العربية السعودية (وهو اسم لم يُستعمل إلا بعد سبع سنوات من صيرورة عبد العزيز آل سعود سلطانًا لنجدٍ ومَلِكًا للحجاز في سنة 1925) .
وخلال رحلة تاريخية نادرة المثال ما بين سنة 1902 وسنة 1925 لم تظهر فقط علامات القيادة الكُبرى من خلال تصرفات وسياسات وأفعال وأقوال عبد العزيز (آل سعود) وإنما دلت كل التفاصيل على فهمه الكامل لطبيعة القوى الكُبرى ما بين الدولة العثمانية والإمبراطورية البريطانية ثم الإمبراطورية التي ستبرُز بعد ذلك وأعني الإمبراطورية الأمريكية . وقد لعب عبد العزيز (آل سعود) أدواره بمهارة بالغة وإستعمل كل ما كان من شأنهِ إفادتهِ ودفعهِ نحو هدفه الذي تكون في ذهنيته أيام المنفى الكويتي وخلال تلك السنوات التي قضاها (وأسرته) في ضيافةِ ورعايةِ آل الصباح بالكويت بوجه عام وفي حضانةِ ورعايةِ أمير الكويت الشيخ مبارك (1895/1915) بوجه خاص .
وكما إستعمل الأمريكيون الإسلاميين إبان حقبة الحرب الباردة ليساعدوا الولايات المتحدة في عملية تقويض إمبراطورية الإتحاد السوفيتي (ولا سيما بعد غزو السوفيت لأفغانستان سنة 1979) . فقد استعمل الأمير عبد العزيز (آل سعود) واعتبارًا من سنة 1912 ما يُشابه أو يُقابل الإسلاميين (الجهاديين) الذين استعملتهم الولايات المُتحدة في أفغانستان ضد السوفيت وأعني حركة الإخوان أو إخوان نجد . ورغم وجود عشرات المؤلفات لدي عن علاقة الأمير عبد العزيز (آل سعود) بحركة الإخوان منذُ بدأ الحلف السياسي بينهما في سنة 1912 وحتى انتهى ذلك الحلف بقتال دموي تمكن فيه السعوديون (بقيادة السُلطان/الملك عبد العزيز آل سعود) من القضاء على الإخوان (بقيادة فيصل الدويش) سنة 1930، إلا إنني أكتفي بالقليل عن هذه العلاقة هنا . كان الإخوان أو إخوان نجد من أصحاب الغلو البالغ في فهمهم للدين . فكل مظاهر المدنية الحديثة عندهم هى رجز من عمل الشيطان . ونظرًا لأن حلفهم مع ابن سعود كان في فترة تقدم البشرية العلمي الكبير، فقد حاربوا مظاهر هذا التقدم وإعتبروا خطوط التلغراف والسيارات والتليفون ثم بعد ذلك الراديو كُلها من أعمال الشيطان واعتبروا من يقبل بها كافرًا . وللتدليل على غلوهم الذي يدخُل في دائرة الجنون أن واحدًا منهم تقدم وفي يدهِ مقص تجاه السُلطان (عبد العزيز آل سعود) وقام بتقصير ثوبهِ أمام الجميع فيما يُشبه الاعلان أن مباديء الوهابية أقوى من السُلطة السعودية . ومعروف أن تقصير الثوب عند الوهابيين من الضروريات وأن مخالفة ذلك كُفر (!!) .
ولا شك عندي أن الأمير عبد العزيز (ثُم بعد ذلك : السُلطان ثم الملك عبد العزيز آل سعود) قد استعمل الإخوان عندما كان في حاجةٍ لهم، إذ كانوا مُقاتلين بالغي الشجاعة شأنهم شأن كل راغب في الموت. وخلال استعماله لهم (من سنة 1912 إلى إرتفاع رايته فوق معظم الجزيرة العربية سنة 1925) كانت تحدُث صِدامات كبيرة عديدة بينه وبينهم، لدرجة أنهم أعلنوا غضبهم الشديد عليه عندما انتقل من استعمال الإبل لإستعمال السيارة الحديثة . وقال بعضهم عنه "إنه في سنة 1925 خرج من الرياض على ظهر ناقة وعاد إليها في سيارة كاديلاك" (وهو مايعني عند الوهابيين بداية مروقه وخروجه عن صحيح الدين !!) . ولكن ما أن دانت شبه الجزيرة للسُلطان الذي جنى ثمرة عبقريته وكفاحه بعد انتصاره على الهاشميين واستيلائه على مناطق مُلكهم (سنة 1925) حتى بدأ الصدام الكبير بينه وبين الإخوان والذي اكتمل بالحرب التي انتهت بانتصار عبد العزيز آل سعود على الإخوان وأسرِه لقائدهم فيصل الدويش الذي ما لبث أن مات في أسرِه بعد بضع سنين .

************

٥
ولكن : هل خلت دولة السعوديين (الثالثة) بعد أن استتب لها الأمر وتمكنت من هزيمة أعدائها (من آل الرشيد للهاشميين لفيصل الدويش) من فكر حركة إخوان نجد الذي يقرب من حد الجنون والأمراض النفسية إذ يُقاتلون من أجل إيقاف إستعمال السيارات والتلغراف والراديو ومن أجل تقصير الثوب وحف الشارب وإطلاق اللحية ؟ ... الحقيقة أن الدول السعودية (الأولى والثانية والثالثة الحالية) لم تكن في أي يوم خالية من رياح السموم التي يبثها أصحاب ذهنية إخوان نجد . وحتى اليوم فإن أي فقيه سعودي عندما يتكلم يكون جليًا أن الإسلام عنده هو الإسلام كما فهمه ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية رغم كون هؤلاء فُقهاء صغار القامة إلى أبعدِ حدٍ عندما يُقارنون بفقهاء مثل أبي حنيفة النُعمان ومالك بن أنس وجعفر الصادق وابن رُشد (المُعَلِم الثاني بعد المُعَلِم الأول أرسطو) .
و بينما يُمكن القول بأن "العمل الفقهي" كان على أشده عند فقهاء مثل أبي حنيفة وابن رشد، فإن "العمل التجميعي" الخالي من إعمال العقل أو أدوات علم أصول الفقه التي جوهرها العقل (مثل الاستحسان عند أبي حنيفة والتأويل عند ابن رشد) كانت سمة المذهب الحنبلي وهو ما أدى إلى توسعهِ (بالغ الإفتئات على العقل) في قبول آلاف الأحاديث وهو ما خلق مناخًا عامًا أساسه الاتباع والتقليد والتبعية وليس إعمال العقل، وهو ما أدى بالمجتمعات الإسلامية لما وصلت إليه اليوم عندما أصبحت خارج التاريخ وخارج مسيرة العلم وخارج مسيرة الإضافة لعناصر الحياة الإنسانية على الأرض . فقد قاد هذا التيار الفقهي العقول المُسلمة لتصبح "عقول تلقي الإجابات" وليست "عقول إثارة الأسئلة"، ناهيك عن ذبول القُدرة على إعمال العقل النقدي الذي هو أساس التقدم البشري .

رغم أن ابن حنبل هو أكثر فقهاء المسلمين عبودية للنص (أو للنقل) وإهمالاً للعقل (قبل أحمد بن حنبل عشرات الآلاف من الأحاديث على خلاف فقيه مثل أبي حنيفة) أما ابن تيمية فهو ثمرة طبيعية لزمانه : زمان تهاوي الدولة الإسلامية وسقوطها تحت سنابك خيول المغول والتتار – وهو لا يلام على فكره الذي كان مناسبًا للحظتة التاريخية وإنما يلام من أسسوا فقههم على رؤياه في زمان غير زمانه ومكان غير مكانه.

٥.1
إن مقاومة تعليم البنات في المملكة ومقاومة البث التليفزيوني وعدم التصريح للنساء بقيادة السيارات وتأثيم الموسيقى والغناء، هى وأيضًا العمل الإجرامي الكبير المُتَمَثِل في الاستيلاء على الحرم المكي مع بداية القرن الهجري الخامس عشر هى كلها دلائل بقاء نفوذ ذهنية الإخوان في المملكة . إن عدم تدريس مادة الرسم والفلسفة في المدارس ليست إلا من ثِمار هذه الذهنية . ومعارضة تعيين امرأة في مجلس الشورى أو في مجلس الوزراء هى أيضًا من ثِمار بقاء هذه الذهنية . وكذلك طوفان الفتاوى العامرة بمعالم هذا الجنون (مثل فتوى ابن الباز بعدم كروية الأرض وفتوى تحريم إرسال الزهور للمريض) وهى أمور تحتاج لحسم إداري باتر يُلازمه علاج نفسي .

في يدي فتوى سعودية بأن شراء الزهور وإرسالها للمريض حرام لأنه تقليد جاءنا من بلدان الكفر. إنه مثال واحد (وقد يبدو للبعض بسيطًا)… ولكنه ليس كذلك. إنه يكشف ذهنية كانت ولا تزال تكره كل ما يجيء من الخارج! ولكنها أيضًا متناقضة: فنص فتوى الزهور تقول إن إرسال الزهور للمريض "حرام" لأن ذلك (ليس من هدى المسلمين على مر القرون)!!! وكأن ركوب الطائرة والسيارة واستعمال الكمبيوتر… بل و استعمال الأسلحة الحديثة في قتلهم لأعدائهم كان (من هدي المسلمين على مر القرون)!! إن أي مسلم (خارج عالم ابن تيميه) لا يمكنه إلا الشعور بالغثيان من تضمين فتوى الزهور (الفتوى 21409 بتاريخ 29/3/1421هـ) كلمات مثل: (وإنما هذه عادة وافدة من بلاد الكفر نقلها بعض المتأثرين بهم من ضعفاء الإيمان) وليتصور معي القراء "ذهنية" تعادي الزهور… رمز الخير والجمال والصداقة والبراءة والمحبة في كل الثقافات… بل إن لغات عديدة تستبدل عشرات الكلمات الرائعة الجميلة بكلمات مثل (الورد) و(الزهرة) و(الفل) و(الياسمين)… إلا أن ذهنية القبيلة الرحّالة لا تريد لنا إلا أن نصبح "ثقافة أعداء الزهور"!

ويتساءل الإنسان: إذا كانت هذه هي الذهنية العامة والنظرة لغير المسلمين- أليس من الطبيعي أن يفرز المجتمع (على فترات) أفرادًا يحملون السلاح ويطلقون النار على مظاهر المدنية وعلى الأجانب (الكفار) الذين "ينجسون" تراب جزيرة العرب؟ (رغم أنهم يطلقون النار من أسلحة من ابتكار الكفار!!). لأن هذه المنطقة (مناطق الداخل في شرق الجزيرة العربية) هى التي صاغت الطرح الإسلامي أو الفهم الإسلامي الذي يسميه الدارسون بالفهم الوهابي للإسلام والذي أنفقت المملكة العربية السعودية على ترويجه ونشره خلال نصف القرن الأخير مئات المليارات بعد أن تأثر بشكل أو بآخر بثلاث مؤثرات خارجية هى : فكر أبي الاعلى المودودي وفكر سيد قطب والمدرسة السرورية التي جاء بها الإخوان المسلمون السوريون , ولكنها مؤشرات لم تغير جوهر الفهم الوهابي للإسلام وإنما دعمته وقوته نظرًا لبساطة فكر محمد بن عبد الوهاب مقارنة بأيٍّ من المدرسة المودودية أو القطبية أو السرورية .
وخلصت في محاضرتي، بأن كراهية الاستعمار ظاهرة قائمة بذاتها-وهي ظاهرة لا يمكن إلا أن توصف بكل الصفات الطيبة-ونقيضها لا يوصف إلا بكل الصفات المشينة والمهينة. أما شعوب المنطقة ذات الخلفية الحضارية، فهم من جهة لا يكرهون الحداثة والتقدم والأجانب ولكنهم يكرهون أن يكون معنى التقدم هو "التغريب"… وهذا أيضًا موقف ليس فقط إيجابيًا بل حكيمًا وكريمًا. أما كراهة مذهب معين ومجتمعات معينة لكل ما هو من الخارج، فحقيقة لا شك فيها-وهي التي جعلت محمد علي يرسل جيشه بقيادة ابنه إلى جزيرة العرب ليحارب هؤلاء "المهووسين" ويأتي (في 1818) بكبيرهم (مأسورًا) ليحاكم ويقضي نحبه… بل إن هذا هو ما جعل مؤسس الدولة السعودية الثالثة يدخل معهم في حرب (في عشرينات القرن العشرين) لهوسهم السيكوباتي بمحاربة كل مظاهر المدنية.

ومن أخطر الأمور التي حدثت خلال العقود الخمسة الأخيرة أن الذهنية النجدية لم تقم فقط باحتكار إنشاء المراكز والمدارس الإسلامية في شتى بقاع العالم , ولكن أخطبوطها مد أذرعه إلى الكثير من وسائل الاعلام في داخل وخارج المجتمعات العربية والإسلامية كما أنه في نفس الوقت قد مد أذرعه إلى مؤسسات دينية أخرى عريقة في بلدان مثل مصر وتونس والمغرب وسوريا فمحا عنها صفاتها الأصلية وأحل محلها الكثير من معالمه الذهنية . فبعد أن كنا نعرف من خطبة الجمعة في مصر أن المتحدث إما شافعي أو حنفي وكما كنا نعرف من خطبة الجمعة في المغرب أو تونس أن المتحدث مالكي , فقد صرنا نسمع قرع طبول حسب نوتة موسيقية واحدة هي النوتة الحنبلية بتوزيع موسيقي لابن تيمية ولمحمد ابن عبد الوهاب .


٥.2
ولكن من اللازم (من باب الأمانة العلمية) أن نُفَرِق بين الوهابية وذهنية الإخوان وبين العائلة السعودية . فالحقيقة أن كُتب مُحمد بن عبد الوهاب الـ 19 لا تحُض على شيء مما فعله ولا زال يفعله أصحاب ذهنية إخوان نجد . كما أن العائلة السعودية كانت – في ظروف تاريخية معينة – في مُشاركة مع الوهابيين وفي مرحلة أخرى مع الإخوان ولكنها ليست بالضرورة صاحبةِ هذا الفكر .

وإنني (كدارس للتاريخ السعودي خلال القرون الثلاثة الأخيرة) أعتقد أن البيت السعودي في لحظة مفصلية اليوم مع كل من التيار الوهابي وبقايا ذهنية إخوان نجد . وأعتقد أنه منذُ أن اكتشف البيت السعودي أن السوادَ الاعظم من مُجرِمي حادث 9 سبتمبر 2001 كانوا شبابًا سعوديًا، فقد أصبح لزامًا عليهم إدراك أن مسئولية كبرى قد أُلقيَت على عاتقهم بوقفة مع التيار الوهابي والإخواني (بمعنى إخوان نجد وليس إخوان مصر) تُماثل وقفة والد كبار أُمراء البيت السعودي الحاليين أي وقفة عبد العزيز آل سعود مع إخوان نجد وفيصل الدويش خلال النصف الثاني من العقد الثالث من القرن العشرين، وهى الوقفة التي انتهت بحرب هزم فيها الملك عبد العزيز آل سعود الإخوان بقيادة فيصل الدويش رغم دور الإخوان غير المذكور في نجاح مسيرة الأمير الشاب (الملك عبد العزيز آل سعود) .

**************


٦
والمطلوب اليوم من السعوديين المتعلمين والمثقفين أن يدركوا بوضوح أن مشكلتهم هي في المقام الأول والأخير مع "ذهنية" لم يعد لها مكان في أي أرض أو وقت. وليس من اللائق أن يتعايشوا مع فتاوى تحريم قيادة المرأة للسيارة.. وغيره. ولا أعرف هل هناك نص قرآني يمنع السعودية من تكوين هيئة فتوى جديدة تنتقى من مذاهب أرقى بكثير من مذهب ابن تيميه وابن حنبل؟… إن قيمة "ابن تيميه" بين الفقهاء وبالمقارنة برجل مثل أبي حنيفة أو ابن رشد هي كقيمة "الناقة" بالمقارنة بالسيارة الروز رويس كوسيلة مواصلات!
إن البيت السعودي الذي لم يتورط فكريًا في أفكار الوهابية وإخوان نجد مُطالبٌ اليوم (في اعتقادي) بما يلي :
أولاً - القيام بمواجهة مع التيار الذي يُمثله كل الغُلاة في السعودية مواجهة تُشبه مواجهة والدهم للإخوان منذُ ثمانية عقود .
ثانيًا - إقصاء أصحاب الذهنية الوهابية والإخوانية (بالمعنى النجدي) عن دوائر التأثير في مؤسسة التعليم .
ثالثًا - إقصاء أصحاب الذهنية الوهابية والإخوانية (بالمعنى النجدي) عن دوائر التأثير في وزارة الأوقاف والدعوة والحج .
رابعًا - إلغاء كل نُظم المطوعين وجماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر لمُنافاة ذلك كليًا لمفهوم الدولة الحديثة .
خامسًا - تقليص الميزانية الهائلة التي تنفقها المملكة على رجال الدين (نحو 3 مليار دولار أمريكي) وتوجيه هذه الأموال لمجالات التعليم والصحة (فإن أصحاب الثوب القصير والشارب المحفوف واللحية المُطلقة ليس بوسعهم أداء أي دور في أية دولة حديثة إلا إذا كان المقصود بالدور هو الدور الهدام) .
سادسًا - تشجيع أساتذة الفقه المُعتدلين على وضع برنامج محدد زمنيًا لإدخال مرجعيات حنفية ومالكية وشافعية بدلاً من المرجعيات الحنبلية حتى تصل السعودية لطورٍ لا يكون الفهم الحنبلي فيه هو الفهم الوحيد لسائر الأمور الدينية (وأُكرر أن ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية هُم كانوا بلا شك من أصحاب أقصر القامات الفقهية بين الفُقهاء).
سابعًا - التجاسُر على كسر وهزيمة العناد الإخواني (بالمعنى النجدي) في العديد من المسائل مثل تعيين المرأة وزيرة وتعيين المرأة بمجلس الشورى والسماح للمرأة بقيادة السيارة والسماح للأساتذة الرجال بالتدريس للطالبات وللمُعَلِمات من النساء بالتدريس للطُلاب الذكور في ظل مناخ عصري وليس في ظل المناخ الحالي الذي لا مثيل له على وجه الأرض .
ثامنًا - نظرًا لأن مئات المراكز الإسلامية التي أنشأتها السعودية في معظم بلدان العالم قد تحولت لأوكار للتعصب والتشدد والغلو (ومفارخ للعُنف والدموية والإرهاب)، فلابد من وضع خطة بديلة لتحويل هذه المراكز لنقاط خدمة مُجتمعية وليس لجهات دعوة ظلامية كما هو الحال بشأن مُعظمها اليوم، وهو ما أساء للإسلام والمُسلمين أكبر إساءة خلال العقود القليلة الماضية .

إنني أُعبِر عن هذا الرأي لا من باب العداوة للسعودية وإنما من باب الحرص عليها . فأنا على يقين أن عدم قيام أبناء الملك العظيم عبد العزيز آل سعود بمثل ما قام به والدهم مع إخوان نجد وفيصل الدويش منذُ ثمانين سنة سيؤدي بالمملكة السعودية لمواجهه بالغة الضراوة مع المُجتمعات المُتقدمة . لذلك فإنني أؤمن بأن انهيار النظام السعودي سواءً لمصلحة تيار الغلو أو لمصلحة تيار التجزئة والتقسيم هو أمر بالغ الخطورة الاستراتيجية على كل دول الخليج والشرق الأوسط .

************

إن تأسيس حزب سياسي على أساس ديني في مصر هو بمثابة إضرام النار في خزان وقود. فتأسيس حزب سياسي على أساسٍ ديني إسلامي أو تأسيس حزب سياسي على أساس ديني قبطي كلاهما بمثابة فتح بوابات الجحيم واستدعاء مُلِح لعدم الاستقرار السياسي وإنعدام التنمية الاقتصادية وخروجنا من العصر تعليميًا وثقافيًا. ناهيك عن حقيقة أنه لا يوجد (واقعيًا) شيء اسمه حزب ديني وإنما حزب لرجال الدين.
ومع ذلك فإن كاتب هذه السطور يعتبر كل الممارسات غير القانونية التي وقعت في حق المتأسلمين هي جرمٌ كبير في حق الإنسانية. فمشكلتنا مع المتأسلمين لا تحل إلا بالحوار. بمعنى أن الدخول في حوار ممتد مع المتأسلمين هو الطريقة الوحيدة لتحويلهم (على المدى الطويل) لحزب سياسي مدني يقبل ركائز الديموقراطية وهي قبول الآخر وانتقال السلطة منهم وإليهم والاحترام العصري الكامل للديانات الأخرى وللمرأة والتخلي عما يظنونه من الإسلام وهو في الحقيقة من آثار البداوة والعصور الوسطى وجيوبوليتيكا ذهنية البدو الرحل في الصحراء. ومن حق المجتمع المدني أن يحمي نفسه من أي فريق قبل اكتمال نضجه حسب معايير العصر.
فكما أن إصلاح مصر أجدى ألف مرة من سقوطها في أيدي عدد من البدائل، فإن إصلاح السعودية أجدى ألف مرة من بدائل سَتُخَرِب المنطقة بأسرها، وأعني استمرار الاستقرار في المملكة وكل جيرانها . ولكن هذا الاستقرار في اعتقادي مستحيلٌ بدون عملية تاريخية تُشبه ما قام به الملك عبد العزيز آل سعود مع غُلاةٍ مُماثلين خلال السنوات ما بين 1925 و 1930 . فيا عُقلاء السعودية أستختارون نهج الملك عبد العزيز في مواجهة إخوان نجد منذُ ثمانية عقود أم سَتُفَضِلون الاستمرار في مُعاشرة "فيصل الدويش" المُتجدد حتى يُثقَب قعر السفينة فتغرق بمن فيها ؟






















الباب الثانى

سجن المفاهيم الثقافية العربية السلبية الشائعة







مقدمة

في محاضرة لي بجامعة فيينا(والتي أشرت إليها آنفًا) حملت معي عشرات التقارير ذات المصداقية العالية عما يسميه الغرب (الإرهاب الإسلامي). وقلت للحاضرين (وكلهم أساتذة من دارسي الشرق الأوسط من سائر الجوانب): إن كل التقارير عن أنواع وأعمار وخلفيات العناصر التي شاركت في كل عمليات العنف في العالم خلال السنوات الثلاثين الأخيرة تشير لوجود عناصر مخططة أو منفذة من سائر المجتمعات الإسلامية باستثناء ثاني أكبر هذه المجتمعات، وهو مجتمع المسلمين في الهند. فبينما تضم إندونيسيا أكبر مجتمع مسلم فإن الهند (وليست باكستان) تضم ثاني أكبر مجتمع مسلم. وهذا المجتمع (مجتمع المسلمين في الهند والذي يتجاوز عدد أبنائه وبناته المائة وخمسين مليون إنسان) لم يصّدر للعالم هندي مسلم واحد خطط أو شارك في عملية عنف في أي مكان خارج الهند.
وفي هذه المحاضرة قمت بمقارنةٍ مستفيضةٍ بين مسلمي الهند ومسلمي باكستان. وخلاصة هذه المقارنة أنهم من نسيج واحد تمامًا، فكل مسلمي باكستان هم من مسلمي الهند الذين إختاروا عدم البقاء في الهند (سنة 1947) عند تكوين باكستان. وأن الخلاف الوحيد بينهم هو أن مسلمي الهند يعيشون في مناخ عام ديمقراطي وأن مسلمي باكستان يعيشون في مناخ عام أبعد ما يكون عن الديمقراطية.
إن مسلمي الهند (والذي يمثلون أكثر من عشرة في المائة من مسلمي العالم) يثبتون بجلاء أن "أتباع الأفكار المتطرفة" لا يوجدون (ولا يتزايدون) إلاَّ بفعل المناخ العام. وأن العنف هو البديل عن المشاركة الديمقراطية الفعّالة عندما تنتفي هذه المشاركة أو توجد بشكل مسرحي كما هو الحال في عددٍ كبيرٍ من المجتمعات الإسلامية.
وللأمانة العلمية، فإن علىّ أن أذكر أن أستاذًا بجامعة ألمانية حضر تلك المحاضرة دعاني لأن أؤمن معه بأن التفسير الحقيقي للظاهرة التي أعرضها هو تأثر مسلمي الهند بثقافة اللا عنف الهندوسية. وكان ردي كما يلي:
- إن آباء وجدود كل الباكستانيين المعاصرين عاشوا عقودًا (وقرونًا) في ظل المناخ الهندوسي المتسم بعدم العنف (قبل سنة 1947)؛ فكيف يمكن أن نعقل أن الصفات الحضارية التي تكتسب خلال قرون يمكن أن تزول بهذه الدرجة وهذه السرعة؟ (نصف قرن)
- حتى لو قبلنا هذا التفسير، فإنه لا ينفي أن "ذهنية العنف" هي "منتج ثقافي" ليس إلاَّ. وهنا فإنه لن يكون فقط منتجًا ثقافيًا للبيئة الهندوسية وإنما (وبنفس الدرجة) للمناخ العام الهندي الديمقراطي – وهو ما يعيدنا لنفس النقطة.
والخلاصة أن مشكلة انخراط العديد من الشباب المسلم في تيار العنف سببه الأكبر هو "مناخ الفساد العام لمجتمعاتهم" وفي ذات الوقت "انعدام طرق التعامل السياسي المشروعة مع هذا الواقع" أي انعدام الحياة السياسية الحرة التي تسمح لشباب مسلمين بالتعامل مع عناصر بيئتهم الفاسدة (بشتى أشكال الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي) تعاملاً سياسيًا من فوق الأرض لا من تحتها. فبداخل عدد غير قليل من البشر كائن سياسي، إما أن يجد قنوات صحية وشرعية لممارسة الطاقة السياسية الموجودة داخله، وإما أن يتجه اتجاهات أخرى أبرزها العمل السياسي غير الشرعي.







الفصل الأول
إشكالية الذهنية العربية


بداخل معظم البشر أكثر من شخص واحد. فباستثناء الأشخاص المتعصبين الذين يعتقدون أنهم بلغوا اليقين (ملاّك الحقيقة المطلقة)، وأنهم لا يشكّون لحظة في صواب وجهات نظرهم، ففي داخل معظم البشر ما يشبه شخصان يرى كل منهما الأمور من زاوية مختلفة. وهذه ظاهرة إنسانية صحية. فالشك في كل الأمور (الأصوب: الشك في فهمنا لكل الأمور) هو أمر صحي وعلمي ويضمن لنا (كبشر) أن نستمر في التعلم ومراجعة الأمور مراجعة لا تتوقف، يكون من شأنها مزيد من النضج العقلي. وكذلك "أنا": فبداخلي رجلُ إدارةٍ دربته مؤسسةٌ اقتصاديةٌ عالميةٌ مما أوصله للموقع التنفيذي الأول في شركة بترول عالمية لها ثقافتها المكتسبة من أصولِها الأوروبية العريقة ومن تجربتها الدولية الواسعةِ في سائرِ أرجاءِ العالم منذ القرن التاسع عشر. ولكن إلى جوار هذا الشخص يوجد شخصٌ آخرٌ ولع بالمعرفة منذ صغره وبالعلوم الاجتماعية والإنسانيات وإبداعاتها. وكثيرًا ما تكون أفكار هذين الشخصين متناقضة ومتضاربة وأحيانًا متعاركة. ومن الأمور التي تناقض فيها هذان الشخصان الموقف من السياسة الأمريكية والسياسة الأوروبية بالشرق الأوسط. فالمثقفُ بالغ الاعجاب بالرقي الأوروبي، أما المدير التنفيذي فبالغ الغضب من عطالة السياسات الأوروبية (ويضاعف من هذا الغضب علمه بدقائقِ المنافعِ والدوافعِ الاقتصادية لتلك السياسات والتي تبدو لسذج العالم الثالث كمواقفٍ طوباويةٍ رومانسيةٍ). والمثقف بداخلي يشعر بالغثيان من نقص المعرفة وندرة الرقي في المواقف الأمريكية، أما المدير التنفيذي فيرى مزايا الحركة والفعل الخلاّق والتأثير على الواقع في السياسة الأمريكية بل و العقل الأمريكي.

والمثقفُ يتوق لطور متقدم تكتسي فيه القرارات والتحركات على مسرح الدنيا بالشرعية الدولية، أما المدير التنفيذي فيزدري عجز أجهزة الشرعية الدولية في تسعة أعشار الحالات على التحرك السليم والسريع والصائب والمؤثر.

وفي زياراتي (ومحاضراتي) لجامعات ومراكز بحوث في الولايات المتحدة، أردد دائمًا (في داخلي): يا ليت هذا التقدم كان مضفرًا بالرقي المفقود في بعض المجالات. وفي زياراتي (ومحاضراتي) لجامعات ومراكز بحوث في فرنسا أردد دائمًا (في داخلي): يا ليت هذا الرقي كان فعالاً وخلاقًا ومؤثرًا ولم يكتف بأن يبقى "مجرد كلام جيد ورائع الصياغة" ولكنه عاجز عن الفعل بل لا يريد الفعل أساسًا، لأن فرنسيين عديدين صاروا يظنون مثل عرب كثيرين أن "القول" هو "فعل" !!!
وأنا أعرف إنني سأصدم كثيرًا من القراء إذا أقول إنني لو أضطررت (ولا مسوّغ لهذا الاضطرار) أن أختار واحدًا من النهجين، فسوف أختار (مستاءً) النهج الأمريكي. والسبب أن "القائد التنفيذي" في داخلي لن يغفر لي أن أجلس على مقاعد العجز والكلام الكبير وسيفضل "الفعل المتسم بالأخطاء" عن "العطالة" التي تتشح بها مواقف فرنسية وعربية كثيرة، مع إدراك واضح أن الموقفين معيبان، وأنهما لن يثمرا ما يتوق إليه الذين يحلمون بعالم تسوده مبادئ العدل والشرعية والحق في التنمية والازدهار والاستقرار مع حق مماثل لكل إنسان على وجه الأرض أن تحترم معتقداته ولا تكون مجالاً للتهكم والتهجم. فبلوغ ذلك يقتضي خلطة من مزايا الموقف الأمريكي (بعد إسقاط عيوب كثيرة به) ومزايا الموقف الفرنسي والأوروبي (بعد إسقاط عيوب كثيرة به). ومن مزايا الموقف العربي (أيضًا: بعد إسقاط عيوب كثيرة به). بل و لدى من الشجاعة الفكرية ما يجعلني أضيف: ومزايا الموقف الإسرائيلي (بعد إسقاط كل ما به من عيوب اليمين أو الأجندة القائمة على تصورات دينية أو أحلام توسعية – فالمتعصب الإسلامي لا ينافسه في درجة التعصب ويتفوق عليه إلاَّ المتعصب اليهودي وإن سهلت على الثاني عملية التجميل بسبب إنتمائه الثقافي للغرب، وصعبت على الأول عملية التجميل بسبب بدائيته وانفصاله عن العصر وعدم فهمه للحضارة الغربية).

وإذا سألني سائل: كيف ترتب هذه المواقف من حيث منطقيتها وواقعيتها، قلت:

- الموقف الأمثل هو الموقف الذي يجمع مزايا الموقف الأوروبي مع مزايا الموقف الأمريكي ويتجنب كل أو معظم عيوب الموقفين.
- يأتي بعد ذلك الموقفان الأوروبي والأمريكي رغم كثرة سلبيات كل منهما.
- ثم يأتي في ذيل القائمة الموقف العربي. والحقيقة أن حتى هذه العبارة هي عبارة لا معنى محدد لها. فما المقصود بالموقف العربي؟ هل هناك موقف عربي محدد من العلاقة مع العالم الخارجي؟ .. هل هناك موقف عربي موحد من الديمقراطية والتقدم والحداثة؟ هل يوجد موقف عربي موحد من حقوق الإنسان وحقوق المرأة؟
ويجب أن أوضح إنني وضعت الموقف العربي في الذيل، لأنه في الحقيقة ليس موقفًا، وإنما خلطة من المشاعر والانفعالات والأفكار المتضاربة والتي يتسم معظمها بالخيال منبت الصلة بالواقع أو الإغراق في الماضوية أو التلون الشديد بالمذهبية أو الأيدلوجية في زمن ترجع فيه بشدة دور المذهبية أو الأيدلوجية. ناهيك عن اتسام معظم المواقف العربية بعيوب الفكر العربي المعاصر (الأفكار النمطية .. ثقافة الكلام الكبير .. الخلو من الموضوعية .. الهجرة لأمجاد قديمة مشكوك علميًا في أن بعضها قد وجُد يومًا .. إلخ).

ويجب قبل توجيه أي انتقاد للسياسة الأمريكية أن نثبت أنه انتقاد من باب الرغبة في التصحيح لا الهدم. ولا تثبت هذه النية إذا كان المتحدث لا يوافق على أن الولايات المتحدة بكل ما يمكن أن يوجه لها من انتقادات هي صاحبة المكانة الأولى على ظهر الأرض علميًا وتكنولوجيًا وعسكريًا واقتصاديًا – وأنها ما كان لها أن تكون كذلك لو لم تكُن تملك من مؤهلات النجاح ما لا يملكه أحد (بنفس القدر). كذلك فإن المجتمع الأمريكي هو صاحب أفضل بيئة لكل ذي القدرات والمواهب لكي يبلغوا ما يريدون وما يستحقون. ويضاف لذلك أنه وإن لم تكن هناك ديمقراطية كاملة، فإن النظام السياسي في الولايات المتحدة هو من أفضل ما يتوق له محبو الحريات والديمقراطية.

ومع ذلك ورغم ذلك، فالولايات المتحدة ليست "كاملة" وليست "ملاكًا" وفي مطبخها السياسي أشياء وأشياء بحاجة للتصويب. ونفس الشيء يقال عن أوروبا الغربية بوجه عام وعن فرنسا بوجه خاص. فالمواطن العربي المعجب ببعض مواقف فرنسا لا يعرف ما وراء تلك المواقف من دوافع لا علاقة لها بالحق والنزاهة أو بالغضب من أجل الحقوق العربية. إنني أكتبُ هذه الكلمات وعلى مقربةٍ مني تقارير عديدة عن حجم التعاملات الاقتصادية الفرنسية والألمانية بعراق صدام حسين وأيضًا تقارير عن مطالب فرنسا بحصصٍ من عقود إعمار العراق رفضها الأمريكيون. إن العقل العربي المنعزل عن العصر والذي كونته ثقافة الشعر العامر بمفاخر لا أساس لها يعجز عن فهم الأمر الواقع بمعزلٍ عن الانفعال. فملايين العرب الذي يتباكون على أن العالم أصبحت تحكمه قوة عظمى واحدة ووحيدة ويتباكون على نهاية القوة العظمى الثانية (الإتحاد السوفيتي) يغفلون عن أن الإتحاد السوفيتي كان مع الولايات المتحدة أول من اعترف بإسرائيل. ويتغافلون عن أن العرب لقوا وهم في ظل علاقةٍ حميمةٍ بالإتحاد السوفيتي أكبر كارثة في تاريخهم (5 يونيه 1967) والتي بسببها فإنهم الآن غارقون فيما هم فيه.
إن الفهم العلمي والمنطقي للواقع يجعل المرء يرى أن الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة اليوم لم تكن أي منها في موقع الصدارة بسبب فكرة أو نظرية وإنما بحتمية الواقع والتاريخ والاقتصاد والجغرافيا. وبالتالي فإن الذي يعترض على كون الولايات المتحدة هي القوة المنفردة بإدارة العالم يشبه من يعترض على أن الدولة الرومانية كانت سيدة العالم القديم. فهو اعتراض لا معنى له ولا فائدة من ورائه لأن الاعتراض على الحتميات من قبيل السذاجة الفكرية المطلقة.

إن العقل العربي في هذه المرحلة بحاجةٍ لقيادةٍ تحقق له التصالح مع الماضي (الذي لم يكن في يومٍ من الأيام بروعةِ الروايات النوستاليجية) وأن تصالحهم مع الواقع (الذي ليس بأسوأ من واقع أي زمنٍ من أزمنة القوى العظمى السابقة)، وأن تقوده لأن يُسقط السؤال العبثي: "كيف يمكن أن نغير الواقع تغييرًا كليًا؟" .. وتعلمه أن السؤال الوحيد المفيد (والممكن) هو: "كيف يمكن أن نوجد لأنفسنا أكثر الأدوار نفعًا لنا في ظل الواقع الذي يشبه في حتميته أن الشمس تأتي من المشرق ولن تأتي إلاَّ من المشرق؟".















الفصل الثاني
الإذعان و التبعية العمياء

يتفق الدارسون الأجانب للشئون المصرية المعاصرة على حدوثِ تدهورٍ كبيرٍ في لغةِ الحوار في مصرَ لا سيما عندما توجد وجهتا نظر مختلفة حول شأن من الشئون الهامة . وقد استغرقني التفكير في هذه المسألة مرات ومرات خلال السنوات الأخيرة . وعندما حاولت تقصي موضوع "مستوى لغة الحوار" في العشرينات من القرن الماضي، فوجئت بأن اللغة المتدهورة التي كنت أظنها من منتجاتِ العقودِ الأخيرةِ كانت موجودةً في دوائر معينة من الحياة الثقافية في مصر . وأبسط دليل على وجود هذه اللغة مجلدات مجلة الكشكول التي غرقت في مراجعة أعدادها التي صدرت خلال السنوات الأربع من 1923، فوجدتها عامرة بنفس أساليب الكتابة التي كنت أظنها لم تُوجد في حياتنا الثقافية إلا خلال العقود الأخيرة فقط. ولكن طول التحليل للمواد العديدة المنشورة خلال عشرينات القرن الماضي أوضحت لي أنه كان بحياتنا الثقافية "تيارًا أساسيًّا" يشبه في حواراته حوارات الغرب المتقدمة ولكن كان بمحاذاته (وعلى مستوى من الأسماء أقل شهرة) تيار آخر يماثل في لغته وأساليب حواره ما نشكو منه اليوم . فعندما نشر طه حسين كتابه الشهير (الشعر الجاهلي) كانت هناك كتابات رصينة ترفضه وتنقده ولكن إلى جوارها كانت هناك كتابات هابطة لا تدخل إلا تحت مسمى "السباب" (بالفصحى) و"الردح" (بالعامية) . وقد تعرّض عباس العقاد لنفس التيار عندما نشر مصطفى صادق الرافعي كتابه (على السفود) والذي ضمَّنه أسلوبًا بالغ الهبوط في السباب والتجريح الشخصي .
وخلاصة الأمر أن حياتنا كانت تعرف لغة متحضرة تتسم بالموضوعية والبُعد عن السباب والتجريح الشخصي ولكنها كانت أيضًا تعرف أسلوبًا آخر في الكتابة يقوم على التنابذ والسباب والتجريح .
وخلال السنوات الخمسين الأخيرة أخذ التيار الموضوعي في الحوار ولغته يفقد تدريجيًا أرضًا واسعة لصالح تيار الكتابة الغوغائية التي يترك فيها الكاتبُ "الموضوع" ويأخذ في تمزيق وطعن وتجريح "شخص الطرف الآخر" . ولا أعتقد إنني بحاجةٍ لضرب أمثلة على شيوع هذه الظاهرة في أجواء حياتنا الثقافية، فمعظم المساجلات تبدأ بخصوص موضوع محدد ثم تستمر الكتاباتُ بعيدًا عن الموضوع الذي بدأت بسببه ولا تكون إلا اتهامات شخصية وتراشق بالحجارة وسباب متُبادل .
وإذا استعرضنا "الحملات العاصفة" لبعض صحف المعارضة لدينا، لوجدنا أنها بدأت من "موضوعٍ محددٍ" ثم تركته ووسعت جبهة الحرب مع الشخصية التي كانت على خلافٍ معها بخصوص موضوع معين وأصبحت تكيل لهذه الشخصية الاتهامات على كل الجبهات العامة والخاصة . وقد ظننتُ في البداية أن بصدور معظمنا تراكمات هائلة من الإحباط والغضب من حقائق الحياة التي تُحيط بنا، وأن البعض يغتنم فرصة انفجار الحوار مع طرفٍ آخرٍ ليفرّغ فيه تلك الشحنة المتراكمة في صدره وعقله من إحباط وغضب . ورغم إنني لا زلت أعتقد أن هذا العامل هو أحد العوامل المُسببة للظاهرة التي نحن بصددها، إلاَّ إنني أعتقد أن السبب الأول والأكبر يكمن في وجود "تيار فاشي" في الحوار العام منذ قرابة نصف القرن من الزمان .
فخلال العقود الخمسة الأخيرة، كانت الحياة العامة في واقعنا متأثرة (أقوى تأثير) بحقيقتين كبيرتين هي أن نظام الحكم الذي أُسس في مصرَ سنة 1952 كان ضيق الصدر للغاية بآراء معارضيه بل و ناقديه . ولست هنا بصدد تقييم عهد برمته، ولكنني أقول فقط إن هذا العهد كان (من البداية) يتعامل مع معارضيه وناقديه بيدٍ من حديد مع إعلام موازٍ يبث على هؤلاء المعارضين والناقدين حممًا بركانيةً بما كان لا يبقى ولا يذر . وفي نفس الوقت (وهذه هي الحقيقة الثانية) فإن أقوى تيار سياسي نزل لعمليات تحت الأرض كان تيار الإخوان المسلمين والذين كانوا ولا يزالون متفوقين على الجميع في التعامل مع مُعارضيهم وناقديهم إما بيدٍ من حديد أو بسيول من الخُطب والكتابات التي لا تقل "فاشية" عن اليد الحديدية الفعلية . وهكذا كنا فوق الأرض مع أُناس لا يقبلون أقل من (مسح الأرض) بمُعارضيهم وناقديهم، وكنا في نفس الوقت تحت الأرض مع أُناس يتفوقون على الجميع في تحطيم مُعارضيهم وناقديهم ماديًا ومعنويًا .
في ظل هذه الأجواء الفاشية في التعامل مع المُعارضين والناقدين شبت أجيالٌ وتكّون مُناخ عام يكاد لا يعرف الحوار الخالي من التهم وتوسعة جبهة المعركة والنزول لدرك التراشق بحجارةٍ مهولةٍ من السبابِ والتجريحِ في محاولةٍ لاستئصال الوجود المعنوي للطرف الآخر (المُعارض أو الناقد) .
في ظل مُناخ عام كهذا، يصبح الكلام عن (قبول الآخر) و(اتساع الصدور للنقد) و(تعميق النقد الذاتي) و(توسعة الهامش الموضوعي) في التفكير والجدل وقبول (التعددية) قبولاً حقيقيًا راسخًا وواسعًا .. تصبح هذه القيم نغمةً نشاذ واستثناء بحت . ورغم أن هناك نماذج رائعة ومثالية في هذا المجال، إلاَّ أنها للأسف أقل عددًا بشكل كبير في مواجهة تيار عارم من الحوار والكلام والكتابة الفاشية التي نبتت ونمت واستفحل وجودها وانتشارها في ظلال الفاشية؛ وأغلب الظن أننا سنعيش مع هذه الظاهرة لعدةِ سنواتٍ حتى تكتمل (وتنجح) عمليةُ التحول الاقتصادي الجارية حاليًا وتختلف مكونات الحياة العامة اختلافًا لا يترك مجالاً لأبناء التيار الفاشي في الفكر والخطابة والكتابة إلاَّ أن يكونوا مجرد "آثار" تُمثل مرحلة مررنا بها ولّونت العديد من أبناء مجتمعنا بلونها حتى انتهت (بسبب المتغيرات العالمية) كل أسباب بقائهم .. وهو أمر (كما ذكرت) سيستغرق عدة سنوات .






الفصل الثالث
العقلية المتمترسة (أو المتخندقون)


١

منذ نحو أربعين سنة وهاجس الغزو الثقافي يسيطر على تفكير الكثيرين في واقعنا. وعندما سقط تقسيمُ العالم إلى كتلةٍ شرقيةٍ وكتلةٍ غربيةٍ في نهايةِ الثمانينيات وبدأ العالمُ يتحدث عن ظاهرةٍ جديدةٍ سماها البعضُ (ثم انتشرت التسمية) بالعولمة بدأنا نتحدث عن "العولمة الثقافية" ومخاوف اجتثاثِ ثقافةِ العولمةِ لخصوصياتنا الثقافية. وقد كتبت كثيرًا في هذا الموضوع وكانت خلاصة وجهة نظري أن أصحابَ المحصولِ المتواضعِ من الخصوصيات الثقافية هم المهددون فقط بسحقِ ثقافةِ العولمِة لثقافاتهم أما أصحابُ المحصولِ الهائل من الخصوصيات الثقافية مثلنا والذين ترجع خصوصياتهم الثقافية لعوامل متصلة بالتاريخ وعوامل متصلة بالجغرافيا فإنهم يكونون مثل اليابانيين غيرَ معرضين لزوال الخصوصيات الثقافية الكبيرة لهم. وكنت أكررُ أن كلَ الأمثلةِ التي يعطيها البعضُ على تأثر اليابان ثقافيًا برياحِ تغيرٍ من الخارج كانت تصبُ في خانة "البنود الثانوية" مثل تناول الوجبات السريعة وارتداء الملابس الأمريكية إلى آخر هذه السلسة من البنود الثانوية أما العلاقاتُ الإنسانية والقيم المعطاة للكبار في السن والعلاقات الأسرية اليابانية وغيرها من القيمِ الأصليةِ ومن بينها فهمُ الياباني للعمل، كل ذلك لم يطرأ عليه أي تغيرٍ منذ ستين سنة كانت فيها اليابان ذات تعاملات عارمة مع الآخرين.

ومع ذلك فإذا كان من حقِ البعض أن يتخوف على خصوصياتنا الثقافية في مواجهةِ ما يسمى بثقافةِ العولمة فإن الأمرَ مختلفُُ تمامًا بالنسبةِ لقيمِ التقدم: فهذه القيم تجد كلها تأييدًا وتعضيدًا من الأسس التي ترتكز عليها خصوصياتُنا الثقافية إذ يستحيل أن يقول قائلُُ إن الأسسَ المصريةَ أو العربيةَ أو الإسلامية أو المسيحيةَ تقف بأي شكلٍ من الأشكالِ موقف المخالفةِ والتضاد في مواجهةِ قيمٍ مثل الوقت والإتقان وعالمية المعرفة وعمل الفريق وثقافة النظام عوضًا عن ثقافة الأفراد أو الإيمان بأن الإدارة هي أحد أهم وأكبر أدوات صنع النجاح. بل إنني أتصور أن يزعم عديدون في واقعنا أن هذه القيم وجدت دعوة وتعضيدًا لها في تاريخنا قبل مئات السنين وقبل إن تأتي دورةُُ من دوراتِ الحضارة الإنسانية وتوظفها توظيفًا جيدًا لصنع حياة أفضل. وقد يظن البعضُ أن ما أقوله في هذا الفصل قد يكون منطبقًا على معظم قيم التقدم ولكن يصعب انطباقه على قيمة التعددية إذ يعتقد البعض أن التفكيرَ الديني الإسلامي يقوم على "وحدانية نموذج الصواب" - وهذا في اعتقادي خطأ بحت فهناك العديد من النصوص القرآنية التي تعضد التعددية ولعل أهمها النص الذي يشير إلى أن الله لو أراد أن يكون الناسُ على دينٍ واحد لفعل ذلك (سورة يونس - آية 99) كما أن هناك العديد من النصوص الواردة في السنة التي يمكن أن تكون دليلاً معضدًا لكون التعددية من سنن الحياة.

وسيكون من الغريبِ (والمهينِ) للغاية وجود حوار حول "تضاد" بين خصوصياتنا الثقافية وقيم مثل الوقت أو الإتقان لأن زعمًا كهذا سيكون بمثابة ترويج لقيم التخلف والبدائية(ناهيك عن كونه إهانة ذاتية منّا لنا). كذلك مما يدل على عدم وجود تضاد بين قيم التقدم وخصوصياتنا الثقافية أننا شهدنا خلال القرن الأخير فترات كان التواجد النسبي لمعظم هذه القيم في واقعنا أعلى منه في فترات لاحقة عندما تمت عمليةُُ يسميها البعض "تفكيك المجتمع المصري" فواكب ذلك انخفاضُُ كبيرُُ في نسبةِ توفرِ قيمِ التقدمِ.

وأُذكرُ إنني (في الثمانينات) كنتُ في أحدِ مراكزِ التقدمِ الاقتصادي المبهرِ في جنوب شرق آسيا وكان الشعارُ العام للمؤسسات الاقتصادية في هذا الجزء من العالم أننا أمام مجموعتين بشريتين "المجموعة الصينية" و "المجموعة المالاوية" وكان العرفُ السائد أن من يريد تكوين تنظيم عملٍ على درجةٍ عاليةٍ من التميُز والكفاءة فإن عليه أن يعتمد كليةً على العنصر البشري الصيني لأنه يتقن العمل ويخلص فيه كما أنه مجبولٌ على العمل الجماعي ويبلغ تقديسه للعمل مبلغ تقديس كبار المتدينين لعقائدهم. أما المجموعة الأخرى فسماتها الأصلية الكسل وعدم الإتقان والتشرذم والبعد الكامل عن تقديس العمل. وكانت هذه المقولة شبه مطلقة حتى جاء رجلُُ واحدٌ في دولةٍ أكثر ثلثي سكانها من الطائفة المستبعد تميّزها في العمل وهي ماليزيا والتي يشكل المسلمون والمالاويون المنتمون للطائفة الثانية السواد الاعظم من سكانها وحقق معجزة وصول هذا الشعب لأعلى مستويات التميز في كل مجالات العمل الانتاجية والخدمية، وإذا بنا في أقل من عشرين سنة نرى كلَ قيم التقدم مجسدةً في هذا المجتمع الذي كان قبل ذلك يغط في سباتٍ التخلفِ والعجزِ والكسلِ ... وإذا بالعالم يكتشف حقيقتين كبيرتين لم يكن من الممكن تصديقهما من قبل:

• الحقيقة الأولى أن التأخر ليس نتيجةً لحتميةِ بيولوجية وإنما لظروف إن تغيرت تغيرت الأحوالُ كليةً .
• الحقيقة الثانية أن قيم التقدم يمكن أن تُزرع في بيئاتٍ مسيحية وبيئات بوذية وبيئات مسلمة بل و في أية بيئةٍ من البيئاتِ وأنها ليست حكرًا على أحدٍ.

وإذا أردنا أن نضيف الآن حقيقة ثالثة فهي أن كل الخصوصيات الثقافية الماليزية والمتعلقة بالعلاقات الإنسانية والعلاقات الأسرية واستمداد القيم من الدين بقيت كما هي في زمن الازدهار ولم يحدث أي تضاؤل لها عما كانت عليه في زمن الانحدار . حتى الذين يقولون إن ما حدث في ماليزيا كان بتأَثير الاقلية الصينية فإننا نقول لهم إن هذا الكلام لا معنى له إلا معنى آخر غير الذي تقصدونه فالمعنى الوحيد لهذه الملاحظة أن (التقدم) يمكن أن يحدث بالعدوى.وهي فكرة لا بأس بها على الإطلاق وإن كنت أعتقد أن دحضَها في النموذج الماليزي سهلٌ للغاية : فالاقليةُ الصينية كانت دائمًا متواجدة في ماليزيا أما الذي لم يكن متواجدًا فهو الرؤية والقيادة.

١.1
(إن العقلَ المصري قد اتصلَ من جهةٍ بأقطارِ الشرق القريبِ اتصالاً منظمًا مؤثرًا في حياته ومتأثرًا بها، واتصل من جهةٍ أخرى بالعقل اليوناني منذ عصورِه الأولى).
"طه حسين..."


من الحَقائقِ التي كان ينبغي أن تكون واضحة، وأن تكون نتائجُها – بنفس الدرجة - واضحة ومتسقة مع مقدماتها، هي أن هويتنا الثقافية تقوم على الحقائقِ التالية:

• أَننا -تاريخيًا - جزءٌ (بدرجة ما) من الثقافةِ العربيةِ الإسلامية.
• أَننا -جغرافيًا- جزءٌ من ثقافةِ شرقِ البحرِ المتوسط.
• أَننا -حاليًا- جزءٌ من العالمِ الحديثِ والذي يقوده "الغربُ" - وإن كانت الثقافةُ الذائعة والشائعة باسم "الثقافةِ الغربيةِ" هي ثقافة ذات بُعدٍ غربيٍّ (لا ينكر) إلاَّ أنها أيضًا ثقافةٌ ذات بعدٍ "إنساني"، بمعنى أَن الكثير من "المحصولِ الثقافي الغربي" ليس غربيًا وإنما وفَد من ثقافاتٍ أُخرى سابقة.....

تلك حقائق ما كان لها أن تكون "غائبة" أو "غائمة" وإنما كان من المنطقي أن تكون واضحةً وجليةً، ولكن في ظلِ انهيارِ المستوياتِ الثقافية وانحسارِ التألق الفكري والثقافي (كنتيجةٍ لظروفٍ حياتيةٍ طاغيةٍ وعاتيةٍ) فإن الصورةَ أَبعدُ ما تَكون عن الوضوحِ، بل إن مُعظم المُهتمين بالشئونِ العامةِ في واقعنا يعانون من "رؤيةٍ" بالغة الضبابية في هذا الشأنِ تجعل من كثير منهم أصحاب أفكارٍ ومواقف بالغة الفقر ثقافيًا. ولننظر معًا لتلك الحقائق الثلاث الكبرى من منظورِ واقعنا ومفرداتِ وحقائقِ ومواقفِ هذا الواقع.

نحن وثقافتنا العربية:
المفُترض ألا يكون هُناك إنكار لحقيقةِ أننا -تاريخيًا- جزءٌ من الثقافةِ العربيةِ، ويَعنى ذَلك أَن مثقفينا والشَخصيات العامة لدينا يفترض فيهم أَن يكونوا أَصحاب إِلمام طيبٍ بالثقافةِ العربية. ولكن الواقعَ يؤكد أن ذلك وإن كان ينطبق على البعض إِلا أَن تعميمه أبعد ما يكون عن الحقيقةِ. إِذ أَن نظرةً مُتفحصة تُظهر ما يلي من حَقائق مؤلمةٍ:

رغم أَن إِتقان اللغة العربية هو العمودُ الفقري للتعاملِ مع دنيا الثقافةِ العربيةِ والإسلاميةِ، فإن أعدادًا كبيرة من مُثقفينا والشَخصيات المُهتمة بالشؤونِ العامةِ في واقعنا تملك محصولاً هزيلاً من اللغة العربية، بل و أكاد أجزم أن بعضهم لا يملك أن يتكلم بلغةٍ عربيةٍ سليمة لمدةٍ وجيزةٍ لا تَتَعدى الدقائق القليلة. ومن المؤكد أن أيَّ مُراقبٍ مُنصفٍ لحياتنا العامة سيلاحظ بوضوحٍ أن قدرةَ الشخصياتِ العامةِ على الحديثِ والكتابةِ بلغةٍ عربيةٍ سليمةٍ قد واصلت الانهيار والانحدار خلال السنوات الأربعين الأخيرة حتى بلغت اليوم ما هي عليه من وضعٍ مؤسفٍ (بل وأراه كثيرًا كوضعٍ "مهين" لكبريائنا الوطني والقومي) (والارتباك اللغوي كما يقول المفكر المصري الكبير مراد وهبه انعكاس للإرتباك الفكري) .

أإن عددًا من مثقفينا والشخصيات المهتمة بالشؤون العامة لدينا لا يكاد يعرف شيئًا عما أنتجته الثقافةُ العربية. فمُعظم هؤلاء يكاد يكون مطلق عدم المعرفة بالشعر العربي وهو أهم أشكال الإبداع الأدبي العربي. وباستثناءِ معرفةٍ سطحيةٍ ببعضِ الأسماء كأَسماءِ عنترة وامرئ القيس وجرير والفرزدق وبشار وأبى نواس وأبى تمام والبحتري والمتنبي وأبى العلاء، فإِن معرفة هذه الشريحة العليا من مجتمعنا بشعر بعض أَو كل هؤلاء (وغيرهم) تَكاد تَكون مُنعدمةً. وقل نفس الشيء على معرفةِ مُعظم مثقفينا والشخصيات العامة لدينا بالنثر العربي، فمُعظم هؤلاء لم يقرأ شيئًا يذكر لابن المقفع والجاحظ والجرجاني وأبى هلال العسكري وابن قتيبة وابن عبد ربه الأندلسى وياقوت الحموي والمبرد وأبى على القالي (وعشرات غيرهم).

أَما إِذا وصلنا لعالمِ الفكر وكان قصدنا مناطق كفكرِ المعتزلةِ والأشاعرِة وسائر المذاهب الفكرية (والتي تعرف بالفرقِ عند المتكلمة أَي أَهل علم الكلام -أى الفكر والفلسفة) بما في ذلك الأسماء العظيمة لرؤوس من أجَّل رؤوس الفكر على مستوى التاريخ أمثال ابن رشد وأبى حيان التوحيدي والفارابي والرازي وابن خلدون (وعشرات غيرهم) فإن عدمَ المعرفةِ تَبلغ مَداها الاقصى.

إن عددًا غير قليل من المتحمسين للثقافة العربية هُم أَصحاب مُطالعاتٍ وقراءاتٍ ومعرفة متواضعة بأمهات الكتب العربية والإسلامية مما أدى بهم للخلطِ بين ما هو "مُقدس" (لأنه جزء من الدين) وما كان ينبغي أَن يبقى خارج دائرة القداسة، (لأنه عمل بَشرى مَحض)، إذ تُضفي القَداسة على الكثير من المسائل التي لا علاقة لها بالقداسةِ لأنها -كما ذكرت- من عملِ الإنسان. وعلى سبيل المثال، فإن كثيرين من هؤلاء لا يعرفون الفارق بين (الشريعة الإسلامية) و(الفقه الإسلامي). بل إن كثيرين منهم يخلطون في معظمِ ما يقولون ويكتبون بين الدائرتين، مع ما يجرنا إليه ذلك من نتائجٍ وخيمةٍ وخطيرةٍ. فمعظم الآراء والأفكار والمفاهيم التي يُرددُها الكثيرون على أساسِ أنها ضمن (الشريعة الإسلامية) هي في الحقيقةِ من أفكارِ ومفاهيمِ (الفقه الإسلامي). والذي لا يَعرفه مُعظم هؤلاء أَن الفقه الإسلامي "عملٌ بشرىّ" قابل للنقدِ والنقضِ والتطويرِ. ويرجع علمُ أصول الفقه لأبى حنيفة النعمان الذي يُعد أول الفقهاء الكبار. وهذا الرجل العظيم هو الذي قال عن أصول الفقه، "علمنا هذا رأى فمن جاءنا بأفضل منه قبلناه". وهو تعبير بالغ الوضوح. وأبو حنيفة أيضًا هو الذي يرفض إضفاء القداسة على أحد عندما يقول عن التابعين (أي الجيل التالي للصحابة) "إِذا كان التابعي رجلاً، فأَنا رجل". ورغم أن الإمام مالك ليس كمثل أبى حنيفة فيما يتيحه لنفسه من حرية الفكر والتصرف فهو أيضًا القائل لكل من يدلو بدلوه في المسائل الفقهية: "ما منا إلا من يخطئ ويرد عليه". ومع ذلك، فإِن الخلط بين الدائرتين عندنا على أوسعِ نطاق بل و بين العديد من المتخصصين، وهو خلط شكّل (ولا يزال) قيدًا على الفكرِ المُستنيرِ. ويبلغ هذا الخلط أقصى مداه في البيئات التي تأثرت بالثقافة الوهابية وهي ثقافة ظلامية لا يكاد يوجد مجال فيها لإعمال العقل .

ورغم هذهِ الحقائق الجلية، والتي تَدل على أَن أعدادًا كبيرة من مثقفينا... لا تعرف شيئًا عن ثقافتنا العربية، فإِن البعض من هؤلاءِ لا يَتورع عن تنصيبِ نَفسه مُدافعًا (بعاطفية متأججة وانفعال عنفواني) عن ثقافتنا العربية و هو أَبعد ما يكون عن معرفتها، لأنه -ببساطة- لم يقم بالجهدِ الواجبِ ويُطالع الثمار العديدة لهذهِ الثقافة في مجالاتِ الشعرِ والنثرِ والفكرِ...

وإذا كان أَحدُ روادِ الأدبِ العربي البارزين قد قال في مقدمةِ أَحدِ كتبِه: "إِن من لا يعرف شيئًا لا يملك حق الحكم عليه"، فإِننا لا نملك إِلا أَن نَقول أن مُعظم المتحمسين عاطفيًا لثقافتنا العربية يفتقدون تمامًا لأهلية الدفاع عن هذهِ الثقافة العظيمة، لأن من لا يَعرف شيئًا لا يَحق له الحكم عليه ناهيك عن الدفاعِ عنه.

ولهؤلاء نَقول: إِذا كُنتم في شَبابكم لم تُطالعوا عشرات الدواوين الشعرية العربية ومئات الآثار العربية الأخرى في مجالاتِ الأدبِ والفلسفةِ (الكلام) فمن أَين تَستمدون الحق في الدفاعِ عن ثقافةٍ لم تأَخُذوها مأَخَذ الجد الكافي عندما لم تعكفوا على الاطلاعِ على آثارها العظيمة؟

وخلاصة القول هنا أَننا عندما نَقف أَمام مُعظم المتحمسين للثقافةِ العربيةِ فإِننا نَقف أَمام مُتعصبين عن غيرِ علم. أَما الذين عرفوا هذه الثقافة حق المعرفة وطالعوا المئات والآلاف من آثارها، فهم وحدهم الذين يحق لهم الفَخر ببعض آثارها (كأعمال ابن رشد مثلاً) . وحتى أَكون مُحددًا للغاية، فإنني أقول إن رجلاً مِثل أحمد أمين صاحب موسوعة "فجر الإسلام" و"ضُحى الإسلام" و"ظُهور الإسلام" و"يوم الإسلام" يمَلك أَن يَحكم على الثقافةِ العربيةِ، ويَملك أَن يعجب ويَفتَخر بها، لأنه أَحاط بثِمارها العَديدة وعَرف ثمارها، فمما لا شك فيه أن من حق العرب والمسلمين أن يفتخروا – بما كان لبعض أجدادهم من نصيب في إثراء الفكر والثقافة الإنسانية.

نحن وثقافة البحر المتوسط:
خلال العقود الأربعة الأولى من القرنِ العشرين كان المجُتمع المصري شديدَ الصلةِ بالدوائرِ المُحيطة بمِصرَ جغرافيًا وأَعنى مَنطقة شرق البحر المتوسط. وخلال هذه الفترة كان من الواضحِ أَن مِصرَ وإِن كانت تَنتمي –تاريخيًا- للثقافةِ العربيةِ والإسلاميةِ إِلا أَنها في نفسِ الوقتِ ذات صلة قوية بحضارة البحر المتوسط وما يَعكسه ذَلك ثقافيًا على مِصرَ والمصريين. وكان العَقلُ المصري على درجةٍ من الوضوحِ تَسمح له أَن يرى الحكمةَ الواضحة في كلماتِ الدكتور طه حسين في كتابهِ "مُستقبل الثقافة فى مِصرَ" الذي صَدَر في سنةِ 1938، عندما أَبرز أهميةَ البعدِ الحضاري والثقافي الناجم عن كوننا منْ دول البحر المتوسط كما أَننا (بنسبٍ متفاوتة) من الدولِ العربية والإسلامية والأفريقية. وتأتى أهميةُ هذا البعد من حقيقةِ أَن مُعظم الحضاراتِ القديمة كانت حَضاراتٍ مُطلة على البحر المتوسط (الحضارة المصرية... الحضارة الفينيقية... الحضارة الإغريقية... الحضارة الرومانية). وأَن إِنكار هذا البُعد (لحسابِ أبعاد أخرى) هو عملية غير علميةٌ ومُخالفة لحقائق التاريخ والجغرافيا التي لا يمكن مخالفتها.

وإِذا كان العقلُ المصري قد اتسم دائمًا –عبر التاريخ- بصفةٍ تسامحٍ قويةٍ، هي أَهم مزايا الشخصيةِ المصريةِ، فإنها سِمةٌ أَو صفةٌ تتصل بهذا البُعد (بعد البحر المتوسط) أكثر من اتصالها بأبعادنا الأخرى. ومن المؤكد، أَن الهزالَ الثقافي الذي اعترانا خلال السنوات الأخيرة وما واكب ذلك من جموحِ بعض التياراتِ الفكرية وعدم اعتزازها إِلا ببعدٍ واحدٍ من أَبعادنا الثقافية، قد لعب دورًا كبيرًا في إضعافِ هذا البُعد من أَبعادنا الثقافية، رغم عظيم أهميته كجسرٍ بيننا وبين العالمِ كلهِ، وكمصدرٍ من مصادر مَلمحٍ منْ أَهم ملامحنا الحضارية وأَعنى"التَسامح".


نحن وثقافة العصر:
من أكثر المسائل الفكرية والثقافية التي حيرتني ولسنواتٍ طويلة والتي كلما شُغلتُ بها فكريًا وظننت إنني وصلت فيها إلى يقينٍ قاطعٍ جاءت محاوراتٌ ولقاءاتٌ وحواراتٌ وقراءاتٌ ووجهاتُ نظرٍ شخصية لتثبت لي إنني لم أبلغ فيها بعد حد اليقين وأَعنى علاقة العقل العربي بالثقافة التي تُعرف بالثقافة الغربية وما أكثرَ ما حيرتني الطريقةُ التي نتعامل بها مع هذا الموضوع. فهناك كثيرون في واقعنا يظنونَ أن الإيمانَ والاعتدادَ والاعتزاز بثقافتنا الخاصة وهى الثقافة العربية إنما يعني أن نكونَ في موقفِ المعاداةِ أو التحفز أو التوتر تجاه الثقافة الغربية. والبعضُ الآخر يرى أن العصرية ومسايرة الزمن يعنيان معرفة الثقافة الغربية والتفاخر بها، دون اكتراث بالثقافة العربية الإسلامية أو الإسلامية العربية.

وقد لاحظتُ في مُعظَمِ الحالات أن الذين يقولون بأن علينا أن نعتز بثقافتنا الخاصة يضمون أعدادًا كبيرة ممن أُتيحَ لهم أن عرفوا بعضَ الأشياء عن الثقافة العربية دون أن يتاح لهم معرفة القدر الكافي عن الحضارة الغربية. بل و حيرني كثيرًا أن بعضَ هؤلاء "المعتزين" لا يعرف إلا أقل القليل عن ثقافتنا.

نحن إذن بصدد فريقٍ يعتز ويفتخر بثقافتنا العربية وهو يعرف القليل عنها ولا يعرف تقريبًا أي شيء عن الثقافة الغربية، كما أننا بصددِ فريق ثان يعتز بثقافتنا العربية ولا يكاد يعرفُ شيئًا عنها، وهو في نفس الوقت لا يعرفُ شيئًا عن الثقافة الغربية، وكان الفريقُ الثاني يذهلني كثيرًا لأنه كان يشبه أمامي رجلاً يعتز بقبيلته اعتزازًا يقوم على العصبية لا غير. أما الفريقُ الأول فكنت أفهم موقفه لأنه أُتيحَ له القليل من المعرفة عن الثقافة العربية ولم تُتَح له معرفة وافية بالثقافة الغربية فكان من الطبيعي أن يتخذ موقفًا فكريًا هو أيضًا أقرب ما يكون للموقفِ الوجداني العاطفي عن الموقف الفكري.

وكانت حيرتي تمتد لدائرةٍ ثالثة من دوائر الحيرة عندما كُنتُ أخوضُ في حواراتٍ طويلة مع فريق ثالث مختلف تمامًا إذ أنه يزدري الثقافة العربية ويُعجب كل الاعجاب بالثقافة الغربية وهؤلاء كانوا ينقسمون أيضًا إلى فريقين، فريق لا يعرف إلا أقل القليل عن الثقافة الغربية. في نفس الوقت لا يعرفُ شيئًا عن ثقافتنا العربية، وفريق رغم ولعه الشديد بالحضارة الغربية فإنه لا يعرف عن الثقافة الغربية شيئًا يذكر ناهيك عن عدم معرفته شيئًا يذكر عن الثقافة العربية. وفى سنواتِ التفكير والحيرة بصدد هذه المسألة وجدتُ إنني لا أملكُ إلا التعجب، وأنا أرقبُ هذه المجموعاتِ الأربعة.

وكما ذكرت، فقد حيرتني هذه المجموعات الأربعة وأذهلني موقفُ كلٍ منها وأذهلني موقفُ أفرادها كما أضناني الحواُر معها لأنه حوار يشبه ما يسميه العربُ بحوار الطرشان، لأنك تتكلم مع أي فردٍ من أي مجموعةٍ من هذه المجموعات فيردُ عليكَ ردًا ينبئ بأنه يتكلم كلامًا ما هو إلا صحيفة اتهام كانت جاهزة لديه من البداية وهى صحيفةُ اتهام تقومُ على التعصبِ والتشددِ والتحيز الوجداني والعاطفي، ولا تقوم على فهمٍ ودرايةٍ واسعة وثقافةٍ عميقةٍ أو عريضة. ولا شك عندي اليوم بعد سنواتٍ طويلة من الاهتمامِ بهذا الموضوع أن معظمَِ الأفرادِ في مجتمعنا المصري والعربي يندرجون تحت واحدة من هذه الفئات الأربعة.

ولكن هناك أيضًا فئة خامسة تختلفُ اختلافًا كبيرًا عن الفئات الأربعة التي ذكرتها ولكنها فئة لا تضمُ إلا أعدادًا صغيرة للغاية، إنها الفئة التي يؤمنُ أفرادُها بأن الثقافة العربية أنتجت ما يجعلنا نفتخرَ بها. وأفراد هذه الفئة يعرفون عن هذه الثقافة الكثير، فقد قرءوا عيون إبداعات هذه الثقافة منذُ ازدهرت بعد أقل القليل من مائةِ سنة على ظهورِ الإسلام، ثم ارتفع نجمُها في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين حتى بلغَ آفاقًا بعيدة من آفاقِ التألق. هؤلاء يعرفون عن الشعر العربي الكثير ويدركون قيمة ما توصل إليه الفكر العربي من أبعاد رائعة من التأنقِ والتألقِ تجلَّت في إبداعاتِ فكرِ المُعتزلة، كما تجلت في آثار ابن رشد الفذة .

إن أفراد هذه المجموعةِ القليلة يتيهون إعجابًا بفكرِ ابن رشد وابن سينا وابن خلدون كما يفتخرونَ بعبقرياتٍ شعرية مثل أبى نواس والمتنبي وأبى العلاء المعري. وبعبقرياتٍ في النثرِ العربي مثل المعري (مرة أخرى) في رسالة الغفران. وإذا تذكروا الشأن البعيد الذي بلغه علامةٌ مثل الرازي شعروا بدرجةٍ رفيعةٍ من الزهو والمجدِ. إذن أفراد هذه الفئة الخامسة مطلعون بعمقٍ على الثقافة العربية وهم يفتخرون بما يعرفون، ولكنهم أيضًا يدركون أن الثقافة العربية هي عمل إنساني ولا يضفونَ عليها القداسة وإنما يكتفون بإضفاء هذه القداسة على القرآن الكريم.
إن أفراد هذه المجموعة الخامسة يعرفون أيضًا عن الثقافةِ الغربية الكثير، فهم قد غطوا مساحاتٍ واسعة من مناطقِ الثقافة الغربية بل من منابعها القديمة مثل الثقافة اليونانية والرومانية وثقافة عصر النهضة أو الرينيسانس. أما ثقافات الحضارة الغربية الحديثة فقد أحاطوا بها إحاطةً جيدةً وخاضوا في معظم فروعها كالأدبِ والفنون والتاريخ وعلوم السياسةِ والاجتماع والاقتصاد وعلوم الفلسفة وعلم النفس كما توسعوا في الاطلاع على موجات العلوم الحديثة المتصلة بحركة الاقتصاد المعاصر. وأفرادُ هذه المجموعة وإن كانوا يعجبون بالكثيرِ من إنجازاتِ الحضارة الغربية إلا أنهم لا يصلون إلى حد الافتتان والتقديس لأنهم يعلمون أن الحضارة الغربية حضارة إنسانية لها ما لها وعليها ما عليها، وإن كانت صاحبة إنجازات عظمى مثل خلقِ نظامِ عملٍ مُنتج وفعال، ومثل تطوير علاقة الحاكم بالمحكوم أو المحكوم بالحاكم في ظل منظومةٍ راقية تسمى الديموقراطية ومثل حقوقِ الإنسان، إلاَّ أن الحضارة الغربية تبقى "عملاً إنسانيًا" لا يخلو من العيوب والنقائص – شأنه شأن كل شئ بشري.
وقد حيرني أن الأغلبية العظمى في واقعنا تنتمي لمجموعةٍ من المجموعاتِ الأربعة الأولى. أما المجموعة الخامسة فلا يكاد أفرادُها يتجاوزون في عددهم المئات على مستوى الوطن العربي بأسره وهم في الأغلب الاعم يتخوفون من إبداءِ وجهاتِ نظرهم، لأنهم كثيرًا ما يقابلون بالهجوم وغالبًا ما يكون الهجوم ظالمًا عندما يتهمون بأنهم مبهورون بالحضارةِ الغربيةِ. والحق أن معظم هؤلاء غير مبهورين بالحضارة الغربية لأنهم يعرفون عنها ما يجعلهم يعجبون بالكثيرِ من ثِمارها ولكن دون أن يمنعهم إعجابهم من رؤية سلبيات الثقافة الغربية.

ومع ذلك فإن معظم أفراد المجموعات الأربعة الأولى لا يفهمون موقفَ هذه المجموعة الخامسة ولعل السبب أن الإنسانَ عادةً لا يرى ما يجهل ويفقد تمامًا القدرة على الحكم على ما لا يعرف. ولكن في داخل المجموعات الأربعة تختلف المواقفُ، فبينما يتسم أفرادُ المجموعة الثالثة والرابعة بمسحةٍ تظهرهم وكأنهم عصريون ومتمدنون، فإن أفرادَ المجموعة الأولى والثانية يظهرون في موقفٍ بالغ التعصب. والحقيقة أن أفرادَ المجموعات الأربعة يشتركون في صفةٍ أساسيةٍ وهى أنهم يحكمون على أشياء لا يعرفونها وأنهم يفتقدون ويفتقرون لأهم عناصر الحكم. كذلك فإن أفراد المجموعة الثالثة والرابعة ليسوا بالضرورةِ أكثرَ تحضرًا وتمدنًا من أفرادِ المجموعةِ الأولى والثانية وإن كانت المظاهرُ الشكلية قد تدل أحيانًا على ذلك وهو غير صحيح.

والمشكلة الكبرى هي أن الحوارَ يكاد يصبَحُ مستحيلاً بين أفراد المجموعة الخامسة والمجموعات الأربعة الأخرى، فإن ما يطلبه أفرادُ المجموعة الخامسة لا يجد أذنًا صاغيةً لدى أفراد المجموعات الأربع الأخرى. لأنهم في الحقيقة يظنون أنهم يُهاجمون ويُطعَنونَ في مُقدساتهم فيتخذون موقفًا عاطفيًا وجدانيًا قد يبلغ حد العنف لأنهم يشعرون أن الواجب يملي عليهم الدفاع عما يعتزون به ويفتخرون به. ولا شك أن المسؤولية الثقافية والفكرية بل و الوطنية، تلقى على أكتاف المجموعة الخامسة مهمةً كبرى. هي إقامةِ حوارٍ متحضر مع أفراد المجموعات الأربعة الأخرى يؤسسُ على تسليطِ الضوء على الحقائق والأخذِ بيدِ أفرادِ المجموعاتِ الأربعة الأخرى، ليروا أنه لا تعارض في الحقيقة بين أن يعرف الإنسانُ ثقافته ويفتخر بها ويبلغ في الاعتزاز بها أبعد الحدود وأن يكونَ في نفس الوقت ملمًا بثقافةِ العصر المتمثلة في الثقافةِ الغربيةِ دون أن يسْقطَ في وهدةِ الانبهار الاعمى والتقديس الذليل لهذه الثقافة لأنها مجرد ثقافة إنسانية لها مزاياها ولها أيضًا عيوبها. ويجب على أفراد المجموعة الخامسة أن يحيطوا الحوارَ دائمًا بإطارٍ من الاحترامِ مع بذلِ كل الجهودِ الفكريةِ والعقليةِ والثقافيةِ والموضوعيةِ لكي يظهروا لأفراد المجموعة الأولى والثانية بالذات أن الثقافة التي تسمى بالثقافةِ الغربيةِ ليست في الحقيقة حضارة غربية محضة وإنما ثقافة إنسانية تمركزت حاليًا في الدولِ الغربيةِ المتقدمة ولكنها في جذورِها أخذت الكثيرَ من الحضارةِ اليونانية القديمة ومن الحضارة العربية في عصورِ ازدهارها كما أنها أخذت الكثير من حضاراتٍ أخرى قديمة كالحضارةِ الرومانية وغيرها من الثقافاتِ الحديثةِ.

إن على أفرادِ المجموعة الخامسة أن يظهروا أن الجمعَ بين فهم ثقافتنا الشرقية (العربية والإسلامية) وبين فهمِ واستيعابِ الثقافةِ الغربيةِ أمرٌ ممكنٌ وميسورٌ، دون أن يفقد الإنسانُ هويته ودون أن يصير تابعًا للثقافة الغربية بشكل أعمى. لذا لا يجب أن نسقط أبدًا في حفرة التساؤل المستحيل: "هل نتبع أم نأَخذ هذه أو تلك؟" لأن الجواب السليم هو “هذه وتلك". نأخذ من ثقافتنا الكثير، ونأخذ من ثقافة الغرب الكثير أيضًا . ويبقى المحورُ الهام هو أن يعترف أفرادُ المجموعاتِ الأربعة الأولى بأن من لا يعرف شيئًا لا يملك حق الحكم عليه، وبالتالي فإن على أفراد المجموعتين الأولى والثانية أن يؤمنوا أن أحكامهم على الثقافةِ الغربية لا يمكن أن تكون سليمةً لأنهم بسهولةٍ وبوضوحٍ تامٍ لا يعرفونها، ولا يعني ذلك على الإطلاق أن ثقافتهم العربية الإسلامية خاطئة، ولكنه يعني أن أحكامهم على الثقافة الغربية لا تستند على أي أساسٍ من منطقٍ أو علمٍ. كذلك ينبغي أن نصل بأفرادِ المجموعةِ الثالثةِ والرابعة ليقينٍ واضح بأن مواقفهم ليست أفضل من موقف المجموعة الأولى والثانية لأنهم أيضًا يؤمنون إيمانًا يقوم على التقديس في غير محله والانبهار وهو ما لا يصلح لأن يكون أساسًا للأحكام. ناهيك عن أن سوادهم الاعظم لا يعرف عن الثقافة الغربية إلا القليل والقشور كما أنهم يجهلون عن ثقافتهم العربية كل شيء تقريبًا، وهنا فإنهم يقعون مرة أخرى تحت طائلة الحكم المنطقي الذي لا يقبل النقاش بأن من لا يعرف شيئًا لا يملك حق الحكم عليه - وقد يكون أفراد المجموعةِ الثالثةِ والرابعةِ غير مهتمين بالحوار أصلاً. أما أفراد المجموعة الأولى والثانية فإن الانفعال والالتهاب الوجداني الذي يتخذونه والربط الشديد بين المناقشة هنا وبين الكرامة والاعتزاز التي تشوب تناولهم للأمر تجعل الحوار شبه مستحيل وتجعله صعبًا للغاية فهم أقرب ما يكونون للصدام، الأمر الذي يحول بينهم وبين أن يفتحوا أعينهم على حقائق إذا رأوها وجدوا أنهم يمكن أن يظلوا متمسكين باعتزازهم وفخرهم وانتمائهم لثقافتهم مع تعلم واسع وإدراك ومعرفة بثقافة الغرب التي هي ثقافة العصر دون أن يفقدوا هويتهم أو كرامتهم ودون أن يصبحوا تابعين لأحد. والحقيقة أنهم في هذه الحالة يزدادون ولا ينقصون ويقوون ولا يضعفون، إلا أن الموقف الوجداني الذي يتخذونه يجعل من الحوار معهم مهمة صعبة-وليست مستحيلة -وعلى أفراد المجموعة الخامسة أن يعرفوا أنه بدون الموضوعية والبعد عن الانفعال عن مس المقدسات، فإن الحوار مع أفراد المجموعة الأولى والثانية سرعان ما ينقطع ويُصبح من شبه المستحيل وصله مرة أخرى.

************

٢

في السنوات العشرة من 1960 إلى 1970 كنت محظوظًا إلى أبعدِ الحدودِ عندما وفرت لي مجموعةٌ من الظروفِ والأسبابِ والدوافعِ أن أقرأ (بنهمٍ وحبٍ عميقين) معظمَ كلاسيكيات الأدب العالمي . ففي هذه الفترة طالعت روائعَ الأدب الروسي ولا سيما الاعمال الفذة لكتابِ وشعراءِ روسيا العظام أمثال بوشكين وجوجول وترجينيف وديستويفسكي وتولستوي وتشيكوف ومايا كوفسكي وغيرهم . كذلك غطت الرحلةُ أعلامَ الأدبِ الألماني (والأدب الذي يُكتب بالألمانية) منذ جوته وشيللر إلى ديرنمات مرورًا بأدباءٍ وشعراءٍ عظام مثل هاينى وتوماس مان وكافكا وبريخت . وكذلك أعلام الأدب الإيطالي منذ دانتي إلى بيرادنللو وعشرات الاعلام الأفذاذ من بريطانيا وفرنسا وأسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية مثل شكسبير وراسين وفلوبير وديكينز وبرناردشو واناتول فرانس ولوركا والبيركامو وسارتر وفوكنر وهيمنجواى واليوت وتنيسى وليامز وآرثر ميللر وناتالي ساروت وصمويل بيكيت ويونيسكو .. وعشرات غيرهم إلى جانبِ أعلامٍ من بلدان أخرى مثل هنريك ابسن عبقري النرويج . وساهم في إتاحة هذه الفرصة لأمثالي ممن خُلقوا وفي دمائهم حبُ الإبداعِ وجودُ حركةٍ نقديةٍ عارمةٍ في تلك الأيام مع حركةِ ترجمةٍ موازيةٍ كانت تتخذ من لبنان رأس حربة لها . وبسبب الحركة النقدية عرفنا ما الذي علينا أن نقرأه من كلاسيكيات الآداب العالمية ومن حركة الترجمة التي كانت تشع من بيروت تابعنا – عن كثب – إبداعاتِ البشريةِ دون عائقٍ من عوائقِ اللغة (قبل أن يكون بوسعنا أن نطل على تراث البشرية من نوافذ لغات أوروبية كنا وقتئذٍ نملك القليل منها ) .
وكان النقادُ الكبار وقتئذٍ أمثال محمد مندور ولويس عوض ومن ورائهما الدكتور عبد القادر القط والناقد الشاب اللامع رجاء النقّاش هم السلة التي كنا نقطف منها الدليل والبوصلة تجاه ما ينبغي أن يُقرأ من ثمارِ العبقريةِ الأدبيةِ العالميةِ، كما كان بعضُهم يقودنا أيضًا لعالمٍ وعرٍ آخر هو عالم الفلسفة الغربية وعددٍ كبيرٍ من العلوم الاجتماعية مثل التاريخ والاقتصاد السياسي وعلم النفس والاجتماع وغيرها . ولعل الدكتور عبد الرحمن بدوي ثم الدكتور يوسف مراد ثم الدكتور زكي نجيب محمود ثم الدكتور مراد وهبه كانوا بمثابةِ الأضواءِ الكاشفةِ والهاديةِ لساحاتِ تلك الأودية من أودية الفكر الإنساني .
وخلال تلك السنوات لم تكن عند كاتبِ هذه السطور أيةَ فكرةٍ عن الانشقاقِ الذي سيميز حياته بعد ذلك عندما تنقسم إلى نهرين : نهر العمل (في مجال اقتصادي هام هو مجال البترول وبالتحديد في مجال الإدارة العليا في صناعة البترول) ونهر الهواية (والذي سيظل محتفظًا بنفسِ الولعِ بالأدبِ والفلسفةِ وفنونِ الموسيقى والفنونِ التشكيلية) .
وخلال تلك السنوات (1960 – 1970) لم يدر بخلدي قط (كما لم يدر بخلد كل أقراني ممن أحبوا المعرفة والثقافة وشغفوا بهما ذلك الشغف الطوفاني) أن نتساءل عن جنسيةِ ما نقرأ . فقد كنا نحب نجيب محفوظ ويوسف إدريس وبدر شاكر السياب ونزار قباني وأحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور و سهيل إدريس ومحمد ديب ويحيى حقي كما كنا نحب عشرات الأسماء غير العربية (والتي ضربت أمثلة لها آنفًا) دون أن نشعر بأن يوسف إدريس مصري وسهيل إدريس لبناني ومحمد ديب جزائري ويوجين يونيسكو روماني وجراهام جرين بريطاني والبير كامو فرنسي والبرتو مورافيا ايطالي وابسن نرويجي ويوجين يونيل أمريكي .. لم نكن نشعر بذلك ولم يكن يعنينا ذلك، لأننا كنا قد نشأنا في ظلِ مُناخٍ ثقافيٍّ عامٍ كان يُقدم لنا الإبداعَ بصفته ظاهرة عبقرية إنسانية دون أدنى لمسة شوفينية ودون أي خوفٍ من التعبيرِ المريضِ الذي بدأنا نسمعه لأول مرةٍ في أواخر الستينات وأوائل السبعينات وهو تعبير "الغزو الثقافي" .
وللأسف الشديد فقد واكب استعمال البعضِ لهذا المصطلح الرديء (الغزو الثقافي) نمو تيار سلفي لم يكن له أي تأثير على المثقفين في عقدِ الستينات . ومع وجودِ هذا المفهوم الجديد وشيوع أفكارٍ سلفيةٍ مخاصمةٍ للعصر والحضارة ورافضة لفكرةِ أن مسيرةَ التمدنِ الإنساني قد استقت عناصرَها من عناصرٍ وحضاراتٍ وثقافاتٍ شتى، أصبح عدد الذين يؤمنون بكابوس الغزو الثقافي أكثرَ وأكبرَ .
ثم جاء التراجعُ القوي في الحركةِ التعليميةِ وفي الحركةِ الثقافيةِ خلال السنوات التي تلت منتصف السبعينات، ليساهما في استفحالِ الرعبِ (الوهمي) من الغزو الثقافي، مع ما صاحب ذلك من تقسيمٍ معيبٍ للحضارةِ الغربيةِ إلى شقين : شق مادي يتمثل في الآلات والعلوم التطبيقية والتكنولوجيا وشق معنوي هو كل الفكر والثقافة والفن التي أنتجتها تلك الحضارةُ . وهنا بدأ البعضُ (ممن يؤمنون بخرافةِ الغزو الثقافي) يروّجون لفكرةِ أن علينا أن نأخذ من الغربِ بضاعته المادية فقط (أي العلم التطبيقي والآلات والتكنولوجيا) وأن نتجاهل كل ما عدا ذلك (من فلسفةٍ وأدبٍ وفكرٍ وفنونٍ) . وقد غاب عن هؤلاء أمران كبيران :
الأول : أن الشق المادي في الحضارة الغربية هو ثمرةٌ طبيعيةٌ للشقِ غير المادي (أي الثقافي) لهذه الحضارة . فقد بدأت الحضارةُ التي يسميها البعضُ اليوم بالحضارةِ الغربيةِ بالفكرِ والفنونِ والآدابِ وعندما خلقت مُناخًا عامًا إيجابيًا وخلاقًا يسمح بتفتق الإبداع انطلق "العلمُ التطبيقي" في إبداعاته المتوالية .
والثاني : أن ما يسمى بالحضارةِ الغربيةِ ليس غربيًا بشكلٍ كلىٍّ . فالحضارةُ الغربية تتكون من مادتين، الأولى مادة إنسانية وليست غربية، وأعني بذلك خلاصة تراكمات الحضارات والثقافات الإنسانية الأخرى . أما الثاني فغربي محض . وهذا أمرٌ منطقي، فالحضارةُ الغربية لها بعدها الإنساني ( أي كونها ثمرة حركة التمدن الإنساني بوجه عام) كما أن لها بعدها الغربي (والمتصل أساسًا بتاريخ أوروبا الغربية منذ نهاية القرون الوسطى وبدايات عصر النهضة) .
وما يجب علينا أن نبذل قصارى الجهد لغرسه الآن وفي المستقبلِ في أذهانِ وعقولِ وضمائرِ الناشئة في مصرَ أن الإبداعَ لا جنسية له وأن الفكر كذلك بلا هوية وأن اشتراكنا مع الإنسانية في التعرف على ثمار الإبداع والعبقرية والعقول الإنسانية لا يمثل هجومًا على خصوصياتنا، وأننا بوسعنا أن نكون مثل جيل لطفي السيد وطه حسين وأحمد أمين والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ مصريين إلى أبعدِ حدٍ وعلى معرفةٍ بإبداعاتِ الإنسانيةِ الفذةِ دون أن يجنى ذلك على خصوصياتنا أو أن ينتقص من هويتنا الثقافية، فقد كان طه حُسين من أكثر المصريين معرفةً وحبًا لآداب اليونانيين القدماء وللأدب الفرنسي دن أن ينقص ذلك من معرفته الواسعةِ والعميقةِ بآدابنا وتاريخِنا العقلي .
إن مصرَ وهي تقفُ على أعتابِ القرنِ الحادي والعشرين بحاجةٍ لصلحٍ ثقافيٍّ بين ما هو "إنساني" وما هو "خصوصي" – وستجد أن ذلك الصلح ممكن وسهل وفعّال ومُجْدٍ وقادر على التعامل مع معطياتِ وتحدياتِ العصر أكثر من قدرة أولئك الذين وصفتهم في أحد مقالاتي بأنهم (محليون للنخاع) .

************

٣
تجتمع عدةُ أسباب لجعل (جرعة المحلية) عند المواطن المصري المتوسط المعاصر مفرطة في الاتساع، كما أن نفس الأسباب تجتمع لتجعل (جرعة العالمية) عند نفس المواطن بالغة التواضع.

فالمجتمعات القديمة من جهة، كثيرًا ما يعانى أبناؤها من الإغراقِ في المحليةِ، فالدنيا عند هؤلاء هي هذا الوطن في المقامِ الأولِ والأخير.... ومن هنا خرجت المقولة الدارجة (مصر أم الدنيا).

ومن جهةٍ ثانية، فإن سنوات الستينيات والسبعينيات والتي كانت بمثابة "قاعدة الانطلاق" على مستوى العالم الخارجي لما جاء بعد ذلك من ثورة الاتصالاتِ وسقوط الجدران الفاصلة والعازلة بين الدول والشعوب وبداية الاعلام الذي يتخطى حدود الدول والاقتصاد الذي يتبع نفس النسق، خلال هذين العقدين، كنا نحن ممعنين في المحلية والحد من التواصل مع "دنيا الخارج".

ومن جهةٍ ثالثة، فإن برامجنا التعليمية قد تولت التركيز على الداخلِ (تاريخنا وحضارتنا وآدابنا) بشكل يناقض –مثلاً- برامج التعليم في دولة مثل فرنسا تولى مقررات دراسة تاريخ مصر القديمة والصين والحضارتين الإغريقية والرومانية ما توليه لمقررات دراسة تاريخ فرنسا ذاتها.

ومن جهةٍ رابعة، فإن نشأة جهاز الاعلام المصري من بدايته كذراع للحكومة وما حدث (على نفس الشاكلة) للصحف المحلية، قد جعل "رسالة الاعلام المصري" لسنوات غير قليلة "رسالة محلية بحتة"، ولا أدل على ذلك من مقارنةِ نشرة الأخبار الرئيسة لدينا بنشرة الأخبار في معظم دول العالم -فالأخبار المحلية لدينا تكتسح الصورة، بينما معظم نشرات الأخبار تتابع الأحداث أيًا كان موقعها الجغرافي.

ومن جهةٍ خامسة، فإن نمو التيار السلفي (نسبيًا) في مجتمعنا كان انتصارًا قويًا للمحلية على حساب الدولية. ولا شك أن مستقبل العالم بأسره يشهد انحسارًا نسبيًا للمحلية وازديادًا واضحًا للدولية أو العالمية. وإن ذلك يقع على أرض الاقتصاد كما يقع على أرض الثقافة والفكر والتعليم والاعلام.

وبالتالي، فإن عدم استفاقتنا على ضرورة العمل العلمي الجاد على خلق معادلة متوازنة بين (المحلية) و(العالمية) سيجعلنا أقل قدرةً على التعامل الفعّال والإيجابي والمثمر مع آليات الواقع الجديد.

وإذا كنت قد ذكرت –مكررًا- في العديدِ من الكتاباتِ والمحاضرات، أن المحرك (الموتور) الذي ستعتمد عليه المؤسسات والشركات والمجتمعات هو (الإدارة الفعّالة)، فإنني أُضيف هنا أن الإدارة الغارقة في المحلية (ستكون عاجزة تمامًا عن خوض لعبة المستقبل بنجاح فأساس هذه اللعبة مزدوج:

• الإدارة الفعّالة، بمعنى القيادة المثمرة.
• المعرفة الواسعة بعناصرِ اللعبة على المستوى الدولي.

وسينطبق ذلك على (الشق الاقتصادي) من حياة المجتمعات كما سينطبق على (الشق السياسي).













الفصل الرابع
غياب السماحة و غياب العقل النقدى

١
"لكم دينكم ولي دين" .
(قرآن كريم... الكافرون: آية 6)

الإنسانُ - بطبيعتهِ - قابل لأن يَكون ضَيق الصدر ورافضًا (وفى أحيانٍ غير قليلة: "معاديًا") لمن يَختلفون عنه اختلافات كبيرة. ومن صور الاختلاف التباين في الدينِ والعرقِ والمعتقداتِ والعاداتِ والمقدساتِ والاختلافات الحضارية والثقافة بشتى صورِها. وعبر التاريخ، كانت هذه الاختلافاتُ (مع اختلاف المصالح) بمثابةِ الوقود الذي أَشعل - مرارًا - الحروب والصراعات العديدة التي حُشِدَ بها تاريخُ الإنسانِ على الأرضِ.

ومن المؤكد، أَن تاريخ الإنسانية قد شَهد تحَولات إيجابية في نموِ ظاهرة قبول الإنسان لكونِ هذهِ الاختلافات من الأمورِ الطبيعيةِ والملازمة لحياةِ البشر على الأرض . بمعنى أَن الإنسان أَصبح عبر القرون أقل رفضًا وغضبًا منْ تِلك الاختلافات وأَكثر قبولاً للتعايش معها. ومع تطور الحياة المدنية، نما شعور بأَن لوم الآخرين لمجردِ كونهم مُختلفين، هو مَوقف غير إِنساني وقد يَبلغ حد أَن يَكون هَمجيًا.

ومما لا شَك فيه، أَن الحضارة الإسلامية كانت أَفضل من الحضاراتِ القديمة الأخرى في اتسامِها بدرجةِ تَسامح عالية مع "الآخرين". والدَليل القاطع الذي نشير إليه دائمًا، هو الفارق بين "المسلمين" و"المسيحيين" خلال العصور الوسطى. فبينما عاش "المسيحيون" و"اليهود" حَياة طيبة في ظلِ الدولةِ الإسلامية (من العباسيةِ حتى العثمانية) فإن المسلمين قد تَعرضوا في أسبانيا -بعد خروج العرب- لاضطهاد وتَعذيب بربري فظ. أَما اليهود فقد عاشوا في "حاراتِ اليهودِ" وكأنهم "أمراض خبيثة" يَخشى المجُتمع على نفسه مما بها من أوبئة فَتاكة.

ومن المُهم للغاية أن نُبرز أَن الدولة العثمانية التي عاش يهود ومسيحيو فلسطين وسوريا ولبنان والعراق ومِصرَ تحت رأيتها كان من الميسور لها عمليًا أَن تَفعل -على الاقل - مَثلما فعلُه المسيحيون بالمسلمين في الأندلسِ عندما أَفل نجم الدولة الإسلامية في هذا القطرِ.

أَما إِذا عدنا للعصرِ الحديثِ، فإِن التَسامح بمعنى قبول أَن الآخرين مُختلفون في أشياء عديدةٍ منها الدين والعرق والعادات والمقدسات والتقاليد، كان ولا يزال ظاهرة ثقافية في المقامِ الأولِ. فكلما تَشبع المجُتمع بالتعليم والثقافةِ، كلما كان أَبناؤه أََكثر تَسامحًا مع الآخرين وأَكثر قبولاً لفكرةِ أَن الاختلاف بين الناس أَمرٌ طبيعي ويجب أَن نَعيش معه في هدوءٍ وسكينةٍ.

ورغـم يَقيني أَن الحَضـارة التي تُعـرف الآن بالحضارةِ الغـربيـة اتسمت تاريخيًا بالتـعصبِ العرقـي، إِلاَّ أَن الواقع يُحتم علينا أَن نَعتـرف أَن الازدهـار الثقـافــي في العالمِ الغــربي قـد حــوّل أبناء هـذه المجتمعات لدرجةٍ أفضـل من التَسامح . ويكفي أَن نُلاحظ التَحول الكبير الذي تم خلال نصف القرن الأخير في الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية . فإسرائيل لم تَعُد تجد اليوم في أَوروبا من التفهمِ والتأييدِ والمساندةِ ما كانت تجَده عندما تَكونت (في سنةِ 1948) لأن الثقافة والوعي جَعلا مُعظم الأوروبيين يرون شرعية الحق الفلسطيني ويرون إسرائيل وهى تكيل في العديد من الأمور بمكيالين، ولولا الوعي والثقافة لظلت الشعوب الأوروبية سادرة في غيها الذي كانت عليه منذ قرابة نصف القرن. ولكن هذا القول لا يَنطبق على الولايات المتحدة لاعتبارات لا تخفى عن أَحد وأَهمها أَن مُستوى مَعرفة المواطن الأمريكي بالعالمِ الخارجي هو مُستوى ضَحل بشكلٍ لا يكاد عقل الإنسان أَن يَتَصَوره - ناهيك عن كونِ الإنسانِ الأمريكي بَعيدًا للغايةِ عن أَن يوصف بأنه إِنسان مُثقف .

ولكننا عندمـا نَعود لمنطقتـنا مـن العالـمِ، فإننـا لا نملك إِلاَّ أَن نَعترف بحقيقةٍ بالغـة الخطورة، وهى أَن درجة تَسامحنا قد أَخذت في التقلصِ والضمورِ خلال العقود الأخيرة بشكلٍ مُذهل . فمنُذ قرابة نصف القرن، كان المُناخ الثقافي العام لدينا مَشحونًا بعددٍ من القيمِ الإنسانية المُستقرة في وجداننا بوجه عام وفى وجدان الطبقة التي تمثل قيادة المجتمع فكريًا وثقافيًا بوجه خاص، وكان من هذه القيم أَن الاختلاف سنةٌ من سُننِ الحياة ومعلم من معالمِ التَواجد الإنساني على الأرض . وكان هذا الجو الثقافي يَجعلنا أَبعد ما نكون عن "الصيغةِ الفكريةِ" التي نمَت خلال السنوات الأخيرة والتي تُقَسم الناس إلى "نحن" و"هم" وفى نفسِ الوقتِ تجَعل "نحن" في "رصيفِ الصوابِ" أَما "هم" ففي "رصيفِ الخطأِ". وهى صيغة أقل ما يُقال عنها إنها تَتَسم بالسماتِ التالية:

• أَنها صيغةٌ "غير إنسانية" و"عدوانية" وتُشكل حالة تَضاد فكرى وثقافي كاملة مع حقائق العصر العلمية والثقافية.

• أَنها صيغةٌ "غير سلمية"، بمعنى أن مسايرتها حياتيًا أمرٌ لا يؤدي لاشتراكنا في حياةٍ سلمية على الأرض مع الآخرين، إِذ أَنها صيغة تَقود إِلى "المواجهةِ" و"التضادِ" و"الصدامِ" مع الآخرين .

• أَنها صيغةٌ تُخالف روح السلام والإنسانية العميقة الواردة في أصولِنا الحضاريةِ الدينيةِ الإسلاميةِ والمسيحيةِ على السواءِ .

كنا إذن - منذ قرابة خمسين سنة - نعيش في ظلِ مناخٍ ثقافيٍ يَسمح لمبدأ التسامح أَن يَحكم روحنا العامة . إِلاَّ أَن واقعنا قد شهد - في سنواتٍ لاحقة - أَشكالاً من الفشل، جعلت هذا المُناخ الثقافي العام يتزلزل. ففي صباحِ الخامس من يونيه 1967 تجَسد الفشل الكامل لتيار سياسي بُرمته . وخلال السنوات التالية، ظهرت معالم الفشل العام في إِدارة حياتنا الاقتصاديـة . وتبع ذلك، تَشققات كُبرى في واقعنا الاجتماعي . ولما تجَسَدت تلك الأشكال المُختلفة للفشلِ، صار من حق البعض أن يَظُن أَنه صاحب "طرح" أَفضل . وعندما سَمحت الظروف العامة لأصحاب هذا الطرح بأَن يروجوا لطرحِهم الفكري (المُجافى تمامًا لروحِ العصر والتمدن والعلم) ظهر بوضوح أن هذا الطرح لا يحمل ذرة من التسامح الفكري، بل هو التَجسيد الأوضح أَمام عيوننا لصيغة "نحن" و"هم" بكل ما تَعنيه من مُغالاة وتَشَدد.

ومن المهم للغاية أن نبدأ عملية التصحيح الثقافي لهذا العيب الخطير والذي أصبح يشوب تفكيرنا المعاصر بالوقوف على حقيقة وكنه المشكلة: فنحن -اليوم- أقل تسامحًا وأكثر تعصبًا لمعتقداتنا عن الحد الذي كان يجب أن يكون أقصى مدى نصل إليه في هذا الصدد . ويجب أَن نُدرك أَن عدم تَعاملنا - بموضوعية وعلمية - مع هذا العيب من عيوب تفكير معظمنا سوف يؤدي لاتساع الهوة بيننا وبين العالم (لاسيما العالم السائر على طريق التقدم).

كذلك يجب أَن نَرى العلاقة الوثيقة بين هذا العيب من تفكيرنا (تَقلص التَسامح) وبين عيب آخر شاع وذاع في طرائقِ تفكيرنا وهو الإيمان الغريب بنظريةِ المؤامرة. فاجتماع العيبين سيؤدي بنا لعزلةٍ هائلةٍ عن العالمِ الخارجي وبالذات الأجزاء ذات القيمة والأهمية الاقتصادية والثقافية والاستراتيچية من هذا العالم الخارجي .

ورغم أَننا أَصحاب حق تاريخي لا يدحض في عددٍ من المعضلاتِ السياسية الكُبرى في واقعِنا، إلاَّ أَن اتسـام تَفكير معظمنا بهذين العيبين (الإيمان المُطلق بنظريةِ المؤامرةِ وتَقَلص التَسامح) جعل خطوط التفاهم والحوار بيننا وبين القوى المؤثرة في العالمِ الخارجي إما مقطوعة أو شبه مَقطوعة . كذلك فإِن اجتماع العيبين أَعطى أَعداءنا التاريخيين (في قضايا ليسوا هم أصحاب الحق الاقوى فيها) مكانة أَفضل في عينِ القوى المؤثرة في العالمِ الخارجـي .

ومن المُؤكد أَن تَقَلص التَسامح هو عيب لا يشوب تَفكيرنا -فقط- في تعاملاتنا مع الغير أي مع العالم الخارجي، بل إنه عيب يؤثر فى مواقفِنا الداخلية، بمعنى أَننا في حواراتِنا الداخلية أصبحنا محكومين بهذا العيب الكبير بشكلٍ مهول بل إن الآراء المُختلفة داخل كل جبهة أصبحت تتناحر بروحٍ لا تُعبر عن شئ مثل تعبيرها عنْ تَقَلصِ التَسامح.
ومما لا شك فيه أَن "مؤسسات التعليم" ثم "وسائل الاعلام" ثم "سائر الجهات الثقافة" هي المنابر ذات القدرة على التعامل العلمـي والموضوعي مـع هـذا العيب الفتــاك من عيـوبِ تفكير السـواد الاعظـم فـي واقعِنـا . وللأسف الشديد فإن إِحـراز نجاح وتقدم كبيرين في هذا المجال هو أمرٌ بالغ الصعوبة، إِذ أَن آثار وثمار برنامج إصلاحي فعّال في هذا المجال (من خلال المنابر المذكورة) لا يمكن أن تُلمس قبل بضع سنين، فكل الإصلاحات التي تَتم منْ خلالِ مؤسسات التعليم والاعلام والثقافة هي من قبيل الاستثمار طويل الأجل، وإن كان استثمارًا مضمون النتيجة ومُجديًا وفعالاً على المدى البعيد، ولا يتوفر أي بديل يغنينا عنه .

************

٢
لأقل قليلاً من عشرين سنة أتاح لى العملُ في مؤسسةٍ دولية أن أكتشفَ -وبجلاءٍ تامٍ- قدرَ التباين بين ثقافةِ ما يسمى بالعالمِ الغربي وثقافتنا فيما يتعلق بجزئية مُحددة هي "رحابة الصدر للنقدِ". وخلال النصف الثاني لهذه الفترة -غير القصيرة- أتاح لي تبوؤ الموقع القيادي الأول في هذه المؤسسة رؤيةً أَعمق لهذه الجزئيةِ ولحقيقةِ أَن "النقدَ" هو أهمُ أدواتِ الفكرِ التي صنعت المجتمعاتِ الغربيةَ المتقدمةَ، وأَن النقدَ يوجه للكبار بنفس قدر توجيهه لمن هم أقل منهم أهمية وموقعًا على خريطةِ الهرمِ الاجتماعي.

لقد أَثبتت لي تجربةُ السنوات العشرين أَن الهوةَ بين ثقافتِنا وثقافتهم في هذا المجال شاسعةٌ. فالنقدُ للأشياء والظواهرِ والأفكارِ والأشخاصِ والمسلماتِ هو "معلم"ٌ من "معالمِ" الثقافة التي ساهمت في بناءِ المجتمعاتِ الغربية المتقدمة. والنقدُ أداةٌ يتعلمها ويكتسبها الإنسانُ منذ فجرِ وعيه وإدراكِه. فهو يتنفس هواءً يسمحُ بالنقدِ -من البدايةِ- لكل ما حوله. فالصغيرُ يتعلم أن كلَ ما يحيطُ به من "أشياء وأشخاص" قابلٌ للنقدِ، كما يتعلم أَن يُمارس هذا النقد في ظلِ قبولٍ عامٍ له ودرجةٍ عاليةٍ من الهدوءِ وعدم التوتر والغضب الذين يحدثهم النقدُ في أَجواءٍ ثقافيةٍ أُخرى.

وتأَتى برامجُ التعليمِ لترسخ هذا الاهتمام بالنقدِ. كما أن المناخَ العام (بعناصرِه السياسيةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ) يعمل على ترسيخِ نفسِ الاهتمامِ بالنقدِ كأَداةِ بناءٍ بالغةِ الأهميةِ وكأَهمِ وسائلِ الارتقاءِ بكلِ النظمِ والمؤسساتِ والأفكارِ والممارساتِ.

أَما ثقافتُنا، فقد واصلت نظرتَها العاطفية الممزوجة بالغضبِ تجاه النقدِ بوجهٍ عامٍ وتجاه نقدِ المسلماتِ (وما أَكثرها في واقعِنا) والشخصياتِ التي تتبوأ مواقعَ القيادةِ. بل إننا - في حالاتٍ غير قليلة- ننظر لنقدِ هذه الجهاتِ وكأَنه عملٌ تخريبي وهدّام بل و يصل الشعورُ تجاهه أَحيانًا لحدِ اعتباره عملاً يقرب من أعمال الخيانة.

وضيقُ الصدرِ بالنقدِ من المسائلِ التي تتغلغل في عقولِ أبناءِ وبناتِ مجتمعنا منذُ الصغر ويترسخ كأحدِ ملامحِ ثقافتنا ثم تأتى سلبياتٌ أُخرى شاعت في تفكيرِنا المعاصر لتجعل المسألةَ بالغة الحدة: فعندما يجتمع ضيقُ الصدر بالنقدِ مع تقلصِ السماحةِ واتسامِ التفكيرِ بالشخصانيةِ (والبعدِ عن الموضوعيةِ) مع النظرةِ الضيقة للآخرين (بصفتِهم إِما معنا أَو ضدنا) والتعصبِ الشديدِ لأمجادِ ماضينا والميلِ الجارفِ لمدحِ الذاتِ -عندما يجتمع "ضيقُ الصدرِ بالنقدِ" مع هذه المعالم الأخرى الواضحة التي شاعت في جونا الثقافي، فإن حدةَ ودرجةَ الضيقِ بالنقدِ تبلغ أبعدَ مدى وتصبح النظرةُ للنقدِ مشوبةً بالغضبِ والتوترِ والشكِ في النوايا والإحساس بوجود خطر متربص بنا، ولن يكون من العسيرِ علينا إِدماج كل ذلك في الاعتقادِ بوجودِ تآمرٍ كاملٍ ضدنا.

ولا أعتقد إنني بحاجةٍ لضربِ أمثلةٍ على اتسامِ جونا الثقافي العام بالضيقِ الشديدِ من النقدِ، فخلال سني العقود الأخيرة تكررت مئاتُ الحالاتِ النمطيةِ التي جسدت هذه الظاهرة بل أَكدت أَن هذه الصفة (ضيق الصدر الشديد بالنقد) قد أصبحت من معالمِ الكثيرين بما فيهم قيادات فكرية وثقافية، فأصبح الجدلُ والحوارُ حولَ مسائلَ فكريةٍ تجسيدًا جديدًا لدرجةِ ضيقنا من النقدِ وتوترنا وغضبنا منه.

ولنأخذ أمثلة قليلة تكررت وقائع مماثلة لها بأَشكالٍ تكاد تكون مضاهية تمامًا:

فالذين يدعون للاحتفالِ بمرورِ قرنين على العلاقاتِ المصريةِ الفرنسيةِ يتبادلون مع الذين يستهجنون هذا الاحتفال أنماطًا من التهمِ وأساليبَ من التجريحِ تُجسد عجزنا عن الاختلافِ والنقدِ بتعقلٍ ورويةٍ.

والذين يعتقدون أَن الحوارَ مع العدو التاريخي هو السبيل الوحيد للخروجِ من واقعٍ مترعٍ بالجراحِ، يواجهون بطوفانٍ من الكلماتِ والألفاظِ الحادة التي تجردهم من كلِ ميزةٍ وصفةٍ طيبةٍ بما في ذلك صفة المواطن المحب لوطنِه الحريص على واقعِه ومستقبلِه.

وعشرات . . . بل مئات الأمثلة التي تؤكد أَننا إِما أن نتفقَ تمامًا وإما أن ننطلق إلى مرحلةِ التراشقِ بأَشدِ الكلماتِ حدة وتجريحًا. أَما مرحلةُ النقد الهادئ والموضوعي والقائم على أُسسٍ عقلانيةٍ، فمرحلة يندر أن نمر بها، لأن مُعظمنا لم ينشأ ولم يتدرب عليها ولم يكتمل وعيه وإِدراكه في جوٍ ثقافيٍ عام يؤمن بجدوى وإيجابيةِ وفعاليةِ النقد. ولا يدل على أَننا لا نعترف بالنقدِ (إلاَّ عند التشدق بالشعاراتِ) إلا خلو وسائل إعلامِنا خلال السنوات الثلاثين الأخيرة من مقالٍ أو حديثٍ واحدٍ يتضمن نقدًا لرموزِ الحكم السياسي في مجتمعِنا. فإذا كنا نسلم بوجودِ النقدِ في حياتِنا العامة، وإذا كنا نسلم أَن الذين حكمونا خلال السنوات الأخيرة هم بشرٌ غيرُ معصومين، وإذا كنا نؤمن بأَن اختلافَ الرأي لا يفسد للود قضية، فليدلنا من يقدر على مقالٍ أو حديثٍ واحد نشر في مصرَ في وسائلِ إعلامِنا المرئية أو المسموعة أَو المطبوعة ويتضمن نقدًا للتوجهات السياسية الأساسية للحكمِ. فإذا لم يوجد كان ذلك أوضحَ دليلٍ على ضيقِ الصدرِ بالنقدِ ضيقًا يجب أن يقلقنا ويجعلنا متحمسين لمعالجةِ هذا الداء من أدواءِ جونا الثقافي العام بكلِ السبلِ التي تسمح بنموِ قبولنا للنقدِ والذي بدونه لا يمكن صنع المستقبلِ المنشودِ.

لقد حاولَ ابن رشد منذُ ثمانية قرون إحياءَ العقلِ وإبرازَ قيمته الكبرى فضربه الجميعُ في مجتمعاتنا وتبنته فرنسا ليكونَ أداتَها الكبرى في هزيمةِ الثيوقراطيةِ . انظر لما يكتبُه رجلٌ جاء لنا (عقليًا) من رحمِ القرونِ الوسطى كل أسبوع بجريدةِ الأخبارِ لتعرفَ لماذا نتحركُ (بسرعةٍ) للخلفِ، إنه معولُ هدمٍ أسبوعيٍّ (وفي جريدةٍ واسعةِ الانتشارِ) لكل قيمِ الإنسانيةِ والتمدنِ والتقدمِ ولا يعرف هذا الكاتبُ الجيوراسي (أي من الحفرياتِ) أنه يتكلم عن صورةٍ مجيدةٍ لم توجد في يومٍ من الأيامِ – إنها صورةٍ من صنعِ الخيالِ والوهمِ أما الواقع فقد كان عامرًا بالقتلِ والدمِ (مثله مثل أحوال الدنيا في تلك القرون). ويتحدث هذا الكاتب الجيوراسي عن "الآخر" كشيطان. والواقع أن الآخرَ ليس شيطانًا وليس أيضًا ملاكًا . ولكن العقلَ القبليَّ لا يستطيع أن يدركَ إلاَّ أن الآخرَ هو العدوُّ الذي يريدُ هدمنا وينبغي علينا محاربته بالسيفِ واللسانِ – وتلك ظاهرةٍ طبيعيةٍ بالنسبةِ لمناخٍ ثقافيٍّ مثل مناخِ الصحراء التي ليس فيها إلاَّ القبلية والعزلة والرمال التي من ورائها يأتي الخطرُ . إن الآخرَ هو (في الحقيقةِ) ما ينبغي أن نندمجَ في حواراتٍ لا تنقطع معه للاستفادةِ والعملِ المشتركِ والتواصلِ الإنسانيِّ – علمًا بأن العقلَ القبليَّ البدويَّ ليس بوسعِه أن يفهمَ معنى كلمة "الإنسانية" . لقـد كان للآخرِ دورًا رائعًا في حياتنا خلال القرنين الماضيين في سائرِ المجالاتِ ومن بين ذلك الصحافةِ والمسرحِ والأدبِ والترجمةِ والفكرِ بل إنني أزعمُ أن مصرَ كانت بوتقةَ انصهارِ المصريِّ مع الآخرِ انصهارًا إيجابيًا مُنتجًا وفعالاً، أنتجَ عشرات الآثارِ الراقيةِ والجميلةِ، أما العزلة فقد أنتجت قبحًا لا يخفى اليوم على أحد . إن أمليَ كبيرٌ في أن تكونَ الاقلياتُ في البلدانِ الناطقةِ باللغةِ العربيةِ هي "الموصل" لعدوى التقدمِ والتمدنِ والسيرِ تجاهِ "العصرِ الذي نعيشه" لا "تجاه الماضي الذي ينتمي لظلامِ القرونِ الوسطى" .
وهنا فإنني لا أَجد عبارة أفضل من عبارةِ الفيلسوف العظيم "كانط" والتي أكررها دائمًا والتي تقول "إن النقدَ هو أفضلُ أداةِ بناءٍ عرفها العقلُ البشرى".









الفصل الخامس
مرونة الوسطية (أو مرونة الحلول الوسط)


وإلى جانب غياب العقل النقدي في عموم حياتنا فإنني أتشككُ في وجودِ طبقة إنتليجنسيا في سائر البلادِ التي تتكلمُ باللغةِ العربيةِ. فمنذ الخمسينات ومعظمُ النظم العربية شديدةُ الحرصِ على إيجادِ ما أُسميه "المثقف الرسمي" . هذا المثقف قد يكون قارئًا ممتازًا وباحثًا جيدًا، ولكنه في معظمِ الحالاتِ "موظفٌ عامٌ" لا يملك من الاستقلاليةِ ما يَلزم لتكوينِ طبقةِ إنتليجنسيا حرة ومؤثرة لا تدور في فلكِ الحكوماتِ كما هو الأمرُ في معظمِ البلادِ العربيةِ. فمن المؤسف أن أعدادًا غير قليلة من العقولِ في مجتمعاتنا تم اصطيادهم بالبترودولار البدوي وعددٌ أخرٌ تم إصطيادهم بالبترودولار البعثي … وأعدادٌ غفيرةٌ تم اصطيادهم بقانونِ جاذبيةِ الوظيفةِ العامةِ – وهكذا أصبح الواقعُ في معظمِ هذه البلادان شبهَ خالٍ من المثقفِ الحرِ، ودليلي الإضافي على ذلك أن معظمَ المثقفين في واقعنا يرددون ذات الآراء في معظمِ المسائلِ، وهي ظاهرةٌ غير إنسانيةٍ وغير ثقافيةٍ .

وتكتمل درامية الصورة بأن ندرك أن "العقل" في مجتمعاتنا قد أصابته ضربتان أو هزيمتان كبريان: أما الهزيمةُ الأولى فهي التي تمثلت في اكتساحِ مدرسةِ النقلِ في القرونِ من العاشرِ إلى الثالثِ عشر (الميلادية) مدرسةَ العقلِ التي تمثلت في تلاميذِ أرسطو وشُرَّاحه وعلى رأسهم العقلُ الفذُ (ابن رشد) . إن هزيمةَ هذه المدرسةُ أغلقت قرونًا من الانتعاشِ الفكريِّ النسبيِّ ومهدت لقرونٍ من الركودِ والجمودِ والخمودِ . وأما الهزيمةُ الثانيةُ فهي هزيمة مدرسةِ التنويرِ المصريةِ والتي شخَّصها أحمد لطفي السيد وسلامة موسى وطه حسين وعلي عبد الرازق والعقاد (قبل تراجعِه الذي عاصر فصلَه من الوفدِ) وربما كان آخرُ هؤلاءَ لويس عوض وحسين فوزي وزكي نجيب محمود . كانت مصرُ في العشرينيات تبحثُ عن تألقٍٍ ثقافيٍّ بوصفِها واحدةٍ من دررِ البحرِ الأبيضِ المتوسطِ وعلى أساسٍ من ثمارِ عصرِ النهضةِ . ولكن ظروفًا معروفةً واكبت المدَّ الفاشيَّ في الثلاثينياتِ وكذلك هزيمةِ الليبراليةِ المصريةِ جعلت مدرسةَ التنويرِ الحديثةِ في مصرَ تنهزمُ لصالحِ قوى الفاشيةِ أو الرجعيةِ . ومع ذلك، فإنني على يقينٍ أن مدرسةَ تنويرٍ ثالثةٍ بدأت في التواجدِ على الساحةِ الآن وأن المستقبلَ لها حتى وإن لم ير التنويريون المعاصرون حدوث ذلك في حياتهم . و يقيني مطلق في أن معركةَ التقدمِ مع التخلفِ لها نهايةٍ واحدةٍ هي انتصارُ التقدمِ وانحسارِ التخلفِ – ولكننا قد لا نرى نهايةَ هذه المعركةِ.

لقد استرعى انتباهي منذ سنواتٍ أن لغتنا (الفصحى والعامية) لا توفر ترجمة لكلمةِ (Compromise) الإنجليزية إلاَّ بأكثرِ من كلمةٍ واحدةٍ . فأغلبُ الظن أن الترجمة الشائعةَ والذائعةَ لهذه الكلمة الإنجليزية هي "حل وسط" . وقد حاولتُ كثيرًا أن أجدَ في المعاجمِ والقواميسِ العربية القديمة والحديثة ترجمة لهذا المصطلح الأجنبي والشائع (بتغييراتٍ طفيفة في الحروف) في كل اللغات الأوروبية سواءً منها التي تعود للعائلة اللاتينية أو للعائلة الجرمانية أو للعائلة اليونانية أو أخيرًا التي للعائلة السلافية . وقد واجهتني نفسُ المعضلةِ مع كلماتٍ أخرى ليس هذا مجال التطرق إليها وإن كانت أهمها كلمة (Integrity) التي ذاع استعمالهُا في لغاتِ أوروبا وأمريكا الشمالية خلال العقودِ الأخيرةِ ذيوعًا واسعًا للغايةِ، وهي أيضًا كلمة لن تترجم إلى العربية بأقل من ثلاث وربما أكثر من الكلمات . ولما كانت اللغة هي ليست مجرد "أداة اتصال" وإنما هي "وعاء ثقافي" تصبُ فيه القنواتُ الثقافية وطرائقُ التفكيرِ وروحُ التعاملِ مع الأشياء والآخرين فقد انتهيت (بشكلٍ نسبي)، إلى إنني أمام ظاهرة ذات دلالاتٍ ثقافية (وبعد ذلك: سياسية واقتصادية وإجتماعية عديدة). وأثناء ما يقلُ قليلاً عن عشرين سنة من التواجدِ في مؤسسةٍ دولية، أتيح لي أن ألاحظ في ظلِ وجودِ زملاء ينتمون لأكثر من مائة جنسية أن الأفرادَ الذين ينتمون لخلفيةٍ أوروبيةٍ غربية يستعملون الكلمة (Compromise) أكثر من الذين يجيئون من خلفياتٍ ثقافيةٍ شرقيةٍ بل لاحظتُ أن الآخرين أقل استعمالاً للمصطلح من المجموعةِ الأولى . ولما كانت دراسةُ الثقافاتِ المختلفة واحدة من أهم هواياتي ولاسيما المقارنة بين العقل العربي والعقل اللاتيني والعقل الأنجلوسكسوني، فكما إنني لاحظتُ أن العقلَ العربي أقل استعمالاً للكلمة من العقل اللاتيني فإن العقل اللاتيني أقل استعمالاً للكلمةِ من العقل الأنجلوسكسوني، وهي ملاحظة لن يكون من العسيرِ تفسيرها: فتأصيل التفكير على أرضيةٍ من المبادئ الفلسفية/ الدينية (وهو ظن أكثر منه واقع) بالنسبة للعقل العربي تجعل من الطبيعي أن يكون استعمال الكلمة (Compromise) ومعناها أقل من استعمال العقل اللاتيني لها وإن كان العقلُ اللاتيني أيضًا محكومًا بأساسٍ فلسفي (وإن كان أثر الدين فيه أقل) إلاَّ أنه بالمقارنةِ بالعقل الأنجلوسكسوني يُعتبر عقلاً أقل استعمالاً للكلمةِ ومعناها (Compromise) . فالعقلُ الأنجلوسكسوني والذي يسود ويقود العالمَ اليوم بانفرادٍ لا مثيل له (الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا) مؤسسٌ على قواعد مختلفةٍ : فأبرز فلاسفة بريطانيا منذ ثلاثة قرون "جريمي بينتام" كان يؤسس النظم والقوانين والمؤسسات والأفكار على أساس النفع (النفعية) أما الولايات المتحدة الأمريكية فيمكن ببعض التبسيط أن يقول المرءُ إنها أنتجت فيلسوفين كبيرين هما ويليامز جيمس وجون ديوي ترجما في أعمالهما نفس أفكار جريمي بينتام ولكن باختلافاتٍ أملتها تطوراتُ الزمنِ والأحداث وتحت مسمى آخر هو البرجماتية (Pragmatism) . ورغم تمسك الشعوب الآسيوية (من الأرومات الصينية واليابانية والهندية) بمعظم خصوصياتها الثقافية إلاَّ أنها (بذكائها غير المنكور) قد تعلمت معنى المصطلح الإنجليزي (Compromise) قبل إن تتعلم شكله اللغوي وصارت في كل أمورِها تميلُ إلى حلولٍ متسمة بطابع الـ(Compromise) . وحتى الشعوب اللاتينية فقد غزتها فكرةُ المصطلح قبل إن يغزوها المصطلح نفسه (Compromise) وأصبح ذلك واضحًا لكل من يطالع الكتابات السياسية في الفكر السياسي في الدول اللاتينية .. بل إن الإنسانَ لا يعجب عندما يجلسُ ليشاهد واحدة من القنوات الفضائية الفرنسية فيجدُ مسئولاً اقتصاديًا كبيرًا يتحدثُ باللغةِ الإنجليزية (وهو ما كان من المستحيلاتِ منذ ثلاثة عقودٍ فقط) ويعرضُ أفكارًا تحركها روحُ المصطلحِ محل هذا المقال (The Compromise) .

فإذا ما انتقلنا إلى منطقتنا من العالم وجدنا أعدادًا كبيرةً من الناس ومن المتعلمين بل من الصفوةِ تقرن المصطلح (Compromise) بمجموعة من المعاني الأخرى مثل "التنازل" و"التراجع" و"التخلي" و"الضعف" و"الهزيمة" – وهي أمور لا تخطر على بال الإنسان الغربي وهو يستعمل مصطلح (Compromise) لأن تعليمه بكل أشكالِه (في مجالاتِ العلومِ التطبيقيةِ وفي سائرِ مجالاتِ الدراساتِ الاجتماعيةِ والإنسانياتِ) يغرسُ في أعماقه أن ما يسود من أفكارٍ ما هو إلاَّ (Compromise) .. بل إنه يعرفُ ببساطة من دراسته قبل الجامعية أن معظمَ الظواهرِ الطبيعية هي من قبيل الـ (Compromise) . كما أن ثقافات الأمم التجارية (ولعل بريطانيا هي أكبر أمة تجارية في التاريخ الإنساني) قد عملت على تأصيل فكرة الـ(Compromise) في شتى مجالات الحياةِ والتفكيرِ والتعاملاتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والثقافيةِ والاجتماعيةِ بل الإنسانيةِ . وإذا كانت الأمثال العامية لدينا تعكسُ صورةً واضحةً لفهمٍ سلبي لمعنى ومصطلح (Compromise) فإن عشرات الأمثال الشعبية البريطانية تدلُ على العكس تمامًا .

ورغم أن النصوص الأصلية في الدين الإسلامي تصلحُ بشكلٍ كامل لتأسيس ثقافةٍ متسمة بالـ(Compromise) إلاَّ أن التاريخ الإسلامي (والعربي منه بوجهٍ خاص) قد شابته روحٌ مناقضة تمامًا للروح التي تخلقها ثقافةُ الـ(Compromise) . ويشهدُ تاريخنا الحديث عشرات الخسائر التي ما كان لها أن تحدث لو أننا لم نكن ننظر إلى مصطلح ومعنى الـ(Compromise) كمرادفٍ للتنازلِ والتراجعِ والخضوعِ والتفريطِ وأحيانًا يبالغ كثيرون منا من عشاقِ الانتصارات الخطابية فيضيفون كلماتٍ مثل (التركيع والانبطاح) .

والحقيقة المؤكدة أن أي خلافٍ أو تعارضٍ أو صراعٍ هو موضوع تجاذب (متعارض) بين آراء مختلفة ومستويات قوى مختلفة : وكلُ ذلك يملي أن حلاً لا يقومُ على مصطلح ومعنى الـ(Compromise) هو أمرٌ مستحيل لأنه يعني إلغاء إرادات ومصالح وقوى طرف بشكلٍ كامل . وهو أمرٌ مخالف لقوانين العلم والطبيعة والحياة بأسرها . وعندما يكتبُ مفكرٌ مصري هو الدكتور ميلاد حنا مئات الصفحات عن نظريته في قبول الآخر وعندما يكتبُ مفكرٌ مصري عظيمٌ آخر هو الدكتور مراد وهبة مئات الصفحات عن استحالةِ أن يتملك أحدٌ الحقيقة المطلقة فإنهما معًا يساهمان بنبلٍ فكريٍّ نادرٍ في واقعنِا في عمليةِ إرساءِ قواعدِ وثقافةِ وفكرِ ومعاملاتِ الـ(Compromise) .

ولا أزعمُ إنني أولُ من يتطرق بين كتابِ مصرَ لهذا الموضوع: ففي منتصف الخمسينيات حاول توفيق الحكيم ذلك في كتابه "التعادلية" ولكنه من جهة كان يعيشُ زمنًا مختلفًا بالكليةِ عن الزمنِ الراهنِ مما انعكس على المنتجَ النهائي الذي قدمه كما أنه (ويؤسفني أن أقول ذلك نظرًا لإعجابي العميق بعبقرية توفيق الحكيم الإبداعية) لم يتطرق بعمقٍ للموضوع الذي عرضه – وربما كانت الثقافة السائدة في مصرَ يومها هي السبب وراء افتقاد كتابه "التعادلية" للعمق الواجب ناهيك عن أن مصطلح التعادلية يعطي أبعادًا ومعانٍ تختلفُ عن مصطلح الـ(Compromise) .

وأعتقدُ أن انتشارَ ثقافةٍ دينيةٍ تقومُ على (النقلِ) كان من الأسباب بالغة الأثر على عدم تطوير فكرة وآلية الـ(Compromise) في تفكيرنا : فإذا كنا نتحدث (الآن) مع ابن رشد أو الجاحظ (والأخير من أدباء المعتزلة) لكان من الممكن أن نشرح لهما ويقبلا منا أن التفكيرَ العام يجب أن يتسم بروح وأبعاد معاني مصطلح الـ(Compromise) ولكننا إذ كنا نتحدث مع أئمة "مدارس النقل" مثل أحمد بن حنبل إلى ابن تيمية إلى ابن قيم الجوزية إلى محمد بن عبد الوهاب إلى عشرات الدعاة المعاصرين الذين أفسحوا المجال كاملاً أمام "النقل" وأغلقوا الباب كليةً أمام "العقل" فإن محاولاتنا ستكون أشبه بمحاولة ابن رشد منذ ثمانية قرون وقد تحدثُ لكتاباتنا مثلما حدث لكتابات ابن رشد (وإن كان ابن رشد بشكلٍ ما محظوظًا فرغم عدم تمكنه من هزيمةِ النقليين في دنيا الحضارة العربية/ الإسلامية إِلاَّ أنه هزم النقليين في دنيا الثقافة المسيحية - فلا شك أن ابن رشد وأفكاره قد قضت على أفكار توما الإكويني كليةً في القرن الثالث عشر ومن خلال المتحمسين لأفكار ابن رشد بكلية الآداب بجامعة باريس في ذلك الوقت - وربما ينصفنا التاريخُ في يومٍ من الأيام ويقول إن عربيًا مسلمًا كان وراء إنتصار "العقل" على "النقل" في زمن كانت أوروبا فيه ضد العقل وحرية التفكير بشكلٍ سافرٍ - ولولا هذا الانتصار للعقل على النقل لكانت أوروبا اليوم مثل القارة الأفريقية في درجاتِ التقدمِ والنهضةِ والرقي.

إن فريقًا من المفكرين الذي يجمعون جمعًا راقيًا بين الثقافة العربية والثقافة الإسلامية والثقافات الإنسانية عليهم أن يضعوا دستورًا موجزًا لغرس قيمة ثقافة الـ(Compromise) في عقول أبناءِ وبناتِ هذه الأمة (مصرَ) من خلال برامج التعليم ومن خلال منظومة فكرية تؤصل أن الـ(Compromise) هي المنتج الاقوى للطبيعة والحياة ومسيرةِ الحضاراتِ والثقافاتِ وأن الرأي الواحد أو الحصول (في نهاية الحوار) على كل شئٍ هو ضد منطق العلم والطبيعة والإنسانية والثقافة والحضارة.

ونظرًا لعدم تمكني من العثورِ في القواميسِ والمعاجم على كلمةٍ واحدة أُترجمُ بها مصطلح(Compromise) فقد اقترفت في هذا الفصل أمرين كنتُ أودُ عدم اقترافهما : إنني استعملتُ أولاً الكلمة الإنجليزية(Compromise) مرات عديدة ...كما استعملت ترجمة للمصطلح لا يمكن أن أكون راضيًا عنها، ولكنني تشبعًا بفكرة الـ(Compromise) عملتُ بموجبِ الحكمةِ المأثورة (ما لا يدرك كله لا يترك كله).

الفصل السادس
السلبية

السلبية كجزء من ثقافة الفقر :
هناك منظومتان لأثرِ الفقرِ على الشعوبِ، منظومة توّلد التذمر والرفض والتعبير عن ذلك بشكلٍ ظاهرٍ، ومنظومة توّلد "الرضا بما قسم القضا" – وهناك أسباب عديدة تؤدي إما للمنظومة الأولى وإما للمنظومة الثانية . والشعوب التي طال عهُدها بالاستبدادِ والقمع وتقديس الحكام والامتنان الشديد لهم هي الشعوب التي تعيش في ظلِ المنظومةِ الثانيةِ مكتفيةً بسخريتها من الأمور العامة واللاعبين على مسرح الحياة العامة في الأحاديثِ الخاصةِ. وفي بعض الشعوبِ تأخذ هذه الآلية شكل إفرازِ النكاتِ على السياسيين، وغالبًا ما تكون هذه النكات مرآةً لما كانت الشعوبُ تودُ أن تعبر عنه جهارًا ولكنها لفقدانها (لأسبابٍ عديدةٍ) سبل وإمكانية ذلك فإنها تترجم حقائق رأيها في شكل سخريةٍ ونكاتٍ تبلغ أحيانًا حدَ العبقريةِ في قدرتها على تكثيف الآراء والانطباعات في عباراتٍ ومشاهدٍ صغيرةٍ .ومما لاشك فيه أن الحكامَ الطغاة يدركون بوضوح أن استقلال شعوبهم الاقتصادي عنهم ووجود طبقة وسطى ذات استقلالية اقتصادية هما بوابة الجحيم بالنسبة لهؤلاء الحكام الطغاة، والتي من خلالها ستمر الشعوبُ من "أرضِ السلبيةِ" إلى "أرضِ المشاركةِ والمساءلةِ" وهو آخر ما يرغب فيه الحكامُ الطغاةُ، فكيف لهم بأن يسمحوا بأسئلةٍ علنيةٍ عن مصادرِ شرعيتهم وشرعيةِ مزاياهم ومزايا مساعديهم (خدمهم في الحقيقة) .

السلبية والتعليم والعمل الجماعي :
تقوم النظمُ التعليمية الحديثة في المجتمعات المتقدمة على أساليبٍ تربويةٍ لا يكون المدرسُ فيها بمثابة جهازِ إرسالٍ (مُحاضر) ولا يكون التلميذُ أو الطالبُ فيها بمثابةِ جهازِ استقبالٍ (مُستمع). وإنما تقوم على المُشاركةِ والحوارِ وتبادلِ وجهاتِ النظرِ وتقسيم التلاميذ إلى مجموعاتٍ تقوم بنفسها بالبحث عن الأجوبة والحقائق كما تقوم بتقديم خُلاصات بحثها بنفسها بعد جلساتِ تشاورٍ بين أعضائها وبعد أوقات تٌقضى في المكتبات . ويؤدي ذلك لتأصيلِ" روحِ الفريقِِ " وتعويدِ الأفرادِ على المُشاركة الإيجابية والإيمان بأن لكل إنسان الحق في البحث عنَ الحقيقة بنفسه والتعبير عما يُحصّله من معارف( أيضًا بنفسه) ويتم كلُ ذلك في جو تشيع فيه روحُ السماحة واحترام حق كل إنسان في الاختلاف دون أن يكون معنى الاختلاف تقسيم الناس إلى فريق أعلى وفريق أدنى . كذلك يتم ذلك دون إضفاء قدسية على المدرسين أو المؤلفين أو حتى القادة. وبسبب ذلك تتأصل قيمةُ روحِ العملِ الجماعي (الفريق) والتي هي المصدر الأول لوجود مواطن إيجابي – والعكس صحيح، ففي ظل نظم التعليم القائمة على التلقين وكون العلاقة بين المدرس والتلميذ هي علاقة بين (مُرسل) و(مُستقبِل) فإن روحَ العملِ الجماعي تذبل ولا يُتاح لها النمو المنشود ويكون من الطبيعي أن تنمو في ظل ذلك(السلبيةُ) وما تعنيه من تقاعس عن المشاركةِ في الأمورِ العامةِ بعد أن تَرسَخَ في العقولِ والنفوسِ أن واجبَ كل منا أن "يستقبل" المادة التي يرسلها المدرسُ ويحفظها عن ظهرِ قلبٍ ويقوم (بمفرده) بتفريغها على ورقةِ الإجابةِ .
كذلك فإنه عندما يكون النظامُ التعليمي قائمًا على "كم المادة محل الدراسة" وليس "نوع القيم المراد زرعها في العقول"، وعندما يكّرس النظامُ التعليمي (تقديس الحكّام) و(الامتنان لهم)، وعندما تسود الثقافة والبيئة التعليمية روحُ البعدِ الواحد، فالصوابُ هو أمرُُ محددُُ بالذات، وليس روح التعددية وهي جوهر التمدن والتحضر والتقدم، وعندما تخلو برامجُ التعليم من تأصيل قيمة قبول النقد وتعلم النقد الذاتي، عندما تتوافر كل هذه الأبعاد في البرامج التعليمية والبيئة الدراسية فمن الطبيعي أن تكون مؤسسةُ التعليمِ قد شاركت بدورٍ رئيسي في تدعيمِ السلبية عند من سيكونون في الغدِ القريبِ المواطنين الذين يتسمون بأكبرِ قدرٍ من السلبيةِ في مواجهةِ الحياةِ والشئون العامة والقضايا السياسية والمجتمعية بما في ذلك تقاعسهم المفهوم عن المشاركةِ في الحياةِ السياسيةِ وكفرهم بجدوى ذلك ناهيك عن افتقادهِم في المقام الأول لعنصر الاختيار والذي هو جوهر عملية المشاركة في الحياة السياسية .

السلبية وسيادة القانون :
تتشدق معظمُ النظمِ السياسيةِ في العالم الثالث بأنها " دول سيادة القانون " – وهو أمر يحلق في " سماءِ الكلامِ والتمني " ولكنه غالبًا ما لا يوجد في سماءِ الواقعِ . فمعظمُ هذه الدول تسود فيها القراراتُ الكبرى الصادرة عن " سيادة القوى العظمى للحكام " وهي قرارات تنبع من زوايا غير ديمقراطيةٍ وكثيرًا ما تكون إما غير علمية وإما مساندة للفساد والانحراف والمصالح الشخصية مع غيبةٍ شبه كاملةٍ لسيادة القانون المتشدق بها بالحناجر لا بالمواقف – بالاقوال لا بالأفعال . وفي ظل مُناخٍ عامٍ كهذا، لا يكون من المُستغرب أن تتفشى السلبيةُ، فالناسُ يشعرون بجدوى المشاركة في الأمور العامة عندما تكون محكومةً بحقٍِ بسيادةِ القانون وعلى العكس فإنهم ينكمشون داخل ذواتهم ويتقاعسون عن المشاركةِ عندما تسود تصرفاتُ الاقوياءُ النابعة من الهوى أو المصلحةِ وغالبًا ما تكون غير ذات جدوى بالنسبة للمجتمع . وهكذا، فإن هناك علاقة طردية بين (عدم سيادة القانون) و(سلبية المواطنين).

سلبية المواطنين ونظم الحكم الأوتوقراطية :
تتحدث معظمُ نظمِ الحكمِ غير الديموقراطية عن الشعبِ بصيغِ تمجيدٍ مُبالغ فيها، وقد كان لنظامى هتلر وموسوليني السبق الأكبر في هذا المجال. وفي ظل هذه النظم يكون هناك (شعب) دون أن يعني ذلك أن ألفاظ التمجيد و التفخيم و التعظيم التي تطلق عليه (أي على الشعب) تنطبق بنفسِ القدرِ على مفرداتِ كلمةِ الشعبِ أي (المواطن). فنجد إلى جوار صيغ التمجيد و التفخيم للشعب العظيم والمعلم معاملات يومية للمواطنين من جهاتِ الإدارةِ الحكوميةِ تشبه معاملة الأسرى الذين توجد سياسةٌ واضحةٌ لكي يساموا سوءَ العذاب و الهوان في كل تعاملاتهم سواء في الطريق العام أو مكاتب الإدارة أو مخافر الشرطة أو المستشفيات ففي كل هذه الجهات لا نجد أن تعبيرات تمجيد الشعب العظيم و المعلم تتحول لمعاملاتٍ إنسانيةٍ متحضرة لمفردات كلمة الشعب أي –المواطن- بل نجد معاملات تشبه السخرة . ومعنى ذلك ببساطةٍ أن نظمَ الحكمِ غير الديموقراطية تتشدق بمدح كائنٍ معنويِّ غير موجود تسمية (الشعب) . أما الشعبُ الحقيقي أي المواطنون فيلقون من نظم الحكم هذه و إداراتها من المعاملة ما يشبه معاملة المماليك للمصريين في زمنٍ من أكثر أزمنةِ تاريخنا ظلامًا حيث قمنا بأنفسنا ولأسبابٍ خفيةٍ بشراءِ عبيدٍ (المماليك) ثم وضعناهم على سدةِ الحكمِ لكي يمارسوا فينا أشكالاً وأنماطًا من الطغيان يصعب تصورها وإن كانت قد سادت و شاعت و ذاعت لقرونٍ من تاريخنا غير البعيد ولا تزال آثارٌ منها باقية في مناخنا الثقافي العام كما ذكر بإتقانٍ كاتبٌ مصري مجيدٌ في كتاب له بعنوان (تراث العبيد ).

السلبية وثقافة القطيع :
لا شك عندي أن النظمَ غير الديموقراطية قد أفرزت جوًا ثقافيًا عامًا يمكن (من زاويةٍ معينةٍ) أن نطلق عليه " ثقافة القطيع ". فالحكومةُ من جهةٍ تتعامل مع الشعب كقطعان .و الشعب من جهة يعتاد على ذلك فيسلك المواطنون أشكالاً عديدة من السلوك .تدخل كلها ضمن " سلوك القطعان " حيث تتواري الفردية التي هي (مع الديموقراطية) أعظم انجازات الحضارات الإنسانية وأساس كل ما يُقال عن حقوق الإنسان (بحق لا على سبيل تكدير البعض لنظم الحكم الطغيانية). ومن الواضح أن ثقافة القطيع لا يمكن أن تفرز إلا السلبية، فالإيجابية موقف فردي للإنسان بوصفه فردًا لا عضوًا من أعضاء القطيع .و ينسجم مفهوم القطيع ونظرة الحكومة للشعب كقطعانٍ مع فكرةِ الشعبِ المجردة والمطلقة والتي لا تعني دائمًا أن الشعبَ هو مجردُ لفظٍ للتعبيرِ عن مفرداتٍ منفصلةٍ هي المواطنين. وهكذا تكتمل الصورة : فالطغيان يخلق كيانًا وهميًا اسمه "الشعب" (ليس هو بالضرورة المواطنيين) ويخلق ثقافة القطعان وفي ظلها ينعم الطغاةُ بسلبية هائلة من المواطنين (أفراد القطيع) تبلغ قمتها عندما يكون السواد الاعظم من المتعلمين مخاصمين للمشاركة في أية انتخابات.
الفصل السابع
ثقافة الكلام الكبير (الحناجرة!)

مقتلُنا يكمن في لساننا -
فكم دفعنا غاليًا ضريبةَ الكلامْ. "نزار قباني..."

إذا خسرنا الحربَ - لا غرابةْ.
لأننا ندخلها بكلِ ما يملكه الشرقيٌ من مواهب الخطابةْ.
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابةْ.
لأننا ندخلها بمنطق الطبلةِ والربابةْ. "نزار قباني..."

في الستينيات كنا نتحدث عن قوتنا واصفين إياها بأكبر قوة في الشرق الأوسط ... ثم جـاء صبـاح الخامـس من يونيه 1967 ليفتـح عيوننا على حقيقة أن ذلك لم يكن إلا مجرد "كلام كبير" . وخلال نفـس السنوات كنـا نتكلـم عـن عـدونا التاريخي بصفـتـه "عصـابات يهـودية" ... ثـم جـاءت الأحـداث لتـثـبـت أن هــذا العـدو كان شيئًا أخطــر بكثيـر مـن "مجـرد عصـابات" ... كان كلامُنـا مـرة أخـرى مجرد "كلام كبير" . وعندما وصفنـا رئيـس وزراء بريطانيـا بأنه (خـرع) وهو لفـظ عامـي مصـري يعنـي أنه ليس رجلاً بالمعنى الكامل ... وعندما اقترحنـا على الولايات المتحدة الأمريكية أن تشرب من البحرين (الأحمـر والأبيـض) ... وعندما تحدثنا عن الصاروخ القاهـر وشقيقـه الظافـر... لم يكن ذلك فـي الحقيقـة إلا مجرد "كـلام كبيـر" . وعندما نستمـع الآن للأغانـي الوطنيـة التي أُنتجت في الستينيـات (ورغم اعترافنـا بجودة العمـل الفني وروعـة الحلـم الوطنـي والقـومي) فإننا نجـد عشـرات الأمثلة على كلام لم يكن إلا مجرد "كـلام كبيـر" . وعندما نترك الستينيات ونمر على السبعينيـات والثمانينيـات والتسعينيــات نجد أن "داء الكلام الكبير" ظل ملازمًا لنا بشكل لا يخفى على أحد؛ بل إنه وصل الآن إلى معظم مناطق حياتنا العامة، وأصبح الذين يتكلمون بلغةٍ غير لغته "ثلة من أشباه الغرباء" الذين يعزفون لحنًا غريبًا يصدمُ الآذان .

فنحن عندما نتحدث عن تاريخـنا، لا نستعمل لغة العلم والموضوعيـة وإنمـا نغـرق فـي زخم من الكلام الكبير . وعندما نتحدث عن واقعنا المعاصر، نحشر مرة أخرى "قوافل الكلام الكبير" . وحتى عندما نفوز في مباراة لكرة القدم، ينهمر "الكلام الكبير"؛ فرغم معرفتنا بأن مستوانا في هذه اللعبة الرياضية يقع ما بين “المتوسط" و"المتواضع" (على المستوى العالمي) فإننا لا نتردد ولا نتأخر عن استعمال أوصاف مثل (الفراعنة يهزمون( ونكون هنا متسقين مع "تيار الكلام الكبير" الذي عم واستفحل في تفكيرنا خلال نصف القرن الأخير .

وإذا تأملنا الصفحات الأولى بصحفنا ومجلاتنا وجدنا "جيوشًا عارمة من الكلام الكبير"... فكل لقاء هو "لقاء قمة"… وكل قرار هو "قرار تاريخي"..

ومن الواجب أن نقول إننا لا نفتعل ذلك افتعالاً، لأنه أصبح جزءًا من نسيج تفكيرنا، بمعنى أننا نكتب ونتكلم بهذه الكيفية (كيفيـة الكـلام الكبيـر) لا مـن (باب التملق) وليس من باب (النفـاق) ولا من باب (الكـذب المقصـود) وإنمـا نكتب ونتـكلم هكـذا من باب الاتســاق مـع "عيـب كبـيــر" استـقــر في ثقافتنا وعقولنا وأصبح من الطبيعي والمنطقي أن يجد طريقه لخارج رؤوسنا عن طريق أَلسنتنا .

ورغم أن البعض (وربما القلة) يلاحظون هذا العيب الخطير من عيوب التفكير، إلا أن معظمهم عندما يتصدرون للحديث يقعون في المحظور وينساقون مع تيار "الكلام الكبير"، وهو ما يثبت أن هذه السمة قد أضحت متفشية إلى أبعد الحدود وأن "الهواء الثقافي" لنا أصبح متشبعًا بهذه الخصلة إلى أبعد حدود التشبع .

ولعل ضرب الأمثلة يكون أيضًا مفيدًا هنا : بعد حادثة الاقصر المفجعة في خريف عام (1997) أَذاع التلفزيون المصري تغطية لماراثون الجري (العدو) حول أهرام الجيزة، وقامت الكاميرا بمقابلة نحو عشرة أشخاص مختلفين .. كرروا نفس الكلام وبنفس الصيغ وقال كل منهم (وكأنه يكرر حديثًا محفوظًا) : "إن مصر هي بلد الأمن والأمان .. وأن العالم كله يعرف ذلك… وأن الإرهاب لا يقع على أرض مصر فقط وإنما في كل مكان بالعالم… وأن الدنيا كلها تتطلع لزيارة آثارنا التي لا مثيل لها في العالم" .

وكان مصدر دهشتي تصوري أن تطابق الكلام بهذه الكيفية يكاد يكون مستحيلاً بين عشرة أشخاص مختلفين ... ولكنها سطوة "الجو الثقافي العام" المشبع إلى أقصى حد بخصلة "الكلام الكبير" .

وقد كانت السنوات العشرين التي قضيتها فى واحدة من أكبر المؤسسات الصناعية العالمية فرصة هائلة لكي أكتشف أننا في هذا المضمار أصبحنا (وأكرر: أصبحنا) مختلفين عن معظم شعوب العالم بشرقه وغربه .

فأبناء الحضارة الغربية (بما في ذلك أمريكا الشمالية) تواصل نموهم الثقافي في اتجاه مختلف يقوم على اعتبار "الكلام الكبير" انعكاسًا مؤكدًا لعدم المعرفة. فالمعرفة الإنسانية معقدة ومركبة ولا تسمح بالغرق في "الكلام الكبير"، بل تأخذنا إلى لغة متوسطة تحاول -قدر الطاقة- أن تعكس حقائق العلم والثقافة .

أما أبناء الحضارة أو الحضارات الأسيوية (مثل اليابان وغيرها) فإن التحفظ كان ولا يزال من سمات هذه الحضارة بشكل واضح، وهو ما يمنع أيضًا استفحال ظاهرة الكلام الكبير .

أما شعوب العالم العربي، فإنها تشترك معنا -بدرجة أو بأخرى- لكون الثقافة العربية قد اتسمت في مراحل عديدة بسمة "الكلام الكبير". فالشعر العربي عامر بقصائد المدح والهجاء التي تطفح بالكلام الكبير الذي لا يعكس بالضرورة حقائق الواقع والأشياء . بل إن ثقافتنا اعترفت بأن معظم هذا "الكلام الكبير" مجرد "كلام" ولا أساس له من الواقع، عندما نحتنا المقولة المشهورة (أعذب الشعر: أكذبه) .

وكان النص القرآني (كالعادة) رائعًا في وصفه الشعراء (في هذه البيئة) عندما وصفهم بأنهم في كل واد يهيمون (وأنهم يقولون ما لا يفعلون) .

وكاتب هذه السطور يرى أن من أوجب واجبات من يهمه تصويب مسار العقـل المصـري أن يقـوم بإيقاظ هذا العقل وينهره بشدة أمام ظاهرة اتسامه بعلة الكلام الكبير وحقيقة أنها ظاهرة منبتة الصلة بالواقع وحقائق الأشياء . وأن يُظهر الآثار الهدّامة لهذه الظاهرة التي جعلت البعض يصنفنا (بخبث وأغراض) بأننا حضارة كلامية أو حضارة حنجرية أو (مع التطور العلمي) حضارة ميكروفونية…

ومن المهم للغاية أن نفتح عيون أبناء وبنات هذا الوطن (من خلال برامج التعليم) على حقيقة هذا العيب وما يجره علينا من عواقب وخيمة؛ إذ يجعلنا من جهة مثار تعجب العالم… ويجعلنا من جهة أخرى "سجناء عالم خرافي من صنعنا ولا أساس له في الواقع".. كما أنه يجعلنا “سجناء الماضي" حيث نصف ماضينا بزخم من الكلام الكبير ثم نهاجر إليه . ولا شك أن "علة الكلام الكبير” تتصل بعلل فكرية أخرى مثل: عدم الموضوعية.. والهجرة للماضي… والمغالاة في مدح الذات… وضيق الصدر بالنقد. بل إنني لا أبالغ إذ أقول إن "علة الكلام الكبير" تقيم جسورًا للتواصل بين هذه العلل الأخرى .

كذلك، فإنه من الضروري أن نناقش الصلة بين هذه العلة الفكرية (علة الكلام الكبير) وضيق الهامش الديموقراطي . ففي ظل مناخ ثقافي عام يتسم بداء الكلام الكبير يكون من الصعب تطوير الهامش الديموقراطي كما يكون من السهل نجاح فرق سياسية تملك من "الخطاب الغوغائي" (الديماجوجي) أضعاف ما تملك من "الخطاب الموضوعي" . فالذي يقول لنا إن مشروعه الفكري هو "الحل" إنما يقدم لنا وجبة أخرى ساخنة من وجبات "الكلام الكبير"، فمعضلات الواقع الاقتصادية والاجتماعية أكثر تعقيدًا من أن يكون علاجها بشعار عام يستمد جذوره من تربة الكلام الكبير كهذا الشعار .

وما أكثر ما رددت لنفسي وأنا أسمع جولات الحوار العام تتلاطم أمواجها بفعل "الكلام الكبير" ما أكثر ما رددت لنفسي أبياتًا من شعر نزار قباني يقول فيها (بعبقرية) :

لقد لبسنا قشرة الحضارة
والروح جاهليةْ.









الفصل الثامن
ضآلة الموضوعية

خلال سنـوات تواجدي في مؤسسة دولية (و هو التواجد الذي أشرت إليه أكثر من مرة) كان لهذه المؤسسة تعاملات واسعـة مع "الواقع المحلى". وكنت خلال ذلك أرى تطبيقاتٍ يوميةً ساطعةً وواضحةً لاختلافِ الحضاراتِ والثقافاتِ. وكان أحد أبرز هذه الاختلافات هو ما درجت على تسميته بشخصانية التفكير المحلى. وأَعنى بذلك أن تفكيرَ أعدادٍ كبيرةٍ منا تنطلق من "زوايا شخصية" وتستمر في ذلك في عملية الأحكام التي تطلقها والآراء التي تعتقدها ووجهات النظر في الأشياء والأشخاص التي تطرحها.

وربما يكون من المجدي ضرب مثال واضحٍ – لحالات عديدة مُتكررة، فهذا المثال يشخّص الظاهرة التي أود أن أجسدها أمام عين القارئ :

خلال تلك السنـوات الطـويلة أَجريت آلاف المقـابلات ممـا يُعرف في مجـالِ الاعمـال بالـ Interviews أي المقـابلات التي يكـون الغـرضُ منهـا الحكمَ على شخصٍ بهدفِ الوقوفِ على إمكـاناتـه وقـدراتـه ومـواهبـه (إن وجـدت) وفـى ألف (مـرة أخـرى : ألف) مقـابلة مـع مصريين حاصلين على درجـات علميـة عاليـة في مجالات مُتعـددة بعضهـا يقـع تحت مُسمـى العلـوم التطبيقيـة والبعض يقـع تحت مُسمى العلـوم الاجتمـاعيـة والآخر يقع تحت مُسمى الدراسات الإنسانية.

وإلى جانب الهدفِ الأساسي من تلك المقابلات وهو الحكم على "قدرات" الشخص الذي تجرى معه المقابلة كنت معنيًا بجوانب أخرى يمكن أن توصف بأنها "ملاحظات حضارية وثقافية" وكنت أدون هذه الملاحظات باستفاضة لأهمية معظمها. ومن بين هذه الملاحظات إنني في ألف (1000) مقابلة من هذا النوع كنت أطرح أسماء لشخصيات عامة لأسمع وأسجل وأقيّم تعليقات من تجرى معه المقابلة عنها. وقد انتهيت لملاحظة يصعب دحضها، فقد انقسمت تلك التعليقات إلى نوعين أو طائفتين :

• الطائفـة الأولـى: يمكن أن تُسمـى بالتعليقاتِ الشخصيـة وهـى انطباعـات كـان الأشخـاصُ يعبــرون عنهـا بكلمـات مثـل (طيب).. (متواضـع)..(لطيف)..(علـى خلقٍ رفيـع)..(مـتدين)..(معروف بالسلوك المستقـيـم)… (مجـامـل)… (ودود)… إلـى آخـر هـذه النوعيـة مـن الانطباعـات. وأحيانًا كانت التعليقـاتُ تأتـى أيضًا "شخصيـة" وإن كانت التعبيـرات (والمعانـي) على نقيض تلك الكلمـات، كأن يقـال (شرير).. (مغـرور)… (غير لطيف)… إلـى آخـر نفس السلسلة مـن المعانـي وإن كانت فـي الاتجـاهِ المعاكـس.

• أمـا الطائفـة الثانيـة: فيمكن أن تُسمى "آراء موضـوعيـة" حيث كـان الشخص الذي تجـرى معـه المقـابلة يعبـر عـن آرائـه بكلمـات مثـل (كفء)… (مثقف)..(يتقـن عمـله بشكـل ملحـوظ)..(منتـج بشكل كبيـر)….(له قـدرة بارزة علـى القيـادة)… (صـاحـب قـدرة كبـيــرة علـى التحليـل )…. إلـى آخـر هـذه النوعيـة مـن الانطباعات. وأحيانًا أيضًا كانت هذه الطائفة الثانية من الآراء تأتى في صورةِ ما يخالف أو يمثل عكس هذه الآراء كان يقال (غير كفء)… (محدود الدراية)… (لا يتقن ما يعمله)… (متواضع الانتاجية)… (لا يملك القدرة على قيادة الآخرين)…إلى آخر هذه السلسلة الثانية من المعاني.

وكانت "الملاحظة الصدمة" أن عددَ الذين كانت تعليقاتهم تندرج ضمن الطائفـة الأولـى كانوا أكثـر من 90% من عدد من أجريت معهم هـذه المقابلات والذين سجلت نتائـج المقابلات معهم (1000مقـابلة). ونظرًا لأن الأسمـاء التي كانت تطـرح للحـوار بشأنها أسماء لشخصياتٍ عامـةٍ لا تربطهم صـلات خاصـة بمن كانت المقـابلات تجـرى معهـم، فإن المعنـى الواضـح والكبيـر كان أننـا لا نفـرق بين دائـرة الأهل والاقارب والأصدقاء أي الدائرة الصغيرة الشخـصيـة، ودائرة الحيـاة العامة. وأننـا نستعمـل أدوات الحكم علـى العلاقات الخاصـة في دائرة الحيـاة العامـة. وكان مـا يـزيـد الطينـة بـلـة، أن كون الأشخـاص الذين كانت تجـرى معهـم المقـابلات لا يعرفون - بصفة شخصية- أصحاب الأسماء التي كانت تُطرح من الشخصيات العامة، كان يعني أن حتى هذه المجموعة من (الانطباعات الشخصية) ليست وليدة (تجربة ذاتية) وإنما هي ما يتكرر قوله وسماعه في المجتمع. وهى ملاحظة أخرى جديرة بالاهتمام، وإن كانت لا تعنينا هنا كما تعنينا الملاحظة الأساسية وهى اختلاط الخاص بالعام وقيام الأحكام على اعتباراتٍ شخصية وغير عامةٍ وغير موضوعيةٍ.

وأغلب الظـن أن هـذا العيب الكبيـر الشائع فـي تفكيـر العديدين منـا إنما يرجـع لخصلة أخـرى متفشيـة في واقعنـا قوامها أن نقطـةَ البدايةِ في حكمِ إنسـانٍ علـى آخر هي نقطةٌ ذاتيـةٌ أو شخصيـةٌ بمعنـى أن البدايـةَ تتمثـل في حبٍ (بسبب عوامـل شخصيـة صـرف) أو كرهٍ (أيضًا بسبب عوامل شخصية بحتة).

ونظـرًا لإنني كنت خـلال تلك السنـوات وإبان إجراء هـذه التجـارب معنيًا بالوقوف علـى أكثر ما يمكنني معرفته من جوانبها، فقد أجريت نفس التجربة على 300 أجنبي (من جنسيات أوروبية غربية) من طوائف مماثلة (وأعنى من حيث التعليم العالي) وكانت النتيجة معاكسة تمامًا؛ فأكثر من 90% ممن أجريت معهم المقابلات لم يستعملوا إلاَّ تعبيرات موضوعية تتعلق بالعمل والكفاءة والقدرات والمواهب، وأن أقل من 10% استعملوا تعبيراتٍ شخصيةٍ.

ولا شك أننا لو اتفقنا على وجودِ واستفحالِ انتشارِ هذا العيب بين أعدادٍ كبيرةٍ منا (متعلمين وغير متعلمين) فإن المنطق يُحتمُ أَن نرى الأثرَ الهدّام لهذا العيب على مسائل عديدةٍ لعل من أهمها ما يلي:
• الاختيارات للوظائف.
• الترقية.
• المكافآت.
• الترشيحات للمناصب القيادية والعليا في كل الدوائر.
• الانتخابات بشتى أنواعها ومجالاتها.
• الأحكام على الشخصيات العامة ومتولي الوظائف العليا والقيادية ورموز المجتمع.
• الكتابات الصحفية التي تتناول الشخصيات العامة.
• الكتابات النقدية في سائر مجالات الإبداع.
• أعمال الأجهزة الثقافية والاعلامية والفنية.

ولعل تصاعد هذه الظاهرة واستفحال استشرائها ووصول جذورها وفروعها لنقاطٍ بعيدة ... لعل ذلك يكون هو التفسير المنطقي لبعض الظواهر التي يجمع معظمُنا على ذيوعِها وشيوعِها في واقعِنا اليوم مثل:

• المناخ بالغ التوتر الذي تجرى فيه معظم الانتخابات في معظم المجالات، وما يعقب ذلك من تراشق بالتهم.
• حملات الهجوم الشخصية الفاضحة على العديدِ من الشخصياتِ العامةِ.
• ندرة الاتفاق على عددٍ كبيرٍ من رموز المجتمع. فالاختلاف حول معظم هذه الرموز على أشده ويقع بعضه تحت مسمى "الافتتان الشامل" بينما يقع البعض الآخر تحت مسمى "الاستهجان الكامل".
• شيوع الاعتقاد بأن العلاقاتِ بين الناسِ أصبحت مهترئةً ولا تقارن بما كانت عليه في الماضي، وذلك أمرٌ طبيعيٌ، لأن الأحكام أصبحت تنطلق من (زاوية الحب) أو (زاوية الكره) وليس من زاوية (الرضى الموضوعي)أو (الرفض الموضوعي).

ومن المؤكد أن من حق البعض أن يطالع كل هذا التشخيص للداءِ ثم يتساءل: وما العمل؟

والجـواب، أن معالجـة هـذا العيب الكبيـر مـن عيـوبِ التفكيـرِ الشائعـة فـي واقعِنا اليوم لا يمكن أن تتم بدون وسيلتين؛ أحدهما ذات "بعض الأثر" ولكنه "أثر على المدى القصير والمتوسط" والثانية ذات أثر شبه مطلق، ولكنه من قبيل الاستثمار طويل الأجل أي الذي لا تأتى ثماره إلاَّ بعد سنوات عديدة.

أما وسيلة الأمد القصير فهي ذات ثلاثة أبعاد:
• القدوة العليا في المجتمع.
• الأنشطة الثقافية.
• وسائل الاعلام.

فهـذه الجهـات الثـلاثـة قـادرة علـى إحـداث "بعض التغيير" علـى المـدى القصيـر والمتـوسط إذا وضحت الرؤيةُ وشحـذت الهمـمُ ووظفت القـدرات والإمكـانات الكبيـرة المتاحـة لتسليطِ الضـوءِ علـى هـذا العيب الكبيـر مـن عيـوب التفكير الشائعة لدينا اليوم.

أما "العلاج الكامل الشامل" والذي هو"طويل المدى" بمعنى أن آثاره لا تظهر إلاَّ بعد سنوات غير قليلة (وإن كانت أيضًا تبقى موجودة لسنوات عديدة) فهو "التعليم"، فمن المؤكد أن برامج دراسية تنطلق من رؤية واضحة للعيب وإسهاب في تعريته أمام العيون وشرح كارثة آثاره على العديد من جوانب حياتنا لقادرة على استئصال شأفة هذا العيب وتفريخ أجيال أكثر موضوعية وأَقل "شخصانية"..

ورغـم أن مـا سـجـلتـه عــن الألـف مقـابـلـة مـن مـلاحـظـات حـافـل بمـئــات مـن القـصـص والعـبـر، فإنني أود أن أخـتــم هــذا الفـصـل بقـصـة واحدة منها ذات دلالة واضحة وضوح الشمس. ففي مقابلة من هذه المقابلات العديدة تطرق الحديث لاسم أحد الوزراء (وكان بكل الموضوعية من المشهود لهم بالكفاءة والقدرة العالية على التخطيط والتنفيذ) فكان تعليق الشخص الذي كانت تجرى معه المقابلة (أن هذا الوزير من أعظم الوزراء قاطبة في بلدنا)… ودون ما حاجة لسؤال...أو استفسار استرسل المتحدث يقول (تصور إنني ذهبت لمقابلته، ورغم فارق المكانة فقد أصر على توصيلي للمصعد وانتظر حتى ذهبت)!

وهكذا لم تكن مبررات الحكم مستمدة من كفاءةٍ إداريةٍ أو عبقريةٍ في التخطيط والتنفيذِ أو نتائجٍ مبهرةٍ لسنوات من العمل الشاق.... وإنما كان المبررُ بسيطًا للغاية: مجرد لمسة شخصية في التعامل لا علاقة لها على الإطلاق بقدرات ومواهب وإمكانات وإنجازات من كان الحديثُ يدور حوله!






الفصل التاسع
الآخرون: "معنا"...أم "ضدنا"؟

تجتمع عناصرُ وأبعادُ عددٍ من عيوب التفكير التي انتشرت في واقعنا فيما يشبه المعادلة الكيميائية لتخرج لنا عيبًا (أو عيوبًا) إضافية جديدة. فمن اختلاط "تقلص السماحة" و”تآكل هامش الموضوعية" ينبثق عيبٌ آخر جديد هو عجز الكثيرين منا عن رؤية (من ليس معنـا) إلاَّ بصفته (ضـدنا) أو (علينا). وقد ضاعف من عمق جذور هذا العيب، أن تاريخنا المملوكي الذي ترك أعمق الآثار في تكوين شخصيتنا قد عرف هذا الأسلوب في التفكير والحكم على الآخرين على أوسع نطاق. فطيلة القرون التي قبض فيها المماليكُ على زمـامِ الأمـور فـي حياتنا، كان المجتمـعُ يرى بوضوحٍ وكل يوم تطبيقًا عمليًا على (أن من ليس معنا فهو ضدنا أو علينا) مع تـوابـعِ هـذه المقـولـة وآثارها المترجمة في مواقف كثيرًا ما اتسمت بالعنفِ والقسوةِ والدمِ. وكما يقول أُستاذ جامعي مرموق، فإن علم الاجتمـاع التاريخـي يؤكد أن آثار العهد المملوكـي علـى التفكيـر المصـري لا تـزال قـويـةً وحيـةً رغم انتهاء دولة المماليك في مصر بمذبحة القلعة منذ أكثر من مائة وثمانين سنة، (وبالتحديد في سنة 1811).

وجـوهـر هـذه المسـألـة، أننا ننشـأ في منـاخٍ ثقافـيٍّ عـام يتسمُ -إلى حد بعيد- بالشـخـصـانيـة أو الذاتية في مواجهـة الموضوعيـة، كما يتسم بضيقِ الصـدرِ بالنقدِ وعدم الاحترام العميق لكون الآخرين مختلفين وهو ما يحتم أن يرى الكثيرون منا "الآخرين" من منظورِ السؤال النمطي: أهو معي؟.. أم ضدي؟ ويزيد من تأصيلِ حقيقةِ هذا البعد من أبعادِ تفكير الكثيرين منا أن أعدادًا كبيرة منا "قرويون" جاءوا حديثًا إلى المدن وهم يحملون في تكوينهم قانون تأسيسِ الانتماءِ على أرضيةِ الاشتراكِ في الخلفيةِ المكانيةِ والعائليةِ. وهذه الضفيرة من الأبعاد (ذاتيون لا موضوعيون.... تقلص السماحة تجاه الآخر المختلف.... الضيق بالنقد) هي ما تجعل العملَ الجماعي أبعد ما يكون عن التوفر. فروحُ الفريق تنسفُ نسفًا عندما تضربها هذه الأبعادُ في ذاتِ الوقت. وهذا الجانب هو أحد أهم أسباب تأخرنا عن عددٍ من الشعوبِ الآسيوية في اللحاقِ بركبِ التقدم الاقتصادي الحديث، فبينما كانت الحضارةُ الآسيوية (لا سيما في اليابان والمجتمعات التي انتشرت فيها الاقلياتُ الصينية )عاملاً من أقوى عوامل دفع العمل الاقتصادي والصناعي إلى درجاتٍ مرتفعةٍ للغاية، لوجود هذا الاستعداد القوى للعملِ الجماعي، كنا نحن بعيدين إلى حدٍ بعيدٍ جدًا عن توفر روح الفريق في العملِ التي يصعب بدونها تصور أي إنجازٍ كبيرٍ في العملِ والانتاج.

وقد أرتني سنوات تواجدي في بيئة مؤسسية أوروبية كيف ينفرط عقدُ أي مجموعةٍ عمل منا بفعلِ غيابِ روحِ الفريقِ والعملِ الجماعي وغلبةِ تأسيسِ العلاقات على أرض (معنا أم ضدنا؟). وفى نفسِ الوقتِ كانت مجموعات العملِ التي ينتمي أفرادُها لخلفياتٍ أوروبيةٍ أو آسيويةٍ تنخرطُ في العملِ الجماعي دون أية تشققاتٍ في وحدة الفريق بسببِ العوامل الثقافية التي تلغى أسباب الفرقة وتغلب أَسباب الوحدة. ومن الضروري أن أُبرز أنه في ظل ظروف عامة معينة، وعندما تكون قيادة وحدات العمل في يدِ من هو مشربُ للغاية بنفسِ الروح ("معنا" أم "علينا"؟) فإن قيمَ تفسخِ روحِ الفريق تتعاظم وتضرب المناخ العام بسهامها من كل جانبٍ، تاركة إيانا أمام ما يشبه حالة استحالة لأن نعمل كفريقٍ واحدٍ متجانس ومتوائم.






الفصل العاشر
نحـن ...وآراؤنــا

تناولتُ آنفا النظرةَ الشائعةَ للآخر إما بوصفِه "معنا" أو "علينا". ولاشك عندي أن ذلك ليس سوى عيب ثقافي ذائع وليس سمةً مؤبدةً من سماتِ ثقافِتنا، فكاتبُ هذه السطور لا يؤمن بوجودِ سماتٍ ثقافيةٍ أبديةٍ، وإنما هي مكتسبات أو نتائج أو ثمار طبيعية لعناصرٍ عدةٍ. ومن العيوبِ الثقافيةِ التي تشبه هذا العيب (وإن كان عيبًا ذا وجود مستقل) اعتبارُ العديدين منّا أن آراءهم جزءٌ منهم ومن كيانِهم وبالتالي فإنها جزءٌ من كرامتهم وكبريائهم. وما أعنيه هنا أن أعدادًا كبيرة للغايةِ منا ترى أن الإنسانَ وآراؤه يكونان "كلاً واحدًا"، بمعنى أن شخصية الإنسان تشمل آراءه ووجهات نظره.

وقـد أظهـرت لـي تجربـةُ التعامـلِ الطـويـلِ مع أبناءِ الحضارةِ الغربيةِ وكذلك مع أبناءِ الحضارتين الشرقيتين الكبيرتين اليابانية والصينية أن الإنسانَ في مجتمعاتِ هذه الحضارات لا يعتبر أن آراءَه جزءٌ منه وبالتالي من كرامِته وكبريائه بل كنت أرى -طيلة ما يقرب من عشرين سنة من التعاملِ الكثيفِ واللصيقِ مع أبناءِ هذه المجتمعات أن إنسانَ هذه الثقافاتِ يفصلُ بوضوحٍ تامٍ ما بين "ذاته" و"آرائه"، بل و كنت في مئاتِ الحواراتِ أرى أن إنسانَ هذه الثقافاتِ يبدو أثناء الحوار وكأنه يضع آراءَه على مائدةِ الحوار مع آراء أخرى يضعها على نفسِ المائدةِ غيرُه ثم تتعامل وتتفاعل الآراءُ مع بعضِها بمعزلٍ عن اتصالِها بكينونةِ أصحابِها . . . في عمليةٍ يستقلُ فيها الإنسانُ عن الآراءِ المطروحةِ. وبعد تفاعل الحوار، فإن كل إنسان يأخذ من فَوق المائدة "منتجًا" جديدًا غير الذي وضعه بيده عليها - هو نتاجُ تلاقحِ الأفكارِ والآراءِ ووجهاتِ النظرِ بشكلٍ حرٍ وخالٍ من العصبيةِ والانفعالِ الناجمِ عن التصاقِ الآراءِ بأصحابِها وكرامتهم وكبريائهم.

أَما عندنا، فالأمرُ مختلفٌ كل الاختلاف إذ أن الآراءَ تكاد تكون لأصحابِها مثل الاعضاءِ والملامحِ فهم من جهةٍ يعتزون بها اعتزازًا يخرج بالعلاقةِ عن إطارِ الموضوعية ويدلف بها إلى دائرة الذاتيةِ والشخصانيةِ، وهم من جهةٍ أُخرى يخلطون ما بين كرامتهم وكبريائهم وأي مساسٍ بتلك الآراء أو محاولة لدحضها أو تفنيدها أو حتى تعديلها. وفى ظل عيوبٍ ثقافيةٍ أُخرى، مثل تقلص السماحة وتآكل هامش الموضوعية والنظرة للآخر من منطلق السؤال الكبير: أهو معنا؟ .. أم علينا؟ مع حقائقٍ اجتماعيةٍ أُخرى يصعبُ إنكارُها مثل حداثة مفهوم المواطنة وغلبة الانتماء للعائلة والقرية وتفشى السطحية التعليمية والثقافية ونحافة التربية الديمقراطية في المجتمع من قاعدتِه لقمتِه مرورًا بالأسرة والمدرسة والوظيفة والمناخ الثقافي العام. . . في ظل كل ذلك معًا، فإن أسبابَ دمجِ “الذات” مع "الآراء" تتعاظمُ وتجعلنا أمام واحدٍ من أهم عوائق التقدم: فالتقدمُ يتطلب هواءً طلقًا ينمو فيه الحوارُ ويتطور وتتفاعل فيه الآراءُ ووجهاتُ النظرِ في معادلةٍ مستمرةٍ تدفعُ بالعقولِ ودرجاتِ ومكوناتِ الوعي بل المجتمع بأسره لمقاماتٍ أعلى من مقامات التطور الفكري والثقافي وهو أساس التقدم الأول. وأكرر هنا إن تطورَ الشق الثقافي كان دائمًا سابقًا لتطور الشق العلمي المادي في كل الحضارات الكبرى، لأن خلقَ المناخِ الفكري والثقافي الرحب والخصب والثرى والذي يسمح بطرح الأفكار الجديدة وتلاقح وجهات النظر وتفاعل الرؤى هو الذي يخلق المناخَ الأمثل للتقدم العلمي والتقني.
وكاتبُ هذه السطور لا يمل من تكرار قوله إن هوميروس ويوروبيدوس وأفلاطون وسقراط وأرستوفان وأرسطوطاليس كانوا مؤسسي المناخ العام الذي ازدهرت فيه العلومُ التطبيقيةُ في الحضارةِ الإغريقيةِ. . . وإن الأدباءَ والشعراءَ والمتكلمة (الفلاسفة) كانوا السابقين في الحضارة العربية وفى ظل المناخ العام الذي أوجدوه جاء العلماءُ من أمثال ابن الهيثم وابن سينا والرازي ... ونفس الشيء هو ما حدث في عصر النهضة إذ جاء الفلاسفة والأدباء والشعراء والفنانون الكبار ليخلقوا المناخ العام لما يسمى الآن بالحضارة الغربية.
ويستحيل أن تحدث تلك الفورة الفكرية والخصوبة الثقافية في ظل مناخٍ عامٍ يكون الإنسانُ وآراؤه فيه شيئًا واحدًا.























الفصل الحادي عشر
الاقـامة فـي الماضــي


أجدادكم إن عظموا وأنتم لم تعظموا
فإن فخرَكم بهـم عارٌ عليكم مبرمُ.
"العقاد...”

"علاقتُنا بالماضي" موضوعٌ يمكن أن يفرغ مفكرٌ لدراستِه طيلة حياته دون أن يوفيه حقَه من الدراسةِ المعمقةِ كما ينبغي أن تكون الدراسةُ. لذلك فمن المستحيلِ تقديم تغطية كاملة لهذا الموضوع في فصلٍ مقتضبٍ كهذا الفصل بكتابٍ موجز كهذا الكتاب. ولكن من الممكن تركيز الاهتمام حول عدةِ محاورٍ بشكلٍ يصلح لأن يكون أساسًا لمزيدٍ من النظرِ والتفكيرِ.

فمن جهةٍ أولى، فإننا من أكثر شعوبِ العالمِ "فخرًا بماضيها"...
ومن جهةٍ ثانية، فإن ملايين المفتخرين بهذا الماضي يكادون أن يكونوا جميعًا من غير العالمين بألف باء هذا الماضي ناهيك عن العلم الواسع والعميق بسائر جوانبه...
ومن جهةٍ ثالثة، فإن هناك "خلطًا دائمًا" بين هذا الماضي والحاضر...

أما كوننا من أكثرِ شعوبِ العالم فخرًا بماضينا، فأمرٌ لا يحتاج للإثبات، إذ إن مطالعةَ جريدة ٍأو مجلةٍ أو مشاهدةِ أي برنامج تليفزيوني تنبئ بهذا القدر الهائل من الفخرِ بالماضي، فنحن في حالةِ تذكيرٍ مستمرةٍ للدنيا وللآخرين ولأنفسِنا بأن ماضينا أعظمُ وأمجدُ وأفخمُ من أي ماضٍ لأية أمةٍ أخرى.

ومن المؤكد، أن ماضينا "متميزٌ" و "خاصٌ" ولكن من المؤكد، أن هذا الماضي يضم صفحات بيضاء كما أنه يضم أيضًا صفحاتٍ سوداء. والوقوف على الصفحاتِ البيضاءِ والسوداء في ماضينا من الأمور التي تستغرق أعمارًا كاملة لأشخاص وقفوا أَنفسَهم على دراسةِ ذلك. وبالتالي، فإن حديثنا الذي لا يتوقف عن ماضينا يعيبه -من الناحية الموضوعية- أنه يفترض أن صفحاتِ هذا الماضي كانت كلها بيضاءً ناصعةً- وهذا غير صحيح. كذلك فإن ظاهرةَ التغني المستمر بالماضي تحتاجُ للتفكير والدراسة. فمن غير الطبيعي ألاَّ يكون هناك توازنٌ بين "الفخر بالماضي" و"الانشغال بصنع حاضر ومستقبل مجيدين". ولاشك أن هناك خللا في تفكيرنا في هذه المسألة إذ أن الانشغال بصنع الحاضر والمستقبل يعتبر متواضعًا إلى جانب الانشغال بالتفاخر بالماضي.

كذلك فإن افتراضَنا (الضمني) أننا الوحيدون الذين يملكون ماضيًا مجيدًا هو الآخر أمرٌ مخالفٌ للواقعِ والثابتِ. فكما أن من حقنا أن نفخر بتاريخنا المصري القديم فإن أبناء اليونان وإيطاليا (أحفاد الإغريق والرومان) هم أيضًا أصحاب حضارة وماضٍ مجيد لا يحق لمن يحترم الحقائق التاريخية أن يستهين بهما.

وفى اعتقادي أن "فقرَ مكوناتِ الواقع" هو ما يدفعنا باستمرار للتغني والتفاخر بالماضي، كأننا نشعر أنه بدون ذلك الماضي فإن المعادلةَ ستكون مختلةً وفى غير صالحنا. والمنطقي، أن نفتخر بجوانب عديدة من ماضينا افتخارًا متزنًا غير مشوبٍ بالحماسةِ الزائدة والتعصب وعدم إعطاء الآخرين حقوقهم، على أن يكون هناك "فخر متوازن" بمعطياتِ الحاضرِ ومكونات المستقبل.

وإذا كان العربُ هم الذين نحتوا المقولة الشهيرة والصائبة والتي تقول: (ليس الفتى من يقول كان أبى، وإنما الفتى من يقول هأَنذا) فإن الأمرَ هنا يكون بغيرِ حاجةٍ منى لمزيد من الشرحِ والتبيانِ. ومن جهةٍ ثانيةٍ، فإن افتخارَ معظمنا بماضينا يعطى الإحساس بأننا نعلم الكثير عن هذا الماضي. والحقيقة أن السوادَ الاعظم منا لا يعرف أي شيء (إلا الشعارات العامة) عن ماضينا وتاريخنا. بل إنني أزعم أن الأغلبية العظمى من المتعلمين تعليمًا عاليًا بمجتمعنا لا يعرفون -مثلاً- أعلام الأسرة الثامنة عشرة في تاريخنا الفرعوني القديم ولا يعرفون -مثلاً- الترتيب الزمني لفراعنة عظماء أمثال سنوسرت وأحمس وتحتمس الثالث وسيتي الأول ورمسيس الثاني، رغم أن معرفة ذلك لا تعنى أي تضلع في تاريخنا القديم. بل و أزعم أن معظم المتعلمين تعليمًا عاليًا في مصر لا يعرفون الترتيب الزمني للعهود التالية: العصر الإخشيدي والأيوبي والطولوني والمملوكي في تاريخنا الوسيط. وأكرر، إن معرفة ذلك لا تسمح في حد ذاتها بالاعتقاد بوجود أي تضلعٍ في معرفةِ الموضوعِ محل الحديث، ولكن عدم المعرفة بها يعني الجهل التام بأبسط المعارف التاريخية وهو ما يجعل الافتخار الحماسي بهذا الماضي (ممن لا يعرفون أي شيء عنه) ظاهرةً عقليةً ونفسيةً تحتاجُ للدراسةِ والتحليلِ.

وتنطبق هذه الحقيقة (حقيقة جهل السواد الاعظم منا بمفردات وعناصر ماضينا) على تياراتٍ فكريةٍ بأكملِها. فما أكثر الذين يسمّون أنفسَهم بأنصار مصر الفرعونية وهم لا يعرفون ألف باء تاريخ هذه الحقبة. وما أكثر الذين يسمون أنفسهم بالإسلاميين وهم على غير علمٍ بمعظم التاريخ والتراث الذي لا يكتفون بالفخر به، بل و يضفون على عناصره من القداسة ما لا ينبغي أن يقدس لأن معظمه "عمل وفكر بشرى".

وأذكر هنا حوارًا مع شابٍ متحمسٍ للتيارِ الذي يُسمي نفسه بالإسلامي وجدته يلحن (أي يخطيء في تحريك الكلمات العربية) وهو يستشهد ببعض النصوص. أذكر إنني قلت له إن الفقهاء المسلمين الأوائل كانوا يعتبرون كل علم أصول الفقه عملاً بشريًا ولا أَدَلَّ على ذلك من أمرين:

الأول، تعريف الفقهاء لعلم أصول الفقه بأنه "علم استنباط الأحكام العملية من أدلتها الشرعية" وهو تعريف عبقري ولكنه يثبت "بشرية" هذا العلم. والثاني، كلمة أول وأكبر الفقهاء أبى حنيفة النعمان الشائعة (علمُنا هذا رأي، فمن جاءنا بأفضلَ منه قبلنَاه). ثم ذكرت لذلك المتحمس لما يسمى بالتيار الإسلامي أن هؤلاء الفقهاء الأوائل قد وضعوا ستة شروط لأهلية الإفتاء، كان أولها العلم باللغة العربية علم العرب الأوائل. ثم قلت له، ونظرًا لأنك (ومعظم زملائك في الحماس لما يُسمى بالتيار الإسلامي) تلحنون (أي تخطئون في اللغة العربية) فإنكم -وفق الشرط الأول من شروط الإفتاء- قد فقدتم أهلية إبداء الرأي في المسائل التي تتعرضون لها.

كل ذلك كان ضمن حديثي عن غرابةِ أن يفخر أناسٌ بماضٍ لا يعلمون عنه شيئًا يذكر. وهو ما يدل -مرة أخرى- على أننا أمام "ظاهرة عقلية ونفسية" لا علاقة لها -في الحقيقة- بالماضي الذي يتحمسون له.

وأخيرًا، فإن الحياةَ المعاصرة في مجتمعنا تجعلنا نشاهد – يوميًا - عروضًا متكررةً للخلطِ بين هذا الفخر المتحمس بالماضي وبين الفخر الآني أي الفخر بما نحن عليه الآن.

وهذه ظاهرة مفهومة، لأَننا نستشعر في أعماقنا تلك المفارقة المهولة بين "ماض مجيد" نفخر به وحاضر نبحث في جوانبه عن أسباب للفخر فلا نكاد نجد إلا أقل القليل؛ فمعظم إنجازات عصرنا المادية والفكرية من أعمالِ الآخرين.







الفصل الثاني عشر
ثقافة مدح الذات

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.
ومن البلية عذل من لا يرعـوى
عن جهله وخطاب من لا يفهــم.
"المتنبـي...”

نتطرقُ هنا لعيبٍ آخر من عيوب العقل العربي والتي شاعت في مناهجِ تفكير معظمنا، وهو (مغالاتنا في مدحِ الذاتِ) ومـا يتصـل به من قيمٍ اجتماعيةٍ شاعت وذاعت في واقعِنا . فنظـرةٌ متأنيـة لمـا يذاع في النـاس من مـواد إعلاميـة مكتوبـة أو مقـروءة تظهــر بوضـوحٍ أن وسـائلَ إعلامِنــا المختلفة (المرئية والمسموعة والمقروءة) أَصبحت لا تخلو –بصفةٍ يومية- من مدحِ الذاتِ وإطراءِ إنجازاتنا ومزايانا. وعلى المستوى الفردي، فإننا نمارس نفس الشيء بصفةٍ شبه دائمة . وإذا قارنا وسائل إعلامنا الحالية بصحفنا ومجلاتنا منذ نصفِ قرنٍ لاكتشفنا أَن هذه الصفةَ لم تكن متفشيةً في الماضي كما هي متفشية اليوم . كذلك إذا قارنا هذه الصفة الشائعة عندنا بالأوضاع المماثلة عالميًا، ولا سيما في الدولِ المتقدمة؛ وجدنا أنفسنا –أيضًا- منفردين بهذا "الكم الهائل" من مدحِ الذاتِ بصفةٍ دائمةٍ .

وقد قمت شخصيًا بمراجعـةِ مئـات الصحف والمجلات المصرية التي صدرت طيلة الأربعينيـات؛ فاتضح لي بجلاءٍ تامٍ أننا لم نكن نعرف تلك الصفة منذ قرابة خمسين سنة ولكنها بدأت - على استحياء- منذ نحو ربع القرن، مع ملاحظة أَن معدلَ ازديادِها في سني العقدِ الأخير كان الأكبر والأشد ظهورًا بشكلٍ تصعب عدم رؤيته .

واليوم، فلا تكاد جريدة أو مجلة تخلو من موضوعٍ أو مواضيعٍ تتضمن إطراءَ الذاتِ والإشادة بتميزنا وتفوقنا وإنجازاتنا . وكثيرًا ما تكون عباراتُ إطراءِ الذات منسوبةً لمصدرٍ خارجي، وهو ما يؤكد اعتقادنا بأن المصدرَ الخارجي يُضفي "مزيدًا من القيمة" على عباراتِ الإطراءِ المذكورة .

ورغم أَن الكثيرَ مما يُنشر في هذا المجال يبدو بوضوحٍ أَنه يثيرُ من التعجبِ أَضعافَ ما يحدثه من مصداقيةٍ، إلا أَن "الظاهرة" تبقى ماثلةً أمامنا وهى أَننا نفعل (في هذا المجال) ما لا يفعله (الآخرون) ... وأَننا بحاجةٍ ماسةٍ لهذا الإطراءِ للذات، لأنه يُعالج عندنا (شيئًا ما) .

فما معنى أن صحفَنا لا تكاد تخلو- كل يوم- من صيغةٍ تماثل أو تقترب من واحدةٍ من هذه الصيغ :

• المجتمعُ الدولي يشيدُ بتجربةِ الإصلاحِ الاقتصادي في مصرَ .
• البنك الدولي يبرز إنجازاتِ التجربةِ المصريةِ في التنميةِ الاقتصادية .
• جامعة (......) تقول: الاقتصاد المصري قوى ويقف على أرضيةٍ قويةٍ .
• مركز (......) للدراسات الاقتصادية يقول: الاقتصاد المصري لا يمكن أن يتعرض لهزةٍ مثل هزة النمور الآسيوية .
• اليونسكو يقرر تكرار تجربة مصرَ في ....... على مستوى العالم .

ما معنى ذلك؟ … ولماذا لا نقرأ مثل هذه "الصيغ" في أية صحيفة من صحف فرنسا وألمانيا وإنجلترا واليابان والولايات المتحدة؟

وما معنى التكرار شبه اليومي؟

المعنى الحقيقي بالغ السلبية، وهو أننا (رغم معرفتنا بأننا لا نزال في معظم المجالاتِ على أولِ الطريق) نحتاج لخلقِ عالمٍ خاصٍ من اختراعنا "نرتاحُ فيه" وهذا النمط من السلوك هو (العكس) و(النقيض) و(الضد) لسلوكٍ آخرٍ إيجابيٍّ وبناءٍ وينبئ بأننا سنخرج حتمًا من أتون مشاكلنا العديدة العويصة . النمطُ الإيجابي والبناء من السلوك يحتمُ علينا أن نعترف لأنفسنا و(بوضوحٍ تامٍ) بأن واقعنا عامرٌ بالمشاكلِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ، وأننا (للأسف الشديد) دولةٌ من دول العالم الثالث (وما كان ينبغي لنا أن نكون) وأن أوضاعَنا ترجعُ كلُها للطريقةِ التي أديرت بها حياتنا العامة خلال أكثر من قرنٍ من الزمان (منذ وفاة محمد على في سنة 1849 وحتى الآن) .

إن التخلي عن تلك الصيغ والتي نعلم جميعًا أنها خاويةٌ من الجوهرِ والمعنى والتزود بشجاعةِ الاعترافِ بالواقعِ، هو نقطة البداية الفعلية لتقدمٍ حقيقيٍّ على كافةِ المستوياتِ.

ومن المؤكد أن إنجازَ هذه المهمةِ (مهمة إيقاف طوفان مدح الذات وشحذ الهمم لتكون قادرة على فعل النقيض) لا يمكن أن يتم (على المستوى البعيد) إلا عن طريق غرز قيم إيجابية مختلفة عن طريق برامج التعليم، أما على المدى القصير فإن إنجاز هذه المهمة يبقى "مستحيلاً" ما لم تبدأ هذه العملية من رأس الهرم لا من سفحه . كذلك فإن للاتجاه الذي أدعو إليه تداعيات لا يمكن تجنبها : فعندما نعترف بسوءِ الأحوالِ .... فإننا نكون على حافةِ السؤالِ الخطير : ولماذا وصلنا لذلك؟… ولا جواب إلاَّ لأن بعض القيادات التي تولت أمورنا العامة في منتصف القرن الماضي لم تحسن الأداء . وأن علينا في نفسِ الوقتِ أن ندرك أن "حسن الأداء" لا يحدث الآن في عالمنا عن طريق تبنى أيدولوجيات معينة، ولكنه يحدث كنتيجةِ توفرِ "كادرٍ تنفيذي" على رأس المجتمع يقتفي أثرَ التجاربِ الناجحة منشغلاً بهذه المهمة "البرجماتية" عن أَيةِ إضاعة للوقتِ في جدلٍ أيدولوچي عقيم لا يزيدنا إلاَّ إمعانًا في التأخرِ .

وأعتقد أن "المغالاةَ في مدحِ الذات" ترتبطُ ارتباطًا وثيقًا بمجموعةٍ أخرى من "القيم السلبية" التي شاعت في حياتنا لأسبابٍ عديدة (قد يكون يوم 5 يونيه 1967 من أقواها تأثيرًا) . وأهم هذه القيم هي :

انفصال (الاقوال) عن (الأفعال) وتحولنا (بدرجة ما) إلى "واقع خطابي" أكثر من أن نكون "واقعًا عمليًا" . وهى ظاهرة تعم المنطقة التي ننتمي إليها بشكلٍ بالغ الظهور والقوة . وترجع هذه الظاهرةُ لتواريخٍ بعيدةٍ وعواملٍ ثقافيةٍ ضاربة في عمقِ هذه التواريخ . فنحن - بلا شك- من أكثر شعوب العالم تغنيًا (بالألفاظ) بتاريخنا وأمجادنا الماضية وميزاتنا عن الآخرين . وإذا قارنا مجتمعاتنا (من هذه الزاوية) بمجتمع كالمجتمع الياباني وجدنا اليابانيين على أعلى درجاتِ الفخرِ بوطنهم دون أن يتخذ هذا الفخرُ شكلَ "كبريات الألفاظ" و "القصائد" و"الأغاني" و"الشعارات" .

ارتكاز الأحكام العامة عند كثيرين على منطق (الحب) أو (الكراهية) وهو ما يقود إلى شيوع الشخصانية ((Subjectivity عوضًا عن "الموضوعية" (Objectivity) ثم يؤدى -أخيرًا- إلى انطلاق الأحكام والآراء والمعتقدات من زوايا شخصيةٍ بحتةٍ .

ولاشك أن هاتين النقطتين الأخيرتين بحاجة ماسة لمزيد من الإيضاح وهو ما ستعنى به الجزئية التالية.









الفصل الثالث عشر
تمجيـد الفـرد

(نجاهد ليرضى "الجهاد" لا ليرضى "عمر بن الخطاب"…)
"أبوعبيدة بن الجراح"
أقوامُ هذا الشرق ما سئمت
شيمَ العبيدِ، وقبحت شيما
لا يحفلون بغير من رفعت
سادتُهم .. فليرفعوا الخدما.
"العقاد ..."

موضوع تمجيد الفرد من الأمورِ التي تقف على الحدِ الفاصلِ بين مناطق عديدة، لذلك فإن تناوله ينبغي أَن يتم بمزيد من الموضوعيةِ وبدون انفعال لا مبرر له، رغم أنه موضوع يدعو للانفعالِ. ولب الموضوع هو علاقة المصريين بحكامِهم (تاريخيًا) وهى علاقة تختلف عن علاقة معظم شعوب العالم بحكامهم. فمصرُ التي ألّهت حكامها منذ عشرات القرون ... ومصر التي أعطت حكامها المماليك "الأبهة والسلطان المطلق والتفخيم العظيم"، لا تزال آثار منها في وجدانِ وعقولِ أبنائها وهم يقفون اليوم على مشارف القرن الحادي والعشرين.

فهل هذه "العلاقة الخاصة" بين المصريين وحكامهم أمر إيجابي يجب الاحتفاظ به، أم أنه أمر تشوبه جوانب سلبية يجب أن نمعن النظر فيها وندرسها كعيوب يجب العمل على التخلي عنها؟.. ثم ما هي الجهة المسئولة عن وجود هذه العلاقة: التاريخ؟.. أم الحكام؟ .. أم نحن أبناء هذا الوطن؟ وإذا كانت هناك سلبيات، فما هي الجهة القادرة على بدءِ مشروع العلاج؟

وهكذا، يجد القارئ نفسه (معنا) في خضم مناطق بالغة الحساسية وتحتاج لأن يكبح المرء جماح انفعالاته وهو يتدبرها ويعتمد –أساسًا- على العقلِ والتفكيرِ الموضوعي الذي يتجنب الحماس الزائد والشطط.

أَما الجزئية الأولى، فأعتقد أن علاقة المصريين بالشخصياتِ العامةِ تحتاج لأن تُخلى من هالاتِ التقديس التي تكتنفها أحيانًا. فحتى الحاكم، فإنه ابن من أبناء هذا الوطن يتحلى بقدرات وإمكانات عقلية ودراية وخبرة وموضوعية واتزان وإخلاص تجعله قادرًا على تنفيذ ما هو منوط به من مهام. ويعني ذلك أن العلاقة يجب أن تكون مؤسسة على هذه الأرضية وأن تخلى مما يشوبها من أبعاد تضرب جذورها في التاريخ الطويل لهذا الوطن وبالذات للتاريخ الفرعوني والمملوكي.

فنحن إذن نخرج بالعلاقة من كونها (مهمة بالغة الأهمية) إلى صيغة عاطفية نحيطها بهالاتٍ من التقديسِ والارتفاعِ عن أرضِ الواقعِ. ونحن نفعل ذلك -بنفس الكيفية- مع كل حكامنا. ويقيني، أن "الحاكم" ليس مصدر هذه الظاهرة، وإنما هي "ظاهرة" ذات جذور عميقة في وجداننا بشكلٍ يجعلها تتكرر -منذ قرون عديدة- وبنفس الكيفية مع أشخاص مختلفين.

وهناك الكثير الذي يمكن أن يقال عن أثرِ العهد المملوكي على تكوين الشخصية (أو العقلية) المصرية في هذا المجال بالتحديد، ولكن ذلك سيخرجنا عن المحور الذي يدور حوله اهتمامُنا. فنحن نزعم أن هناك شبه اتفاق تام بين المثقفين في هذا الوطن على أن علاقة "الحاكم بالمحكومين" والموجودة في الديمقراطيات المستقرة هي هدف نتطلع لأن نبلغه. وأن هذه العلاقة تقوم على أساس أن الحاكم يقوم بمهمة وأنه مسئول عن تحقيقِ أهداف هذه المهمة دون أن ننتقل به إلى مكانة غير واقعية محاطة بالتقديس المبالغ فيه والذي يخرج بالعلاقةِ عن الحدودِ التي يسمح بها الزمن وتطور الديمقراطية.

ونحن هنا لا نبسط الأمور بتوجيه الاتهام لأحد، فالتاريخ هو الصانع الأول للظاهرة التي نتناولها، ونحن (الشعب) الجهة الأساسية التي تنبع منها هذه الظاهرة. والمثقفون في هذا الوطن يأملون أن يحدث تطوير في هذه الجزئية بحيث تتحول العلاقة إلى ما يشبه "علاقات العمل" وإن كانت "علاقة عمل" على أعلى درجة من الأهميةِ.

وأما الجزئية الثانية، فتتعلق بآلية إحداث التغيير في هذا الشأن. ورغم تسليمي بأن "المحكومين" في هذا الوطن هو مصدر "الظاهرة" إلاَّ أَن التغيير يبقى مستحيلاً ما لم يبدأ من قمة الهرم المجتمعي، إذ أن البدء من القاعدةِ مستحيل لعمقِ الظاهرة ومدى اتساعها.

وأَعنى، أَن رأس المجتمع هو القادر على البدءِ في بث قيم أخرى مختلفة في هذا المجال: قيم تناسب حقيقة العلاقة بين الطرفين (كما آلت إليه مع التطور الإنساني) وتناسب القيم التي استقرت في المجتمعات ذات الحظ الوافر من الديموقراطية.

ولا شك أن بدء هذه المهمة من قمة المجتمع يجب أن تتبعها تغيرات في برامجِ التعليمِ والاعلامِ تبث (بهدوء وعقلانية) القيم المعاصرة للمجتمعاتِ المتقدمة في هذا الشأن.








الفصل الرابع عشر
ثقافة عدم الرحيل

رغبةُ الإنسانِ (بوجهٍ عامٍ) في البقاءِ في موقعٍ متميّزٍ هي "رغبةٌ إنسانيةٌ". ولكن "درجةَ التمسكِ بهذه الرغبةِ" هي "ظاهرةٌ ثقافيةٌ ذات دلالاتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ وذهنيةٍ". وقد راقبتُ هذه الظاهرةَ عبر سنواتٍ عديدة نظرًا لإنني كنتُ حسنَ الحظِ عندما أمضيتُ في مؤسسةٍ عالميةٍ نحو عقدين من الزمان رأيتُ خلالهما عكسَ ما هو سائد اليوم في واقِعنا المصري. فخلال ربع القرنِ الأخير تصاعدت بشكلٍ كبيرٍ وحادٍ رغبةُ - معظم - من تواجدوا في مواقعٍ متميّزةٍ في عدمِ تركِها بدرجةٍ (نسبيةٍ) أعلى بمراحلٍ (وبكثيرٍ) مما كانت الأمورُ عليه قبل ذلك عندنا، وأعلى بمراحل (وكثير) مما هي الأمور عليه في المجتمعاتِ التي تشهد حِراكًا سياسيًا واجتماعيًا- أي في المجتمعاتِ ذات النصيبِ الأوفر من الديمقراطية. و كان من دروس التواجد في بيئة مؤسسية أوروبية بالغة التقدم أن أرى القوانين التي صنعتها الحضارة الغربية متجسدة أمامي و أهمها:
 شيوع ثقافة عامة تقوم على أن المؤسسةَ وليس أي فردٍ (أيا كان) هو سبب نجاح هذا الكيان الاقتصادي العملاق.
 شيوع ثقافة تقوم على أن البقاءَ في ذاتِ المنصبِ لا يمكن أن يكون مكافأةً على "الأداء المتميز". لأن الإيمان بأن (كل إنسان يوجد من يحل محله) هو أكثر صحية للتنظيم والمؤسسة من الاعتقادِ بأن من حقِ من يجيد عمله وتحسن نتائجه أن يبقى في موقعهِ.
 البقاءُ في أي منصبٍ كبيرٍ يجب أن يكون لفترة ما بين ثلاث وخمس سنوات.

 ما من إنسانٍ إلاَّ ويتقاعد عند بلوغ سن التقاعد ولو كان أذكي وأعلم وأقدر خلق الله قاطبة. ومنذ القرن التاسع عشر لم تمد هذه المؤسسةُ العملاقة عملَ أحدٍ بلغ سن التقاعد.

وفي المقابلِ، فقد شاعت في واقعنا خلال ربع القرن الأخير "ثقافةُ عدمِ الرحيلِ": فرؤساء النوادي… ونقباء المهن… ورؤساء الأحزاب…وكل من هو "الأول" في موقعٍ من المواقعِ المتميزة يريد الخلودَ في موقعِه. وأصبح الناسُ يتحدثون عن "الوزير السابق" وكأنه "المرحوم" أو "الفقيد"، وأصبح تركُ منصبٍ أمرًا ذا دلالةٍ على "عدم الرضى السامي" أو "سوء الأداء" أو "ما هو أسوأ من ذلك من الموبقات". وكما ذكرت في مستهلِ هذا الفصل، فإن الرغبةَ في البقاءِ في المواقعِ المتميّزةِ ظاهرةٌ إنسانيةٌ. إلاَّ أن استفحالَ الرغبةِ بالشكلِ الشائعِ في واقعنا اليوم هو الظاهرة التي تحتاج للنظر (وربما المعالجة).

منذ أكثر من ربع قرنٍ خرج الرئيسُ فرانسوا ميتيران من منزلِ الرئيسِ الراحلِ أنور السادات وهو يقول له إنني ذاهب الآن للقاء الاستاذ محمد حسنين هيكل. في أقلِ من ثانيةٍ قال الرئيس السادات: "ولكنني فصلته"!!! وقد أَسرَّ الرئيس ميتيران لأصدقائه بعد ذلك أنه عجز عن فهمِ تعليق الرئيس السادات الفوري. فالرئيسُ ميتيران لم يقل "إنني ذاهب إلى محمد حسنين هيكل بصفته رئيسًا لتحرير الأهرام" وإنما قال " إنني ذاهب لمحمد حسنين هيكل". قلت لمن روت لي تلك القصة (وهي ابنة الرئيس ميتيران التي أعلن للناس أبوته لها قبيل موته بوقتٍ غير طويل) أن اختلاف الثقافةَ والذهنيةَ هي التي جعلت رجلاً مثل أبيكِ يعجز عن فهمِ كلماتِ السادات:"ولكنني فصلته!". إن السادات (شأنه شأن العديدين من أبناء واقعنا) اعتقدَ أن قيمةَ "محمد حسنين هيكل" هي معادلُ "منصب رئيس تحرير الأهرام". فإذا كان ذلك كذلك، وكان الرئيس السادات قد فصل "هيكلاً"… فإن النتيجة الطبيعية تكون أن ميتيران كان يرغب في زيارة "العدم"!! وهو ما يخالف الحقيقة. فرغم اختلافي مع الاستاذ هيكل في معظم المسائل السياسية، فأنا أعرفُ أنه (صحافي لا نظير له اليوم في المجتمعات الناطقة باللغة العربية). وأعرفُ أن كل من يهاجمونه اليوم إنما يفعلون ذلك لإرضاء أشخاص (هم أصحاب فضل على هؤلاء المهاجمين، كما أن هؤلاء المهاجمين "ممتنون" لأصحاب الفضل عليهم امتنانًا فاض فيضانًا واسعًا)… وأعرفُ ماذا سيحدث لو ذهب أيٌّ من هؤلاء (الذين يهاجمون الاستاذ هيكل) لناشرٍ عالميٍّ يعرض عليه كتابًا له لنشره عالميًا (كما تنشر مؤلفات الاستاذ هيكل) (!!)
رغم خلافي في معظمِ المسائلِ السياسيةِ مع الاستاذ هيكل، فأنا الذي كنت أشاركُه الطعامَ في أحد مطاعم لندن منذ سنوات قليلة عندما اتصل تليفونيًا بالقصرِ الملكي الأسباني يطلب موعدًا مع الملك خوان كارلوس (بعد غدٍ!)… وبعد 15 دقيقة دق الهاتفُ وجاء تأكيدُ الموعد (سيكون جلالة الملك سعيدًا بمقابلتك يا أستاذ هيكل بعد غد في القصر الملكي في مدريد). هذا "واقع" .. كما أن وجود مؤلفات للأستاذ بلغاتٍ أُخرى وصلت لعشرات الملايين من القراءِ في مشارق الأرض ومغاربها هو أيضًا "واقع" .. وكذلك فإن حدوث ما أعلم أنه سيقع لو أن معظم مهاجمي الاستاذ هيكل اليوم تقدموا بنص من تأليفهم لناشر عالمي هو أيضًا "واقع"…… وأخيرًا…… فإن تصنيف كتابات مهاجمي الاستاذ هيكل اليوم على أنها (من باب الاستغراق في الامتنان لبعض أصحاب الفضل) هو أيضًا "واقع".
الشاهد: أن واقعنَا اليوم يرى درجةً من ارتباط "القيمة" بالموقع ربما تكون الاعلى في دنيانا المعاصرة. هذه الدرجة، تجعل الاستاذ (م.م) "نائب رئيس حزب الأمس!" يخون زميله ورئيس حزبه (أ.ن) لحساب "فلان" .. مطبقًا (بشكلٍ عمليٍّ) بيت المتنبي المعروف:


أكلما اغتالَ عبدُ السوءِ سيدَه فله في أرضِ مصرَ تمهيدُ.

وأستاذ القانون وعميد كلية الحقوق الأسبق يقاتل (بالمعنى الحرفي للاقتتال، بما في ذلك الهجوم على خصومه بالأسلحة النارية) ليبقي رغم إرادةِ أعضاءِ الحزب رئيسًا له ولهم (!!) .. وهو الحزبُ الذي كان أولُ رئيسٍ له يفوق في شعبيته (وهو بدون أي منصب رسمي) شعبية ملك مصرَ ورئيس حكومتها.

وفي نادي رياضي شهير بالقاهرة تتكرر "مناظر" الاقتتال (الفعليّ) من أجل رئاسة النادي.

وهناك عشرات ومئات الأمثلة على أن أحدًا لا يقبل إن وجودَه في موقعٍ متميّزٍ هو "بطبيعةِ الحالِ" (أمرٌ مؤقت .. ولأجل).

نشرت "دارُ الهلال" حديثًا كتابًا عن حكامِ مصرَ منذ أكثر من خمسة آلاف سنة أي منذ موحد القطرين الملك مينا (مؤسس الأسرة الأولى سنة 3100 قبل الميلاد) قمت بإحصاءٍ بسيطٍ فوجدت أن هؤلاء الحكام ينقسمون لثلاث مجموعات متساوية في أعدادها:
- مجموعة الذين أُزيحوا عن/من السلطةِ.
- مجموعة الذين ماتوا وهم في السلطةِ.
- مجموعة الذين قتلوا وهم في السلطةِ.

بحثت عن أفراد يكونون مجموعة رابعة هي "مجموعة الذين رحلوا" فلم أجد أحدًا. وربما يقتضي المقام أن أذكر ما يلي: يوم الأربعاء 8 أكتوبر 1917 توفي حاكمُ مصرَ السلطان حسين كامل. عُرض العرش على ولي عهده الأمير كمال الدين حسين .. فرفض تولي حكمَ مصرَ .. فذهب العرشُ للأمير "الدون" أحمد فؤاد (الشقيق الأصغر للسلطان حسين كامل). وقد سألت في محاضرة عشرات الطلاب الذين يدرسون التاريخ عن اسم رجلٍ عُرض عليه عرشَ مصرَ منذ أقل من مائة سنة فرفض هذا العرش .. فلم يعرفه واحدٌ من دارسي التاريخ الذين كنت أحاضر لهم. لماذا لم يذكره أحد؟ .. لأنه في ثقافتنا "معتوه" .. ولا أدل على ذلك من رفضه العرش .. فكان جزاؤه (النسيان) وأن بدا لرجل مريض بالمثالية (بطلاً من أبطال الإرادة الإنسانية). أما ماذا قصدت بكلمة (الأمير الدون) فهو ما قصده بيرم التونسي الذي سخر من أن يجلس أحمد فؤاد (وهو من أشهر رواد الكباريهات في مصرَ) على عرش بلد الفراعين العظام. يقول بيرم التونسي (ولما عدمنا بمصر الملوك/ جابوك يا فؤاد الإنجليز قعدوك/ على العرش تمثل دور الملوك/ وفين يلقوا زيك خاين ودون؟).

يردد صديق لي (فيلسوف) دائمًا عبارة فذة وهي (أن الأجوبة عمياء- والأسئلة مبصرة)…… وهاأنذا أسأل مؤرخينا الأفاضل: ما هو تفسيركم العلمي لظاهرة شيوع وذيوع واستفحال "ثقافة عدم الرحيل " في واقعنا حتى وصلنا لمعركة "جمعة" المشهورة بالأسلحة النارية الخفيفة!










الفصل الخامس عشر
ثقافـة الموظفيـن

إن فاتك (جاءك) الميري، اتمرغ (تمرغ) في ترابه.
"مثل عامي مصري"..

في كل مجتمع من المجتمعات يكونُ المناخ الثقافي مُشبعًا بعدة أفكار عن العملِ والوظائف يُشكلُ اتجاهها عنصرًا من عناصرِ المناخِ الثقافيِ العام. فماذا عن هذا البعد في "عقلِنا المصري"؟

إن نظرةً سريعةً لتاريخِنا الممتدِ عبر قرونٍ عديدةٍ تثبت أن (العملَ للحاكمِ أو للأميرِ أو للحكومةِ) كان دائمًا شيئًا بالغَ القيمةِ والأهميةِ في ذهنِ وعقولِ وتفكيرِ المصريين …. إن نظرةً سريعةً لتاريخِ مصرَ كما كتبُه مؤرخون ثقاةٌ مثل المقريزى وابن إياس (صاحب أوثق تاريخ للحقبةِ المملوكيةِ التي امتدت بشكلٍ سافرٍ حتى سنة 1517 وهى السنة التي قُتلَ فيها طومان باي بعد دخولِ الجيش العثماني لمصرَ بقيادةِ السلطان سليم شخصيًا وصيرورة مصرَ "ولايةً عثمانيةً"..) إن نظرةً سريعةً لهذهِ الكتاباتِ التاريخيةِ الرائعةِ تُثبت أن (العملَ للحاكمِ أو للأميرِ أو للحكومةِ) كان دائمًا شيئًا قيمًا ومميزًا عند المصريين … وما أن بدأت الحكومةُ تتحول إلى شكلٍ عصريٍّ من أشكالِ الإدارةِ في عهدِ محمد على حتى تعاظمتُ قيمة أن يعمل المصري في عملٍ مرتبطٍ بالحكومةِ ... أو بالأميرِ... وهو مصدر كلمة (أميري) أو ميري التي كانت دائمًا ذات دلالةٍ واضحةٍ...الموظف الميري... والثياب الميري... وكل ما هو (ميري)، كان دائمًا ذا دلالةٍ واضحةٍ ومميزةٍ.

وإذا كانت الأمثالُ الشعبية هي ترجمةً واضحةً ودقيقةً لمكوناتِ عقلِ الجماعةِ، فإن كتابَ الأمثالِ الشعبيةِ المصريةِ لأحمد باشا تيمور يقفُ شاهدًا بما احتواه من أمثلةٍ عن قيمةِ وأهميةِ العمل تبع الحكومة عند المصريين الذين عبّرُوا عن حبِهم الشديد للارتباطِ مدى الحياة بالعملِ الميري والذي جاءت الأمثلةُ لتبالغ في تصويرِه عندما تحدثت عن روعةِ التمرغ في ترابِ الميري أي الأميري أي الحكومي.

ومن هذا الارتباط الوثيق بين المصري والميري، نبتت عدةُ مفاهيمٍ صارت كالمسلماتِ، لعل من أهمِها ما يلي:
• أن التوظفَ الحكومي أرقى وأكرم من التوظفِ للقطاعِ الخاص.
• أن التوظفَ الحكومي هو (الضمانةُ الكبرى) في مواجهةِ مخاطرِ الرزق والحياةِ.
• أن التوظفَ الحكومي أفضلُ من التوظفِ للقطاعِ الخاصِ حتى لو كان مردودُه المادي أقلَ بكثيرٍ.
• أن التوظفَ الحكومي مصدرُ "وجاهةٍ اجتماعيةٍ" لاسيما عندما يرتقي الموظفُ العام لقممِ الوظائف العامة، وهذه الوجاهةُ الاجتماعية بالذات أصبحت عبر السنين مصدرَ "قيمة عظمى" عند المصريين.
• أن "الاستقالةَ" و"تغييرَ العملِ" هما من الأمورِ نادرةِ الحدوث نظرًا لأنهما ينطويان على إخلالٍ جسيمٍ بالمفهومِ المستديمِ للوظيفةِ العامةِ، لدرجةِ أن المجتمعَ أصبح ينظر للمستقيلِ نظرتَه للمغامرِ أو الطائشِ الذي لا يحسن تقديرَ الأمورِ.
وقد قصَّ على أحدُ الأصدقاء وهو مؤلفٌ لأكثر من خمسين كتابً نصفها عن الحضارةِ المصريةِ القديمةِ والنصفُ الآخر عن الآدابِ الأوروبيةِ الحديثةِ أنه عندما قدم استقالته من العملِ الوظيفي وهو وكيل وزارة النقل قام رئيسُه بتمزيقِ الاستقالة في موقفٍ يعبرُ عن أنه إنقاذٌ له من مغبةِ ورقةٍ طائشةٍ لابد أن صاحبَها قد سطرَها في لحظةِ إحباطٍ أو غضبٍ أو طيش! وهذا المؤلف هو الاستاذ/ مختار السويفي الذي أَصرَ على قرارِه وعلى تفرغهِ للتأليفِ والكتابةِ. وهناك عشرات الأمثلة المشابهة والتي تعبرُ كلُها عن "عمقِ قيمةِ الوظيفةِ الحكوميةِ الآمنةِ والمستمرةِ" عند معظمِ المصريين.

وربما لا توجد قصةٌ تدلُ على عمقِ هذا المفهومِ من حوارٍ دار بيني وبين شابٍ كنت أعلم أنه يعملُ بإحدى الصحف إلاَّ أنه أدهشني بقوله إنه ما زال لا يعمل ... فلما سألته عن عمله بالجريدةِ التي كنت أعلم أنه يعملُ بها قال لي (أنا لم أثبت بعد ...يعني لا أعمل) . . . وهكذا فإن العملَ الذي يقومُ به والأجر الذي يحصلُ عليه ليسا في اعتقادِه دليلاً على أنه يعمل لأنه (غيرُ مثبتٍ) وهي حالة تعبر بوضوحٍ كاملٍ عن مفاهيمٍ إداريةٍ ثقافيةٍ تنبعُ كلُها من دائرةِ الوظيفةِ الحكوميةِ.

ولكن من المؤكدِ أن المستقبلَ لن يكون -في هذا المجالِ- صورةً مكررةً من الماضي. فمن المؤكدِ أن دورَ الدولةِ الواسع في الحياةِ الاقتصاديةِ والذي بلغ قمةَ اتساعِه في مصرَ في الستينيات سوف يكون مختلفًا تمامًا في المستقبلِ القريبِ. فالدولةُ التي كانت بمثابةِ (ربِ العملِ) للسوادِ الاعظمِ من المصريين، لن تكون كذلك في المستقبل. وسيقتصر دورُ الدولة -كما ذكرت- على وضعِ السياساتِ والتشريعاتِ ومراقبةِ تطبيقها. أما الأنشطةُ الاقتصاديةُ الانتاجيةُ والخدميةُ فسيتحول معظمُها للقطاعِ الخاصِ، وستكون فرصُ العملِ لدى الحكومةِ أو القطاعِ العام في انحسارٍ مستمرٍ. وفى المقابلِ، فإن معظمَ فرصِ العملِ الجديدةِ ستكونُ فرصًا يطرحُها القطاعُ الخاصِ.

ولاشك أن ذلك سيعني - فيما يعني- ذبول العديدِ من المفاهيمِ الإداريةِ التي كانت تنبعُ من كونِ الأغلبيةِ تعملُ لدى الحكومةِ. ولاشك أن مفاهيمًا أخرى جديدة سوف تبرز وتصبح هي (الأساسَ) للثقافةِ الإداريةِ الشائعةِ في المجتمعِ.

فما هي أهم ملامح تلك المفاهيم التي يعتقد أنها ستصاحبُ وتواكبُ تحولَ المجتمعِ لاقتصاد السوقِ؟

من الممكن الاسترسال في العديدِ من ملامحِ هذا التغييرِ، ولكنني أفضلُ الإيجازَ والاقتصارَ على بعضِ (لا كل) المفاهيمِ المتوقعِ أن تكوّن ما نسميه بثقافةِ المستقبلِ الإداريةِ:

فرصُ العملِ بين احتياجاتِ السوق الفعليةِ والمؤهلات الدراسية:
بينما تحكم سوق الوظائف نوعية وخلفية المؤهلات الدراسية للشخصِ في نظمِ الاقتصاد الموجه، فإن نظم اقتصاد السوق تنطلق في هذه الجزئية من زاوية مختلفة وهى حقائق واحتياجات السوق وهو ما ينعكسُ على المدى الطويلِ على البرامجِ الدراسيةِ وتوجهاتِ الأشخاصِ الذين يأخذون في الاعتبارِ حقائقِ السوقِ قبل أي اعتبارٍ آخر.

تراجع عددِ الوظائف التي تستغرق الحياةَ العملية للإنسان:
منذ سنوات غير بعيدة كان أشخاص عديدون يقضون عمرهم العملي أو الوظيفي في مكان عملٍ واحدٍ ولكن من المؤكد أن حقائق الحياة الاقتصادية العصرية لن تسمح بالعديدِ من هذه الحالاتِ حيثُ سيكون من الصعبِ تصور وجود وظيفة لمدى العمر العملي لأعدادٍ كبيرةٍ من الناسِ وقد بدأت مجتمعات عديدة تشهد ظاهرة تنقل الإنسان في حياته العملية من وظيفةٍ لأخرى ومن مجالِ عملي لمجالٍ آخر، ومع ذلك فمن الضروري أن نذكر أن المناخ الحضاري والثقافي يلعب دورًا هامًا في ما يتعلق بهذه الجزئية ولا أدل على ذلك من النموذج الياباني.

ذبول واندثار مفهوم "الاقدمية" الذي نشأ واستقر في ظل الوظيفةِ العامة:
كان شغل الوظائف الكبرى في مجتمعنا، مثله مثل العديد من المجتمعاتِ، على أساسٍ من مفهوم الاقدمية الذي رسخ في مفاهيمنا الإدارية لسنواتٍ طويلةٍ ولكن حقائق الاقتصاد المعاصرة تؤكد أن تولى الوظائف العليا سيكون في المستقبل لأسبابٍ ليس من بينها الاقدمية.

ذبول واندثار أهمية (السن) و(المؤهل الدراسي) كمعيارين أساسيين للعديدِ من الوظائفِ. وفى المقابلِ، فإن المستقبلَ سيشهدُ حالاتٍ عديدةٍ يرأسُ فيها من هم (أصغر سنًا) أشخاصًا في سنٍ أكبرْ… كما سيشهدُ المستقبلُ حالاتٍ عديدة يرأس فيها أصحابُ مؤهلاتٍ دراسيةٍ ما أشخاصًا يحملون درجاتٍ علمية أكبر وأعلى، وهو الوضع الشائع في المؤسساتِ الاقتصاديةِ العالميةِ الكبرى كالشركاتِ متعددةِ الجنسياتِ، حيث يكون المعّول على (الكفاءة) كما تُعبر عنها النتائجُ لا كما تُعبر عنها (الأوراقُ).

تعاظم قيمةِ (الكفاءةِ الشخصيةِ) Personal Competence محل القيم التي تأخذ طريقها للاندثارِ مثل قيم (السن) و(الاقدمية) و(مسميات الدرجات العلمية).

تعاظم أهمية قيم جديدة مثل:
أ- القدرة على الاتصالات. Communication Skills.
ب- القدرة على القيادة. Leadership Ability.
ج- التمييز بين فئة الـ Generalist وفئة الـ Specialist.
د- التمييز بين الأداء Performance والقدرة Potential.

كذلك سينحسرُ دورُ القياداتِ الإداريةِ ذات الأبعادِ المحليةِ (Localized) لصالحِ القياداتِ الإداريةِ ذات البعد الدولي، وهي نتيجةٌ طبيعيةٌ لنظمِ العولمةِ (Globalization) ولاتفاقياتِ الجات وما يماثلها من نظمٍ تهدفُ للتقليلِ من الحمائيةِ وتعظيمِ المنافسةِ.


الفصل السادس عشر
معتقدات هدامة

١

كنت – أعتقدُ أن "قبولَ النقدِ" وشيوعَ مُناخٍ ثقافي (وفكري) عام يهتم بالنقد ويأخذه مأخذَ الجدِ ولا يتخذ أمامه "موقف الدفاع الوجداني عن الذاتِ" وكذلك ممارسة النقد الذاتي بدون موانعٍ أو حواجزٍ أو تحفظاتٍ أو مناطقٍ محظورة – كنت - لعدةِ سنواتٍ - أعتقدُ أن هذه هي البدايةُ الفعلية للسيرِ على طريقِ التقدمِ . وكنت - ولا أزال - أؤمن بأن تعبير الفيلسوف الألماني الشهير كانط (أَن النقدَ هو أهمُ "أداةِ بناءٍ" ابتدعها العقلُ الإنساني) هو تعبيرٌ بالغ الصواب والحكمة. ولكن أحداث منطقتنا خلال السنواتِ الأخيرة جعلتني أرى أن هناك خطوةً أُخرى تسبق هذه الخطوة (خطوة قبول وممارسة النقد على أوسعِ نطاقٍ) وأعني "زوال ثقافة النفي". وأقصدُ بثقافِة النفي ما شاع في حياتنا خلال العقودِ الأخيرةِ من نفي متواصلٍ لمسئوليتنا عن عيوبِنا ومشاكِلنا وأزماتِ واقعنا (سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإعلاميًا وتعليميًا). فمن غير المتصور قيامنا بعمليةِ نقدٍ إيجابيةٍ شاملةٍ للأخطاءِ والعيوبِ التي شابت واقعَنا خلال نصف القرن الأخير ما لم يسبق ذلك توفرُ القدرِة على التخلي عن "النفي الدائم لوجودِ أخطاءٍ وعيوبٍ محددةٍ". فالطريق الصحيح للخروجِ من أزمتنا يمر بمرحلةٍ أولى نُسقط فيها ذلك النفي (الذي يتخذ صورًا إيجابيةً أحيانًا عندما نصرح بالنفي ويتخذ صورًا سلبيةً في الكثيرِ من الحالاتِ عندما يكون النفي ضمنيًا أي في شكلِ سكوتٍ عن إعلانِ الأخطاء والعيوب) ... وتلي ذلك مرحلة نقدٍ موضوعي يتعامل مع الأخطاءِ والعيوبِ ولا يكون نقدًا شخصانيًا يقصد به تجريح أشخاصٍ بعينهم – فمصرُ كلُها شريكةٌ فيما يعتري واقعَها وحياتِها من أخطاءٍ وعيوبٍ ومن غير المفيد أن يتخذ النقدُ أشكالاً شخصانيةً ...ثم تلي هاتين المرحلتين مرحلةُ وضعِ تصوراتٍ واضحةٍ للحلولِ. وفي اعتقادي أن القفزَ إلى المرحلةِ الثالثةِ (مرحلة وضع تصورات للحلول ) بدون المرور الكامل بمرحلتي إسقاطِ ثقافةِ النفي وممارسةِ عمليةِ نقدٍ موضوعي شاملٍ لسائر أخطاءِ وعيوبِ حياتنا (وهو ما يتبعه كثيرون اليوم في واقعنا) لا يمكن أن يحقق الغايةَ المرجوة والأهدافَ المنشودة. ومن المفيدِ هنا - في تصوري - أن نستعير منهجًا هامًا من مناهج تقنياتِ الإدارةِ الحديثة، إذ تستلزم عملية "إدارة الجودة" (Quality Management ) وجود ثلاث عملياتٍ: مراجعـة ما تـم مـن منظور الجودة ( Quality Audit ) وهو ما يقابل ما أُسميه هنا بإسقاطِ ثقافةِ النفي، ثم مراجعة ما هو في طور التنفيذ من منظورِ الجودة (Quality Assurance ) وهو ما يقابل العملية الثانية التي أدعو لها وهى عملية ممارسةِ نقدٍ كاملٍ وشاملٍ (موضوعي) لسائر ما هو سائد في حياتنا وواقعنا، ثم وضع تصوراتٍ للمستقبل تقوم على مستخلصات ودروس العمليتين الأوليين ويطلق على ما يقابل هذه المرحلة في تقنيات علوم الإدارة الحديثة "تخطيط الجودة" (Quality Planning ) أي وضع نظمٍ وسياساتٍ جديدةٍ استفادت من عمليةِ مراجعةِ ما تم (مراجعة نقدية) ومن عملية مراجعة ما هو سائد وقائم (أيضًا مراجعة نقدية).

وكما ذكرت من قبل، فقد علمتني عشرون سنة من التعاملِ الوثيق مع كبرياتِ مؤسساتِ المجتمعاتِ الأكثر تقدمًا في أوروبا الغربية وشرق آسيا وأمريكا الشمالية أن وجودَ عددٍ كبيرٍ من الإيدولوجيين في أي مجتمعٍ يكون دائمًا حائلاً وعائقًا يمنع مرور المجتمع بهذه المراحل من مراحلِ الانطلاق على دروبِ التقدم. بل إنني لمست في كلِ المجتمعات الأكثر تقدمًا وجود نظرة للإنسان الإيدولوجي تشبه النظرة لمريضٍ يجب دراسة وفهم حالته ومحاول علاجها: فلا يوجد مجتمع واحد متقدم على ظهر الأرض اليوم تتكون النخبةُ القائدة والرائدة فيه من أيدولوجيين. فمشكلاتُ الحياةِ المعاصرة يكون حلها عن طريق العلم والحلول التي نجحت في أماكن أخرى وليس الحلول المستقاة من عقلٍ أو تفكيرٍ أيدولوجي. وبتعبير أبسط، فإن للتقدم "روشتة" من القيمِ والنظمِ والسياساتِ تنبع من التجاربِ الناجحة ولا تنبع من "منهج أيدولوجي". ومكونات (عناصر) "روشتة التقدم" بقدر بُعْدَها كل البعد عن أن تكون منبثقة من "منهج أيدولوجي" فإنها مكونات إنسانية أكثر من كونها أوروبية أو غربية أو مسيحية أو يهودية. ولا أدل على ذلك من احتواء تقرير التنمية البشرية الذي أصدره مؤخرًا برنامج الأمم المتحدة الانمائي UNDP عن عام 2003 يظهر أن الدولَ الخمسة والعشرين الأولى في العالم تنتمي لخلفياتٍ حضاريةٍ وثقافيةٍ مختلفة فمنها ما هو أمريكي وما هو أوروبي غربي وما هو آسيوي ياباني وما هو آسيوي صيني وما هو آسيوي مسلم مثل ماليزيا وما هو يهودي مثل إسرائيل وهو ما يثبت ما أكرره دائمًا أن "روشتة التقدم" إنسانية في المقامِ الأول (ولا ينفي عنها ذلك أنها نبتت أول ما نبتت في العصورِ الحديثةِ في ظلالِ النهضةِ الأوروبيةِ الغربيةِ). و أَنا إذا أؤمن بلا حدود أن شيوعَ العقل الإيدولوجي في النخبِ المؤثرةِ بأي مجتمعٍ هو حائلٌ مهول بين هذا المجتمع والتقدم؛ لا سيما و أن "الإيدولوجي" بطبيعته مجبول على الدفاعِ المستميت عن الذاتِ والتصرفاتِ وهو ما لا يسمح إطلاقًا بإسقاطِ ثقافةِ النفي … كما يجعل القدر الممارس من النقد ضئيلاً وأحيانًا هزليًا إذ يكون محتوى النقد نوعٌ من مديحِ الذاتِ والهجومِ على الآخرين.

وإذا كان البعضُ يتصوّر أن زوالَ "ثقافةِ النفي" و "ذيوع ثقافة قبول وممارسة النقد" هي عمليةٌ ثقافية وتعليمية تحتاج لقرونٍ لتأصيلها وشيوعها، فإنني أُعارض ذلك كليةً وأقول إن دليلَهم يُستقى من "الفكرِ" أما دليلي فُيستقى من "الواقعِ" : فهناك (اليوم) ثمان مجتمعات آسيوية متقدمة أسقطت ثقافة النفي وأشاعت ثقافة قبول وممارسة النقد خلال الأربعين سنة الأخيرة فقط (وفي حالةِ بعضٍ منها مثل كوريا الجنوبية وماليزيا فإن هذه المدة تقلصت إلى نحو عشرين سنة فقط).

ونظرًا لإنني أَوليت فوائدَ وعوائدَ ثقافةِ قبولِ وممارسةِ النقد الموضوعي مساحات غير قليلة في كتاباتي، فإنني أُركز الآن على مجموعة من الأمثلة توضح لأي حدٍ نسبحُ مع "ثقافةِ النفي" إما بشكلٍ إيجابي يتمثل في القيام بعملٍ أو قولٍ واضحٍ يشخصّ نفينا لحقائقٍ يراها العالمُ وننفيها نحن جهارًا، وإما بشكلٍ سلبي يتمثل في "الصمت" كشكلٍ من أشكال التعبير عن "ذهنية النفي".

يذخر العالمُ (الخارجي) بما في ذلك من كنا نصفهم بالاعداء (كالبريطانيين والأمريكيين) وأيضًا من كنا نصفهم بالأصدقاء (كالروس والهنود والصينين واليابانيين والفرنسيين) بكتاباتٍ ودراساتٍ وبحوثٍ توضح كم كان "أنور السادات" محقًا وصائبًا وحكيمًا في الخط الذي اتخذه في التعامل مع الصراع العربي/الإسرائيلي لا سيما إبان سني حياته الأربعة الأخيرة...وفي المقابل فإن هذه الكتاباتِ والدراساتِ والبحوث تدمغ بالخطأ الاستراتيجي الدول (والقيادات والنخب) العربية التي لم تكتف فقط بمعارضة النهج الساداتي بل و اجتمعت في بغداد (يا لهول السخرية التاريخية !! ) في سنة 1978 لتعلن قرارات المقاطعة والمعاقبة للساداتِ ومصرَ بل و قتل أحد وزرائه (يوسف السباعي) لمجرد أنه شارك في زيارةِ السادات للقدس في نوفمبر 1977. ورغم أن حالَ الذين فعلوا ذلك الآن "تراجيدي" ورغم أن معظم الذين شاركوا في موكبِ العداءِ للساداتِ يومئذ قد ساروا على دربه (بكفاءةٍ أقل) وصرح عديدون منهم أنه كان من الخطأ عدم مشاركة السادات فيما كان يفعل، بل و صرح أمير الرياض منذ سنوات قليلة (وهو أخو الملك خالد الذي قال في سنة 1977 إنه يتمنى لو كان بوسعه إسقاط طائرة السادات المتجهة للقدس) إن السادات كان على حقٍ وصوابٍ وكان من الخطأ معارضته...رغم كل ذلك، فإن "ثقافة النفي" تجعل معظمنا يتجاهل هذه الحقيقة، وهي أن السادات كان على صوابٍ وأن ناقديه ومهاجميه كانوا على خطأ في رؤية و الحسابات. ولا تفسير عندي لوجود تجسيد قوي لثقافة النفي هنا إِلاَّ شيوع المنهج الإيدولوجي (القومي أو الناصري أو الاشتراكي أو الإخواني). وينطبق نفس الشيء على محطتين من محطاتِ الصراع العربي/الإسرائيلي، فرغم أن الجميع يتمنى لو يُعرض علينا اليوم قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة في سنة 1947 فإن ثقافة النفي القوية تجعلنا (في العلن) نتجنب الحديث في هذه المسألة ... كذلك فرغم أننا لو نجحنا اليوم في إعادةِ الجولان كاملةً لسوريا وأخرجنا الضفةَ الغربيةِ من قبضةِ إسرائيل وجعلنا القدسَ الشرقيِة غير إسرائيلية وأعدنا سيناء لمصرَ (وهو الشيء الوحيد الذي تحقق من كل ذلك) فلن نكون قد حققنا أكثر من تصحيح عواقب وخسائر أدائنا في شهري مايو ويونية 1967 – وحتى لو آمن البعضُ أن مصرَ تم اصطيادها للدخول في النفق الذي بدأ في مايو 1967 وانتهى في 7 يونيه 1967- فان من أهم مسئوليات القيادة ألا تمكن أحدًا من اصطيادها. ومع ذلك فإن كتاباتنا وصحفنا وسائر المحاضرات والبرامج التليفزيونية والإذاعية حاشدةٌ بشكل من أشكال "ثقافة النفي" يتمثل في الصمت تجاه هذه الحقائق وعدم الاقتراب منها – بينما لا تخلو دراسةٌ في العالم (عند - من كانوا أَعداءً وعند من كانوا أصدقاءً) من دمغ أدائنا في كل هذه الحالاتِ (1948- 1967- 1977) بالأداء المعيب والخاطئ – أما نحن فلدينا أذُن من "طين" وأذن من "عجين" (كما يقول المثلُ المصري) لأن هذا من مقتضيات "ثقافة النفي".

نحتل المرتبة العشرين بعد المائة (120) بين دولِ العالم في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP عن "التنمية البشرية في العالم – سنة 2003" ولكن وسائل إعلامنا تبرز بعض النقاط التي تبدو إيجابية ولا تقدم الصورة الكلية لوضعنا (وهي سلبية وليس فيها ما يدعو للفخر حسب تعبير الدكتور حازم البيبلاوي) ...بل تصدر معظم الصحف الكبرى وعناوينها الرئيسة تبرز نقطةً واحدةً إيجابيةً من التقرير وتخفي الصورة الكلية...لماذا؟ …لأن هذا من مقتضياتِ "ثقافة النفي" السائدة.

نشكو جميعًا من عدمِ وجودِ نظمِ وتقنياتِ إدارةٍ حديثةٍ تقود العمل في المؤسسات الاقتصادية (الخاصة والعامة) وتقوم العمل في كل الإدارات الحكومية وإدارات الخدمات… ونكرر ليل نهار إن لدينا مشكلة إدارة عويصة – ولكننا نكتفي بأن نقول إن شخصًا ما مريض ولا نفتح الأفواه بكلمةٍ عن حقيقةِ المرض لأنه يتعلق بدورِ الدولةِ بوجهٍ عام (والسلطة التنفيذيةِ بوجهٍ خاص) في واقعنا وحياتنا وهو دور لم يختلف ( إلاَّ قليلاً ) عن دور الدولة عندما كنا نعيش تحت شعاراتِ الاقتصاد الموجه والدولة الإشتراكية…نحن هنا مرة أُخرى ننساق مع آلياتِ ثقافةِ النفي وفي موضوع من أَهمِ وأَخطرِ المواضيع.

نعلم جميعًا أن مؤسساتنا التعليمية أصبحت تفرز خريجين وخريجات لا تقبلهم - كل (مرة أخرى: كل) المؤسساتِ العالميةِ . فهم غير مؤهلين لعملِ الفريق (العمل الجماعي) ولا تسعفهم لغتهم الإنجليزية .. وعاشوا طويلاً مع فلسفةِ تعليمٍ تقوم على التلقين والحفظ وليس على الإبداع والابتكار...وتم حشو رؤوسهم بأن هناك "نموذجًا وحيدًا للصواب" ولم يتم إضافة الإيمان العميق بالتعددية وقيمة الحوار وقبول الآخرين والتسامح في "جسم تكوينهم العقلي والمعرفي" كما أن معظمهم لا يجيد كتابة أفكارِه أو البحث بشكل عصري.ورغم ذلك فإننا نستعذبُ الحديثَ عن إنجازاتنا في مجال التعليم ويغض معظمنا البصرَ عن عيوبٍ هيكليةٍ أساسيةٍ في نظامنا التعليمي الدليل الأكبر على وجودها رفض معظم المؤسسات العالمية في الدول الأكثر تقدمًا قبول خريجينا وخريجاتنا. نحن هنا (مرة أخرى) بصدد عرض (من أعراض الأمراض) حتمي لثقافة النفي.
"أوضاع المرأة في مجتمعنا" أمرٌ يحتاج لمراجعةٍ كاملةٍ وشاملةٍ. فالمرأةُ التي هي نصف المجتمع عدديًا وأكثر من ذلك بكثير من ناحية القيمة والتأثير (كأم) تحتاج أوضاعها لتناول يبدأ بإسقاط نفينا الغريب أن أوضاعها سيئة للغاية وتحتاج لمراجعة كاملة...ثم (ومن خلال عمل منهجي منظم) نعكفُ على نقدِ هذه الأوضاع لننطلق بعد ذلك لوضع تصوراتٍ وسياساتٍ ترقى بأوضاعِ المرأةِ المصريةِ لما تستحقه ولما يناسب العصر. ولكن "ثقافة النفي" تبلغ هنا مداها: فيكثر الحديثُ عن إنصافِ المرأة في تراثنا وإعطائها ما لم تحصل عليه المرأةُ الغربية (ولا نمل هنا من الحديث عن الذمة المالية المستقلة للمرأة) ثم نعض بالنواجذ على حالاتٍ استثنائيةٍ (ورمزية) أُنصفت فيها المرأة – وهنا، فإن ثقافةَ النفي تظلل الأمرَ كله بظلالها السوداء (الظلامية).

وفي تعاملنا مع "الفساد" نكتفي بتكرار أن الفسادَ ظاهرةٌ بشريةٌ (وهذا صحيح) وأنه موجود في كل المجتمعاتِ (وهذا أيضًا صحيح) وننسى أننا يجب أن نركز على النسبِ والمعدلاتِ ودرجاتِ تفشي الظاهرة ولا نكتفي بأحكام عمومية مثل (الفساد موجود في كل المجتمعات)...نحن نعلم ذلك كما نعلم أن "الإجرام" موجود في كل المجتمعات، ومع ذلك فهناك مجتمعات بها نسب منخفضة من الجرائم ومجتمعات بها نسب متوسطة ومجتمعات بها نسب مرتفعة – ولكن "ثقافة النفي" الشائعة تضعنا مرةً أخرى بعيدًا عن طريقِ حلِ المشكلاتِ. وبوسعي أن أضرب "ألف مثال" على ترجماتٍ وتطبيقاتٍ وتجسيداتٍ واقعيةٍ لشيوعِ ثقافة النفي في واقعنا وحياتنا – ولكن ذلك سيكون من باب الاستطراد غير المطلوب: فالصورةُ واضحةٌ بالعدد القليل الذي ضربته من الأمثلة.

نحن بحاجةٍ لمؤتمرٍ أو حلقة عمل جادة تجمع النخب العقلية والفكرية والقيادات المختلفة سواء من القيادات الحكومية أو قيادات المجتمع المدني لدراسةِ مرضٍ ثقافيٍّ عضالٍ متفشٍ في واقعنا وحياتنا هو "مرض ثقافة النفي" والذي يمنعنا من الانتقال لمرحلةٍ تاليةٍ من التعاملِ مع مشكلاتِ وأخطاءِ وعيوبِ واقعنا وهي مرحلة النقد الموضوعي لهذه المشكلات والأخطاء والعيوب ثم الانطلاق للمرحلة الثالثة وهي مرحلة وضع تصوراتنا وسياساتنا لكيفية التعامل مع مشكلاتِ وأخطاءِ وعيوبِ الواقع وأخيرًا مرحلة رابعة حاسمة هي مرحلة تنفيذ هذه التصورات والسياسات العلاجية – والتي قد يكون بعضها غير سليم ويحتاج لمراجعة وتصويب – وهو أمر بدهي وإنساني وهو ما برر وجود علم من علوم الإدارة الحديثة باسم علم المراجعة من منظور الجودة (Quality Audit ).
************
٢

أَسيرُ على نهجٍ يرى الناسُ غيرَه.
لكل امرئٍ فيما يحاولُ مذهبُ.
"محمود سامي البارودي . . .”

لكلِ إِنسانٍ منشغلٍ بأمورِ الفكرِ ولاسيما ما يتصل بالعلومِ الاجتماعيةِ وحركةِ وفكرِ المجُتمعاتِ مسائل تكون محلَ اهتمامِه وانشغالِه أكثر من غيرِها. ومن المسائل التي لم تغادر تفكيري منذ سنواتٍ شيوع الاعتقاد في عالمِنا العربي وواقعِنا المصري "بنظريةِ المؤامرة". فمن المؤكد أَن هُناك الكَثيرين -بالملايين- في واقعِنا الذين لا يساورهم شكٌ في صحةِ المقولاتِ التالية:

• إن وقائعَ ماضينا القريب وحاضرنا جاءت وفقًا لمخططاتٍ وضعتها قوى كبرى وإن الواقعَ كان في معظمهِ ترجَمة عملية لهذهِ المخُططات.

• إن هذه القوى التي صاغت تِلك المخُططات والتي سار على دَربِها ماضينا وحاضِرنا هي في الأغلبِ القوى العالمية العُظمى وبالتحديدِ بريطانيا وفرنسا في الماضي والولايات المتحدة (وابنتها إسرائيل) في الأمسِ القريبِ والحاضرِ.

• إن مُخططاتِ هذه القوى موضوعة بشكلٍ تفصيلي وأن الأطرافَ الاقل نصيبًا من القوةِ (ونحن من بينها) لم تَكن تملك (ولا تمتلك الآن) إلا أن تَنصاع لتيارِ تِلك المخُططاتِ.

إننا -بناءً على ما سبق- غيرُ مسئولين مسئوليةً كبيرةً "عما حدث" . . . وبنفسِ الدرجة "عما يحدث" . . . ويضيف البعضُ "عما سَوف يحدث". وتلك نَتيجة مَنطقية -في رأى واعتقاد الكثيرين لتلك "المنظومة الفكرية".

وعندما يضاف "العامل الإسرائيلي" لتلك "النَظرة" تَكون الصورةُ بالغةَ "الحرارةِ" و"الإثارةِ". وإِذا انتقلنا من "العمومياتِ" "للجزئيات" كان من الطبيعي أَن يردد البعضُ -حَسب تلك "النظرة"- أَن أَكبرَ وقائعِ تاريخِنا الحديثِ ما هي إلاَّ نَتائج المخُططاتِ التي وضعتها القوى العظمى... فحرب 1956 وانفصال سوريا عن مِصرَ في سنة 1961… وحرب اليمن من سنة 1962 وكارثة 5 يونيه 1967 وعدم استكمال عملية العبور العظيمة لقناة السويس في أكتوبر 1973 حتى نحرر –عسكريًا- سيناء كلها… وزيارة الرئيس السادات للقدسِ في نوفمبر 1977 وتوقيع اتفاقية "كامب ديفيد" بين مِصرَ وإسرائيل وسقوط الاتحاد السوفيتى وانهيار "هيكل الاشتراكية" في كلِ مكان ... وانفراد الولايات المتحدة بدورِ القوى العظمى وأشياء أخرى كثيرة مثل "النظام العالمي الجديد" و"اتفاقيات الجات" وخلافه... كل ذلك ليس إلاَّ نتائج مباشرة وترجمات عملية لتلك المخُططاتِ التي يعتقد كثيرون منا أَنها وُضعَتْ من طرفِ القوى العظمى ليسير التاريخُ وفق مفرداتِها.

ومن الجدير بالاهتمامِ والتحليلِ أن الأطرافَ أو المجموعاتِ التالية تشترك في هذا المفهومِ بدرجاتٍ مُختلفةٍ:

فكل من يمكن أن يندرج تحت مسمى "الإسلاميين" يؤمنون إيمانًا صخريًا واضحًا كضوءِ الشمس بصحةِ هذهِ المقولات والتي من مجموعِها تكتمل "نظريةُ المؤامرة"… وينضوي تحت هذه الرايةِ الإخوانُ المسلمون وغيرهم كالجماعةِ الإسلامية وتنظيم الجهاد والحركات السلفية بل و المعتدلون للغاية من أصحابِ "الطرح الإسلامي" ويوجعني أن أصف فرقة هي مجرد "مجموعة سياسية لا غير" بمصطلح "الإسلامية" لأن ذلك يعني أَن "غيرهم" يجب أن يصنف ضمن "غير الإسلاميين" أو"ضد الإسلاميين"؛ وهو أمر خاطئ تمامًا – ولكن ضرورات استعمالِ الشائعِ والذائعِ من "المصطلحاتِ" قد تملي على المرءِ أن يستعمل تسميةً هو أول المعترضين على صوابِ ومعقوليةِ استعمالِها وإذا كان لابد أن نختار أكبر المؤمنين “بنظرية المؤامرة”، فلابد أن نسلم للإسلاميين بهذه الرتبةِ.

أما كل من كانوا - بشكلٍ أو بآخر تحت اللواء الاشتراكي، من ماركسيين إلى اشتراكيين ومرورًا بعشراتِ التصنيفاتِ الفرعيةِ للتوجهاتِ اليسارية أو الاشتراكية بما في ذلك الاتجاه الناصري -فإنهم يؤمنون بنظريةِ المؤامرةِ ولكن بدرجةٍ أقل من "التصخر" إن جاز لنا نحت هذا التعبير. فهم إن كانوا يؤمنون بالنظريةِ ككلٍ وبالتالي بالمقولاتِ التي أوردتها في مستهل هذا الفصل؛ إلاّ أن إيمانهم هذا غير مشوبٍ بما يمكن تسميته بالروحِ الجهاديةِ أو الحربيةِ أو "الضد –صليبية" التي تشوب موقف الإسلاميين في هذا الصدد. ولاشك أن الاختلافَ في "صخريةِ" الاعتقاد هنا و”نارية “ اليقين و”التِهابية" الموقف إنما ترجعُ للروحِ الثيوقراطية (الدينية) للحركاتِ المسماةِ بالإسلاميةِ وفى نفسِ الوقتِ للروحِ الأكثر علمية وتقدمًا وعصرية للأفكار الاشتراكية (وإن ثبت أنها كانت كلها خاطئةً وعاجزةً عن تحقيقِ أهدافِها وشعاراتِها).

وثالثًا (وأخيرًا) فإن السوادَ الاعظم من "المواطنين العاديين" في واقعِنا العربي والمصري والذين لا ينتمون للفريقِ الإسلامي (سياسيًا) أو الفريق الاشتراكي (عقائديًا)، فإن معظمَهم يميلُ ميلاً واضحًا لتبني "نظرية المؤامرة والتسليم –بالتالي- بصوابِ وصحةِ "المقولاتِ" المنبثقةِ عن الإيمانِ بهذه النظريةِ.

ولكن من الضروري للغايةِ أن نذكر أن أسبابَ إيمانِ كل مجموعةٍ من هذه المجموعاتِ الثلاث الكبرى بنظريةِ المؤامرةِ إنما ينبعُ من مصادرٍ مختلفةٍ:

فالمجموعةُ الإسلامية (بمختلفِ فرقِها) ترى أَن تاريخَ منطقتنا هو تاريخُ الصراعِ بين (الإسلام) و(المسيحية واليهودية)... وأَن الحروبَ الصليبية لا تزال مستمرةً ولكن من خلالِ أشكالٍ مختلفةٍ. وتعطي هذه المجموعةُ للبعدِ اليهودي أهميةً كبرى، فهي تعزو له جل أسباب مشاكلنِا وكوارثِنا.

أما المجموعةُ الاشتراكية (بالمعنى الواسعِ) فإنها ترى الأمرَ من خلالِ تصورِها المعروفِ للصراعِ بين القوى التي تسميها بالقوةِ الإمبرياليةِ والجانب الآخر والذي يضم الشعوب المقهورة والمستغَلة (بفتح الغين).

وأما مجموعةُ المواطنين العاديين، فإنها كوّنَت ميلها هذا للإيمانِ بنظريةِ المؤامرةِ كأثرٍ حتميٍّ إما لسطوةِ اللون الاشتراكي أو لسطوةِ اللون الإسلامي على مواقع غيرِ قليلةٍ من عالمِ الاعلام في واقعنا ومن كثرةِ تكرارِ المقولاتِ المنبثقةِ عن نظريةِ المؤامرةِ والتي غَدت وكأَنها من المُسَلماتِ. وفى المجتمعاتِ التي لا تتسم بمستوى عالٍ من التعليم والثقافة، فإن دورَ الاعلام (بما في ذلك منبر المسجد) قد يصل إلى حدِ (غسل العقول) و(تشكيل الوجدان)… ويكفي أن نذكر أن أولَ اسمٍ لوزارة الاعلام في بعض البلدان كان "وزارة الإرشاد" وهو اعتراف صريح وواضح بالرسالةِ الأساسيةِ وهي "الإرشاد" أي "التوجيه".

والحقيقةِ، أن هذه "المنابع" لإيمان كل مجموعةٍ من المجموعاتِ الثلاث بنظريةِ المؤامرةِ هي "منابعٌ وهميةٌ" ولا سند لها من الواقعِ والتاريخِ والمنطقِ ... فشعوبُ منطقتنا من العالمِ كانت سَوف تلقى نفسَ المسَارِِ التاريخي بما فى ذلك استعمار الغرب لها حتى لو كانت منطقتنا من العالم "مسيحيةً" تمامًا. فالغرب لم يستعمرَ منطقتنا لأننا مسلمون، ولكن لأننا من جهةٍ كنا متخلفين وفى وضعٍ يسمح بأن نُستعمر ... ومن جهةٍ ثانيةٍ فإن دافعَ الغرب لاستعمارنا كان دافعًا تحركه عواملٌ "اقتصاديةٌ" في المقَامِ الأولِ و"حضاريةٌ" في المقامِ الثاني. والعواملُ الحضارية أوسع وأرحب من العواملِ الدينيةِ. وهناك الكثير الذي يمكن أن يقال لدحضِ هذه الوجهة الساذجة من النظرِ، ولكننا نعتقد أن كثرةَ ووضوحَ القرائنِ تغنى عن الاسترسالِ والإسهابِ :فمن الجلي للغايةِ أن منطقتنا كانت سوف تُستعمرَ حتى لو كانت شعوبُها كلُها مسيحيةً. ومن الغريب، أَن الذين يتبنون هذه الوجهة من النظرِ يغيبُ عنهم أن علاقةَ شعوبِ المنطقةِ بالدولةِ العثمانيةِ كانت أدنى ما تكون لعلاقةِ الضعيف ِالمستعمَر (بفتح الميم الثانية). بالقوى المستعمِر (بكسر الميم الثانية) رغم أن الطرفين مسلمان (!!!). فقد كانت شعوب منطقتنا خلال القرن الثامن عشر مرتعًا للتأخرِ والتخلف والرجعيةِ رغم أننا كنا (مسلمين) يحتلهم (مسلمون)، بمعنى أن الغربَ (المسيحي) كان لا يزال بعيدًا عنا... كذلك فقد كنا عندما ولدت الحركةُ الصهيونية المعاصرة على يد النمساوي المعروف تيودور هرتزل في أواخرِ القرنِ التاسع عشر قد قطعنا شوطًا بعيدًا فى التخلفِ لأكثرِ من ستةِ قرونٍ لم يكن اليهودُ فيها قادرين على تحريكِ أيّ حدثٍ تاريخيٍّ.

أما منطقُ المجموعةِ الاشتراكيةِ ففيه الكثيرُ من الصوابِ، دون أن يكون صوابًا خالصًا. فمن المؤكد أن "الدافعَ الاقتصادي" هو العاملُ الأول الذي "ساقَ" الغرب في علاقتهِ التاريخية بنا خلال القرنين الأخيرين. إلاَّ أن الأمرَ -كما سنوضح بعد قليلٍ - كان في إطارٍِ آخرٍ مُختلف تمامًا عن إطارِ "المؤامرة".

وأما منطقُ المواطنين العاديين، فإنه وإن كان متهافتًا ولا يصمد أمام التحليلِ والتفنيدِ الدقيقين، إلا أنه مفهومٌ. فمن الطبيعي أن كثرةَ ترديدِ مقولاتٍ معينةٍ على مسامعِ شعوبٍ نصفها من الأميين والنصف الآخر أصحاب نصيبٍ متواضعٍ للغايةِ من التعليمِ والثقافةِ والوعي من شأنِه أن يخلق انطباعًا بصوابِ مقولاتٍ لا تَستند إلا على "التوهمِ" و"الديماجوجية".

وجوهرُ القضيةِ في اعتقادي أن معظم من تناول "نظرية المؤامرة" لا يعرف إلاّ أقل القليل عن طبيعةِ وحقائقِ وآلياتِ الاقتصاد الرأسمالي أو الاقتصاد الذي يسمى باقتصاد السوق أو الاقتصاد الحر؛ فجوهر الاقتصاد الرأسمالي هو "المنافسة". وفكرةُ المَنافسة تعني –فيما تعني- أشياء عديدةً إيجابيةً وصحيةً، ولكنها تعني أيضًا أشياء سلبيةً وغير صحيةٍ. ولكن نظرًا لأن كلَ البدائلِ الفكريةِ (للرأسمالية أو لاقتصاد السوق) قد باءت بفشلٍ ذريعٍ وأحدثت من الدمارِ والخرابِ لمجتمعاتها ما أحالها لمتحفِ الأفكارِ المنقرضة، فإن الواقعَ يحتمُ علينا ونحن نمعن النظر في حقائق وطبائع الاقتصاد الحرِ ألاَّ يدفعنا الانفعالُ وجموحُه للعودةِ بأي شكلٍ لدوائرِ الأفكارِ الاشتراكية، فقد أحدثت هذه الأفكارُ من الأضرارِ والخسائرِ ما لا يسمح بإعطائها أيةَ فرصةٍ أُخرى. والواقع (لا الفلسفة) يؤكد أن كلَ ما هو اشتراكي (في الفكرِ والتطبيقِ) مآله إما لمتحفِ الأفكار وإما للانقراض التام بفعل ما يسببه من إخفاقٍ وفشلٍ وخسارةٍ. فإذا عدنا للمنافسةِ بوصفها العمود الفقري للاقتصاد الرأسمالي، كان علينا أن نعى أن "المنافسةَ" ليست فقط تلك "الفكرة الجميلة" التي تعنى فوائد للأفراد، حيثُ تؤدى المنافسة لعملية تجويد مستمرة في نوعية ومستوى البضائع والخدمات وحيثُ تؤدى في أحيانٍ كثيرةٍ لخفضِ السعرِ أو التكلفة، وإنما هي – أيضا- صراعٌ شرسٌ بين المنتجين بعضهم البعض: صراع يتجسد في أشكالٍ عدةٍ.... كالطرد من السوقِ (إن أمكن) أو تهميش دور الآخرين والاستئثار بأكبر حصصٍ من السوقِ أو الأسواقِ. وهذه الطبيعة أو هذا المعلم من معالمِ النظامِ الاقتصادي الغربي هو الذي يفرزُ ما يبدو للأكثريةِ في دول العالم غير العريقِ في الصناعةِ والخدمات الرأسمالية المتقدمة وكأنه "مؤامرةٌ محبوكةٌ".

وهذا الجانب من جوانبِ "عنصر المنافسة" هو ما أود أَن أُسلط مزيدًا من الضوءِ عليه، لأننا إذا لم نفهمه جيدًا وبوضوحٍ تامٍ ونقبل فكرةَ حتميته ونوّلد استراتيچيتنا للتعاملِ معه كحقيقةٍ لا تقبل التجاهل من حقائقِ الحياةِ المعاصرةِ، فلن نبلغ أيَّ شيءٍ مما نريد. وأعني هنا أن المنافسة التي هي من أهم أسس الحياةِ الاقتصاديةِ القائمةِ على ديناميكيات اقتصاد السوق هي التي كانت خلال القرونِ الثلاثةِ الأخيرةِ سببَ كلِ المنازعاتِ الداخليةِ في أوروبا بل سبب الحروبِ التي كانت الحربان العظميان (حرب 1914/1918 وحرب 1939/1945) من أهم صورِها. ولكن أوروبا التي تطاحنت وتشاحنت طويلاً تطاحنًا وتشاحنًا داخليين وصلت خلال العقودِ الثلاثةِ الأخيرةِ ليقينٍ بأن فوائدَ عدمِ التشاحن الأوروبي الداخلي أعظمُ من فوائدِ استمرارِ هذا التشاحن الذي لا سبب له إلا "المنافسة". وبذلك خرجت المنافسةُ (في درجاتها الاعلى) من ملعبها الأوروبي لملاعبٍ أُخرى خارج القارةِ الأوروبية، وإن بقيت الساحةُ الأوروبية زاخرةً بأشكالٍ وألوانٍ شتى من المنافسةِ ولكن التي يحكمها قانونُ التعايشِ معًا وقانون الإتفاق على عددٍ من الحدودِ الدنيا.

وحتى تزداد الفكرةُ وضوحًا، فإنني أَودُ إبراز حقيقةٍ بسيطةٍ للغايةِ إلاَّ أَنها لا تحظى بالوضوحِ أمام الكثيرين، وهى أن النظامَ الاقتصادي القائم على المنافسةِ يحتم أن تكون مصالحُ المنتجِ أو البائعِ الاستراتيجية أن يظل "بائعًا" وأن يبقى "المشتري" لأطولِ مدةِ أو دائمًا "مشتريًا"؛ وألاَّ يحدث –هنا- تبادل في المواقع. هذا المفهوم البسيط هو جوهر جانب المنافسة الذي يراه الكثيرون في عالمِنا كمؤامرةٍ محبوكةٍ- والحقيقة أنه يشبه المؤامرة لحدٍ ما، إلاَّ أنه يختلف عنها تمامًا في الدوافع وقوانين الحركة. وهذا "القانون” من قوانين حركة "الاقتصاد الحر" والمنافسة إنما هو قانون يعمل “داخل" المجتمعات الصناعية المتقدمة، وبالتالي فإن "عمله" خارجها أمرٌ حتميٌ ومُنتظر ولا مَحيص عنه.

والمعنى هنا أن النظام الاقتصادي السائد في الدولِ الأكثر تقدمًا صناعيًا (والآن: تكنولوچيًا وخدميًا) يقوم على صراعات لا يمكن تجنبها وقودها المنافسة وتتمثل في محاولاتٍ لا تنتهي للاستئثار بالأسواقِ أو بأكبرِ حصص ممكنة من الأسواق، وأن ذلك يعني أن "السمك الكبير" لا يتوقف عن محاولة "أكل السمك الصغير" وأن ذلك التفاعل وجوانبه السلبية (الشرسة) يعمل في داخل المجتمع الواحد وخارجه (وعندئذٍ يكون أكثر شراسة)، وأن مفردات علوم وممارسات الإدارة العصرية تتضمن العديد من المفاهيم التي تخدم في المقام الأول "المنافسة" بجوانبها المختلفة (الإيجابية والسلبية) ورغم إنني لا أريد أن أدخل بالقارئِ في دقائقِ علومِ الإدارة الحديثة، إلا أن السياق واكتمال التحليل في هذا الفصل يحتمان أن أذكر أن المفاهيم الكبرى التالية من مفاهيم علوم الإدارة الحديثة: إدارة الجودة Quality Management تقنيات التسويق على مستوى العولمة Global Marketing سرية البيانات Data Confidentiality والزخم الهائل من نظم المحافظة على الصحةِ المهنيةِ Occupational Health والاعتبارات البيئية Environmental Considerations وعشرات غيرها من مفردات علوم وممارسات الإدارة العصرية إنما تهدف - في أولوية عالية من أهدافها - إلى أن يكون أصحابها من "السمك الكبير" القادر عن طريق هذه المفاهيم وتطبيقها تطبيقًا ناجحًا إما لأكل السمك الصغير وإما لزيادة حجمه صغرًا... ويمكن الآن أن نُضيف لقانون "إن السمك الكبير يأكل السمك الصغير" قانونًا جديدًا يسير في موازاة هذا القانون وهو قانون "إن السمك الكفء السريع يأكل السمك الاقل كفاءة وسرعة"… وقد ظهرت خلال العقود القليلة الماضية في عالم المؤسسات الصناعية والخدمية والتكنولوجية والتجارية الكبرى على مستوى العالم الأدلة القاطعة على مولد وتعاظم شأن هذا القانون الجديد. ومن المهم للغاية هنا أَن نمُيز بين "ما نحب أن نراه" وما لا وسيلة أمامنا "لكي لا نراه" إلا غش أنفسنا. فهذه القوانين موجودة وسائدة ولم يعد هناك أمل بعد نفوق (وفاة) الاشتراكية أن تستبدل بقوانين تضمن النجاح والوفرة وتتجنب هذه المثالب (عند الذين يرونها كعيوبٍ).

ومن غيرِ الممكنِ أن نتجنب هنا التصريح بأن المثقفين أوسع ثقافة عالمية لن يكون بوسعِهم أن يروا بوضوحٍ هذه الحقائق والقوانين وجوانب هذه القوانين المختلفة إذا كانت ثقافتَهم تعنى معرفةً شاملةً بكلِ العلومِ والمعارفِ الإنسانيةِ والاجتماعيةِ دون علوم العصرِ الحديثِ في مجالاتِ الإدارةِ والتسويقِ والمواردِ البشريةِ وما انبثق عن هذه المسميات الكبرى من عشراتِ المجالاتِ الجديدةِ المتخصصةِ. فالإنسانُ الذي يعرف كلَ ثمارِ الثقافةِ والمعرفةِ الإنسانيةِ من "سقراط" إلى "براتراند رسل" ومرورًا بآلافِ الأسماءِ ومناطق المعرفةِ الإنسانية الاجتماعيةِ والسياسيةِ والاقتصاديةِ والأدبيةِ والفلسفيةِ يظل عاجزًا عن رؤيةِ هذه الحقائق وقوانين الحركة وجوانبها المختلفة إذا كانت جعبتهُ الثقافية لم تتسع لتشمل علومَ العصرِ في مجالاتِ الإدارةِ والتسويقِ والموارد البشريةِ- ويكون الإنسانُ عندئذٍ مثل عالم فيزياء أمضى نصف قرنِ في دراسةِ الفيزياء منذُ فجرِ تاريخِ هذا العلمِ خلال نصف القرنِ الأخير، فإنه عندئذ يكون ملمًا بمعظمِ تاريخ هذا العلم إلا أن ما لديه يكون مثل متحفٍ للماضي دون أن يصلح بأي شكلٍ للحاضرِ - وللأسف الشديد، فإن عددًا غيرَ قليلٍ من مثقفي العالم الثالث يندرجون ضمن هذا الفريق الذي يعلم أصحابُه الكثيرَ دون أن يمتد علمُهم ليغطي المناطق الحديثة والتي بدونها يكونون شخصياتٍ متحفيةٍ لا تقدر بأيةِ حال على فهمِ قوانين الحركة المُعاصرة وجوانبها المخُتلفة - بل إن هؤلاء لا يكتفون بذلك وإنما يستمرون في حوارات طويلة لا يستعملون فيها إلا مفردات ومفاهيم تعيد تأكيد حقيقة أنهم يواصلون العيش في الماضي وأنهم بنفسِ الدرجةِ غيرُ قادرين على فهمِ ما يحدث" بل إن هذه المفردات والمفاهيم تصبح أداة إعاقةِ للمجتمعِ عن ركوبِ وسيلة المواصلات الوحيدة القادرةِ على الوصولِ للأهدافِ المرجوةِ، وأعنى الاشتراك في اللعبةِ حسب قواعِدها القائمة لا حسب القواعد المُثلى التي لا وجود لها إلا في خيالِ أصحابِها.

وإذا وصلنا بالتحليلِ لهذهِ النقطةِ المتقدمة، كان من المحتم علينا أن نُلقى بعض الضوء على "الظاهرةِ اليابانيةِ" لما تتصل به من أوثقِ الصلاتِ بهذا التحليل. ففي محاضرةٍ ألقاها كاتبُ هذهِ السطور في طوكيو في ديسمبر 1996(بمعهد الشرق الأوسط المنبثق عن وزارة الخارجية اليابانية) قال إن اليابان قد لعبت في حياتهِ الفكرية واحدًا من أخطرِ الأدوارِ، إذ أنها كانت أكبر دليلٍ أمامه على أن نظريةَ المؤامرةِ إما أنها "متوهمةٌ" وإما حقيقية، ولكنها ليست بالقيمةِ التي يعتقد الكثيرون أنها تتسم بها. فإذا كانت هناكَ "مؤامراتٌ" فلاشك أن أقصى ما يمكن أن تصل إليه المؤامرةُ هو ما حدث لليابان في سنةِ 1945، إذ تكون أبشع وأفظع المؤامرات قد بلغت ذروتها القصوى بإلقاءِ قنبلتين ذريتين على اليابانِ. فالمؤامرة إذا وجِدت فإن هدفها يكون هو "الإضرار بالطرفِ الذي حيكت المؤامرة ضده"، ولاشك أن ضرب اليابان بقنبلتين ذريتين لا يجسد الرغبة في الإضرارِ فقط بل يُجسد قمة تِلك الرغبة.

ومعنى هذا الكلام أننا لو افترضنا وجود مؤامرة ثم افترضنا أن هذه المؤامرة ستبلغ الحد الاقصى وهو محاولة إنزال أكبر الأضرار بالطرفِ الذي تقصده المؤامرة فإن تحقيق الغاية المرجوة من طرفِ الجهةِ المتآمرة لا يمكن حدوثه إلا إذا كان الطرفُ الآخر (الذي توجه المؤامرة ضده) قابلاً ومستعدًا لأن ينكسر. فاليابان التي ضُربت بالقنبلتين الذريتين هي اليوم المنافس الاقتصادي الأول للقوى التي كانت تبدو في سنة 1945 وكأنها قد قضت قضاءً مبرمًا على اليابان.

يبقى بعد ذلك أهم ما يجب أن يقال عن نظريةِ المؤامرةِ إذ إن الإيمانَ بها بالكيفيةِ المتفشيةِ إنما يعتبرُ - بلا أدنى شك عندي - نقضًا كاملاً لأسسِ لا يجب أن نفرط فيها:

فمن جهةٍ أولى، فإن الإيمانَ بنظريةِ المؤامرةِ بالشكلِ الذائعِ حاليًا يعني أن "إرادة الفعل" بقدرِ ما توجد بشكلٍ مطلقٍ عند المتآمِر (بكسر الميم الثانية) فإنها تكون مُنعدمةً عند المتآمَر عليه (بفتح الميم الثانية). وهو وضع يلصق صفات الكفاءةِ والقدرةِ والعزمِ والإرادةِ ومُكنة الإحداث بالطرفِ "المتآمِر" (بكسر الميم الثانية) وفي نفسِ الوقتِ يجرد الطرف المتآمَر عليه (بفتح الميم الثانية) وهو جانبنا نحن من كل تلك الصفات، فيكون "الفاعل" هو "المتآمِر" (بكسر الميم الثانية) أما المتآمَر عليه (بفتح الميم الثانية) فيكون "المفعول به" دائمًا والجهة التي تسّير وكأنها جمادٌ أعجم.

ومن جهةٍ ثانية، فإن الإيمانَ بنظريةِ المؤامرةِ بهذهِ الكيفيةِ ينفي عنا (أي عن المتآمر عليهم) صفة الوطنية ويسبغُها إسباغًا كاملاً على الجهةِ (أو الجهاتِ) المتآمرة وبنفس الدرجة.

ومن جهةٍ ثالثة، فإن هذا الاعتقاد يجعل من المتآمِر كيانًا أُسطوريًا في مخيلةِ المتآمَر عليه.

ومن جهةٍ رابعة، فإن هذا الإيمان يحتم ترسيخ الواقع ويفرض السلبية والانهزامية ويعارض كرامة الاعتقاد بأن "الإنسان يصنع واقعه ومستقبله" وأن الأممَ تملك بنفسِ القدرِ أن تصنع واقعها ومُستقبلها.

ويبقى كل ما كتبته عن نظريةِ المؤامرةِ ناقصًا (ومخالفًا لتصوري) إذا فهم القارئ إنني أُروج لهذين المفهومين:

أَن "المؤامرة" هي "الصراع"، وبالتالي فإنني أنفى وجود "صراع دائم" بدوام مسيرة التاريخ الإنساني. أو إنني أنفي وجود "مؤامرات" عبر مسار التاريخ الإنساني. فالواقع إنني أؤمن إيمانًا قويًا بأَن التاريخ الإنساني هو سلسلة من الصراعاتِ، كما إنني أؤمن بنفس القدر أَن واقعنا العالمي المعاصر هو مسرح لصراعات مريرة وكبيرة. ولكنني أؤمن أَن "الصراع" مفهوم مختلف عن معنى المؤامرة.

فالصراع يعني العمل الدؤوب من جانب (أَو من جوانب معينة) بهدف استمرار تفوقها أَو حتى توسيع دوائر هذا التفوق وما يصاحبه من مزايا وامتيازات ولكن الصراع يعني أَن هناك "لعبةً لها في كلِ زمن قواعد" وأَن على من يريد لنفسِه مكانة بارزة فوق الأرض أَن "يخوض الصراع" بأدواتٍ وقواعدٍ تضمن أَطيب النتائج. وهنا فإن المثال الياباني يَبرز مرةً أخرى كأحد أقوى الأدلة على هذا التشخيص. ومن بديهيات الأمور أَن "الصراع" هو لعبة مفتوحة (نسبيًا) عن المؤامرة، كما أَن قدر الغموض الذي يكتنف "لعبة الصراع" (بل والكثير من المعالم التي تشبه معالم "السحر" و"الشعوذة") هو غموض أقل (نسبيًا) مما يكتنف "لعبة الصراع". كذلك، فإن تصوير الأمر على أَنه "لعبة الصراع" وليس "مؤامرة عامة محبوكة" تحكم مسار التاريخ، يحفز أصحاب الإرادة والكرامة والهمم على أَن يدخلوا اللعبة بنية إحراز نتيجة طيبة، وهو وضع يختلف عن "الروح العامة" التي أفرزها الإيمان المترامي بنظرية المؤامرة العامة، وهى روح تميل إلى جانب الشكوى والبكاء والاستسلام والرضى بالنتائج (الوخيمة) سلفًا وليس التحدي والانخراط فى لعبة الصراع (رغم ضراوتها) بنية بلوغ نتائج كريمة وعظيمة كالتي حققها اليابانيون الذين خاضوا خلال نصف القرن الأخير واحدة من أشرس لعبات الصراع على مستوى التاريخ الإنساني. كذلك فإنني لم أقصد على الإطلاق أَن أقول إن التاريخ خال من المؤامرات. فمن الميسور لأي قارئ واسع الاطلاع على التاريخ أن يرصد العديد من "المؤامرات" المحددة، ولكنى أقول إن التاريخ، وإن عرفَ مؤامرات عديدة، فإنه ليس "مؤامرة عامة" وإنما هو صراع دءوب لا يهدأ ولا مجال فيه للكرامة والظفر لمن دخله مهزوم الروح والوجدان مبلل الخدود بدموع البكاء والشكوى.

وأخيرًا، فإنني أجد من اللازم هنا أن أُبرز جانبًا هامًا من كوارث الإيمان المستسلم بنظرية المؤامرة العامة وهو الجانب الذي يتعلق بالحكام غير الديمقراطيين (مثل بعض حكام العالم الثالث). فالحاكم غير الديموقراطي يساهم بأفكاره وأقواله وأجهزة إعلامه في ترسيخ الإيمان بالنظرية العامة للمؤامرة، لأنه بذلك يكون قادرًا على إخفاء خطاياه، وأخطاؤه وراء الادعاء المستمر بأن "كل هذا الحجم من الفشل والمشاكل والمعاناة" إنما يرجع لعناصر خارجية (على رأسِها "المؤامرة العامة") وليس للسبب الأكبر والحقيقي وهو غياب الديمقراطية ووجود حكام على شاكلته (ليسوا هم في معظم الأحوال من أكثر أبناء المجتمع كفاءة وقدرات ورؤية ونزاهة وثقافة).

أما كاتب هذه السطور، فإنه يؤمن أَن "الصراع العالمي" شرس ومضنٍ وبالغ الصعوبة ولكن الأمم تكون أكثر قدرة على خوضه بنجاح وكرامة إذا كانت مستعدة ومهيأة له، وهى لا تكون كذلك إلاَّ إذا كانت تُقاد قيادة فعَّالة وناجحة وذات رؤية صائبة وعن طريق كوادر تتسم بأعلى درجات الكفاءة والقدرة والنزاهة والثقافة (وأكرر: والثقافة لأنه لا "رؤية" في اعتقادي لمن لا ثقافة له).

وخلاصةُ وجهة نظري هنا، أن دعاةَ نظريةِ المؤامرةِ يتحدثون كوطنيين يحبون أوطانهم واعتقادي الراسخ أنهم وإن كانوا بلا شكٍ وطنيين يشغلهم همّ الوطن العام، إلا أَنهم بالطريقةِ التي يؤمنون بها بنظريةِ المؤامرة العامة وبتداعيات وآثار هذا الإيمان المطلق فإنهم يكونون انهزاميين و"دعاة استسلام وخنوع وخضوع" قبل إن يكونوا "وطنيين" يبكون على الحظِ العاثرِ الذي جعلهم في موضعِ الطرفِ "المتآمَر عليه".

٢.1

يؤمن الكثيرون في منطقتنا بأن هناك "مؤامرة" ضدنا . وهؤلاء يختلفون بشأن "مبررات المؤامرة"، فهناك من يقول : لأننا مسلمون وعرب وأَن المتآمرين يكرهون المسلمين والعرب .. وهناك من يُرجع ذلك لخوف المتآمرين من نهضتنا لأننا سنصبح خطرًا ماحقًا عليهم .. وهناك من يُرجع التآمر لدس اليهود لنا .. وهناك من يُرجعها لرغبة المتآمرين في استغلالنا اقتصاديًا . وقد عنيت كثيرًا بموضوع نظرية المؤامرة وكتبت عنها وعن أصحابها ومنطقهم وعواقب التسليم بنظرتهم الكثير بالعربية والإنجليزية . والآن، فإنني أعود للموضوع لا بنية مؤازرة الجانب الذي ينكر وجود تآمر علينا ولا لنسف مبررات القائلين بالتآمر علينا، وإنما في محاولة (قد تبدو "مستحيلة" في نظر الكثيرين و"ممكنة" في نظر عددٍ قليل في منطقتنا) لتجاوز السؤال العقيم: هل هناك تآمر علينا أم لا .. والانطلاق من فرضية أن هناك "تآمرًا" ...ثم السؤال: بفرض أن هناك تآمرًا فما الذي ينبغي علينا اتخاذه من أفعال (وليس من أقوال كما يكتفي الكثيرون منا)؟ …وفي اعتقادي أن هناك (عند التسليم الجدلي بوجود تآمر علينا) سيناريوهات محددة لرد الفعل . أما السيناريو الأول، والذي يجسده الكثيرون في واقعنا فهو "استمرار التصايح ضد المتآمرين" والحديث المسهب (بالكلام الكبير) عن حقد المتآمرين علينا… وتكون تلك مناسبة (كلامية) للإسهاب في استعراض مناقبنا (مزايانا) التي تجعل المتآمرين يحقدون علينا...وأسمي هذا السيناريو (منهج التعامل الخطابي مع المتآمرين). وهناك ثانيًا "سيناريو الصدام" أي الدخول في مواجهة مع من نقول إنهم يتآمرون علينا. وهناك ثالثًا ما أود أن أسميه "السيناريو الآسيوي" وقد قمت بنحت تلك التسمية له بعد حوار بيني وبين شخصية يابانية مرموقة عندما قال لي: لماذا أنتم منشغلون بالحديث عن "المؤامرة" و"المتآمرين" على خلافنا نحن في الجزء الشرقي من آسيا أي اليابان والصين، وعدد من دول جنوب شرق آسيا. ففي هذه البلدان والتي تعرض بعضها للضرب بالقنابل النووية من الغرب كان تعاملنا مع هذا الموضوع خاليًا من إضاعة الوقت في الحديث عن التآمر والمتآمرين، ولماذا يتآمرون علينا… وكان فعلنا (قبل قولنا) متجهًا لبناء داخل قوي اقتصاديًا وسياسيًا وإجتماعيًا وتعليميًا وثقافيًا . لأننا كنا على يقين أن "سيناريو التصايح الخطابي" لا يجدي فتيلاً أي لا يفيدنا ولا يضر أحدًا...كما أن تكلفة سيناريو الصدام تتراوح ما بين ("الأذى الباهظ الكلفة" و "الدمار والانهيار وضياع الوقت والموارد والهمة في طلب المستحيل") وقد كررت الصين نفس السيناريو الآسيوي الفعال في موضوع آخر مختلف كلية: فعوضًا عن الانشغال بحوار لا ينتهي حول "الاقتصاد الإشتراكي القائم على التخطيط المركزي" "واقتصاد السوق" : طبقت الصين نفس النهج فبقيت معظم الاقاليم تسير على أساس من النظام القديم...باستثناء أقاليم محددة اتبعت آليات (وأهداف) اقتصاد السوق، وبعد نجاحها بدأ التوسع التدريجي في التحول من الأطر الاقتصادية القديمة الى الأطر الجديدة دون تمزيق المجتمع بحوار لا ينتهي وصدوع لا ترأب مع "ضياع همة المجتمع" فيما يضر ولا ينفع (وضياع "همة المجتمع" مسألة في غاية الأهمية- فما أحكم القول المأثور "رب همة أحيت أمة").

وأضاف محدثي: انظر الى الصين، إنها (نظريًا) أشد خطرًا على الغرب منكم (ربما ألف مرة) ومع ذلك فإنها لم تنخرط في سيناريو الصراخ حول التآمر والمتآمرين وإنما انشغلت كلية بعملية بناء الداخل ...ثم أضاف: وأعتقد أن روسيا والهند مثل الصين مرشحون أكثر منكم (أي من العرب) لأن يكونوا خطرين على الغرب، ومع ذلك فإن هذه الجماعات لم تنغمس فيما أنتم منغمسون فيه من "تصايح عن التآمر والمتآمرين" وهو ما يدل - على أنكم تفعلون ذلك لأسباب أخرى ...ربما تكون عدم القدرة على التعامل مع الواقع على أنه "صراع"...وأن "الصراع" له أدوات تدخل كلها تحت مسمى "بناء داخل قوي وصحي وفعال ومثمر ومزدهر ومستقر".

وأعتقد الآن أن الحديث عن التآمر والمتآمرين هو مضيعة لهمة المجتمع (مثلما أن الانخراط في الحديث عن صراع الحضارات مضيعة أخرى لهمة المجتمع) وأنه بفرض جدلي أن هناك تآمرًا ومتآمرين فإن الأهم هو :ماذا نفعل؟ أننخرط في سيناريو التصايح والكلام الكبير؟…أم نسير على درب الصدام المواجهة؟…(أم نقرأ على اختلاف مذاهبنا) أن السيناريو الأول عاطل وعقيم وغير قادر على التحول من "عالم الأفعال" إلى "عالم الاقوال" وأن سيناريو الصدام لن يقود (في الأغلب) إلا لإهدار الموارد بشتى صورها…وأن سيناريو التركيز على بناء داخل قوي من كل الجوانب: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية - هو أفضل ما نقوم به من عمل لخدمة هذا الوطن ولخدمة الأجيال القادمة من أبنائه وبناته… وأن نتذكر ما ورد في حوار شكسبيري بأحد أعماله عندما تحدث شخص عن "كرامة بريطانيا" وكان يعني أن كرامتها في الصدام… فرد عليه محدثه (أو في الحقيقة شكسبير نفسه) قائلاً: "ان كرامة بريطانيا تكمن في أن تنجح"…وهو رد بالغ الحكمة على السيناريو الكلامي وسيناريو الصدام في وقت واحد: فالأول لا يحقق الكرامة،لأن "الاقوال" تبقي عاجزة عن أن تحل محل "الأفعال"…والثاني لا يتوقع منه (على الاقل في مراحل ما قبل بناء داخل قوي) إلاَّ "الخسران المبين" .

وأنا أعلم أنه بينما يسهل إقناع معظم المتحاورين في واقعنا بعدم جدوى أو قيمة "سيناريو التصايح والكلام الكبير" إذ أننا من جهة عايشناه لسنوات عديدة ورأينا عقمه وعجزه عن إنتاج أي واقع أفضل كما أننا رأينا (في غير قليل من الحالات) كلفته الباهظة في المرات التي أدى فيها "الكلام الكبير" لمواقف لم نكن مستعدين لمواجهتها – فكانت الخسارة فوق كل التصورات… إلا إنني أتصور أن البعض في واقعنا قد يرى أن قولي "بأن سيناريو الصدام أو المواجهة" له احتمال واحد مؤكد هو الخسارة إنما هو "تفكير انهزامي" أو بتعبيرات فرسان الكلام في واقعنا "تفكير انبطاحي" وهو قول يسهل الرد عليه: فحتى غلاة المؤمنين بالتآمر علينا لا ينكرون أن "الداخل" في مجتمعاتنا "ضعيف" و "هش" وبحاجة لجهود قائمة على المزاوجة بين "العلم" و "تقنيات الإدارة الحديثة" و "التفاني في الإخلاص لعمليات الإصلاح والتطوير" و "ثورة تعليمية" تلحق بركب التعليم العصري القائم على الإبداع لا اختبارات الذاكرة "ومساحات أوسع للحريات" و "مشاركة أكبر للشعوب في كل الاختيارت" ...فإذا كان ذلك أمرًا لا يصعب الاتفاق عليه، كان من المنطقي الاتفاق على أن "المواجهة بدون استعداد" ضرب من الهوس الذي لا يقود إلاَّ للخسارة...وأن بناء داخل أفضل (وهو المهمة الأولى لنا جميعًا) إنما هو السبيل الوحيد إما لتعايش أفضل مع الواقع الخارجي أو حتى لمواجهة أنجح مع الواقع الخارجي – وكلاهما ("التعايش" و "المواجهة") مستحيلان بدون تركيز كلي على بناء داخل أفضل. ولتبقي أمامنا تجربة"محمد علي" ماثلة طوال الحوار حول هذه الجزئية: فعندما كان منشغلاً ببناء الداخل لم تفرض عليه مواجهات كتلك التي قامت بقص ريشه والحيلولة بينه وبين الطيران...وعندما تحول من اللاكتفاء بالعمل الداخلي وسيطرت عليه أفكار التحول لقوى عظمى ذات نشاط خارجي (وكان ذلك قبل الأوان) فقد حدث له ومعه ما تكرر بعد ذلك مع عشرات من الحكام المخلصين الذين خانهم التوفيق وانجذبوا لإغراءات الأدوار الخارجية – فكانوا كمن صعد حلبة الملاكمة قبل الأوان (أي بدون التكوين والتمرين والاستعداد اللازمين)...مما جعل النتيجة في كل مرة هي نفس النتيجة" أي إتاحة الفرصة لعناصر أكثر قوة لتدمير "الخارج" و"غير قليل من الداخل".

وخلاصة هذا الحديث: أننا نوافق كل أطراف الحوار (جدلا) أن هناك "تآمرًا" و "متآمرين"...ولكننا نبرز عواقب "سيناريو التصايح والكلام الكبير" (والذي يجعل المجتمعات في حركة "محلك سر" دائمة) وكذلك عواقب "سيناريو الصدام أو المواجهة" فإنه وإن كان يشبع عند البعض جوانب نفسية ويعالج عند البعض مشاعر معينة ويرضي عند آخرين "غرائز أساسية" إلاَّ أنه على أرض الواقع والمصالح والنتائج يتسم باحتمالية كبيرة لخسارة مؤكدة ذات تكلفة باهظة ويستحق أن يواجه بعبارة شكسبير الرائعة (مع تحوير بسيط فيها): "كرامتنا في أن ننجح!!! ولعل عبارة أخرى مأثورة تبقى جديرة بالذكر هنا، فما أسوأ عمل وحظ من يُصر على إضاعة الممكن من أجل أن يبقى في محاولة (منهكة) لبلوغ المستحيل!

************

٣

"الأفكارُ النمطية" هي ترجمتي الخاصة لتعبير (Stereotype) الإنجليزي وأُرحبُ من البدايِة بأن أعرف أن هناك ترجمةً أو مصطلحًا عربيًا أفضل من ذلك (وقد استبعدت أن أسميها الأفكار الإكليشيهاتية – لأن كلمة "إكليشيهات" وإن كانت مستعملة في حديثنا اليومي إلاَّ أنها من أصل فرنسي). وما أقصده بالأفكارِ النمطيِة، تلك الصيّغ التي تشيع بين الناسِ بحيث يرددها كثيرون دون أن يتصدى معظمُهم لفحصِها وتمحيصِها وعرضِها على "العقلِ" و "المحصولِ المعرفي" لرفضِها أو قبوِلها. و"الأفكارُ النمطية" ظاهرةٌ إنسانيةٌ – بمعنى أَنها توجد (بدرجاتٍ مختلفةٍ) في كلِ المجتمعاتِ – وإن كان ذلك "الشيوع" أو "الذيوع" لا يمنع من وصفِها بأنها "ظاهرةٌ إنسانيةٌ سلبيةٌ".ففي الغربِ، عشراتُ "الأفكارِ النمطيةِ" عن المجتمعاتِ والحضاراتِ والثقافاتِ الأخرى. ولدينا أيضًا الكثير من هذا الفيضِ من الأفكارِ التي يكررها الناسُ لا لسببٍ إلاَّ لشيوعِها وذيوعِها. والذي يحضني على وصفِ هذه الظاهرةِ بأنها وإن كانت "إنسانية" إِلاَّ أنها "سلبية" أنها ظاهرةٌ تعمل لصالحِ "النقلِ" (وهو الوقود الأكبر لها) وتعمل في نفسِ الوقتِ ضد مصلحةِ العقلِ (وهو الذي كان يستوجب عرض تلك الأفكار عليه وعلى المحصولِ المعرفي (من تراكماتِ العلمِ والتجربةِ الإنسانيةِ) للرفضِ أو القبولِ. وفي اعتقادي أن الإنسانيةَ لن تتخلص بشكلٍ مطلقٍ من "الأفكارِ النمطيةِ" ولكن بوسعِها أن تحد من ذيوعِها. وفي تصوري أن أهم مصادر استفحال حجمِ وعددِ وتأثيرِ "الأفكارِ النمطيةِ" هي أربعةُ مصادرٍ أساسيةٍ.أما المصدرُ الأول فهو عدم وجود محصولٍ معرفي ثري ومتعددٍ الجوانب وعصري. وأما المصدر الثاني فهو عدم شيوع "الحوارِ الحرِ والمتواصلِ" بصفته –في ظني- أكبر أعداء "الأفكار النمطية".وأما المصدر الثالث فهو عدم خروج (عولمة إنسانية) من رحمِ إرهاصات العولمةِ الحاليةِ والتي تقف على أرضيةٍ "اقتصاديةٍ/سياسيةٍ" أكثر بكثيرٍ من وقوِفها على أرضيةٍ "إنسانية/ثقافية" .وأما المصدرُ الرابع فهو التواجد نفسيًا في حالةِ دفاعٍ عن النفسِ متفاقمة – وسأحاولُ إلقاء بعض الضوءِ على تلك المصادر الأساسية وعلى الأدوات الفكرية التي أظنُ أنها ذات قدرةٍ عاليةٍ وفعاليةٍ كبيرةٍ في "تحجيمِ" و"تقزيمِ" "ثقافةِ الأفكارِ النمطيةِ".

أما المصدرُ الأول من مصادرِ شيوعِ "ثقافة الأفكار النمطية" فهو اتسام المحصول المعرفي لأفرادِ أي مجتمعٍ بوجهٍ عام وأعضاءِ النخبةِ المتعلمةِ والمثقفةِ بوجهٍ خاص إما بهزالِ التكوينِ أو بمحليةِ التكوينِ أو بعدمِ الاتساعِ الأفقي للتكوين – وهي كلها عناصر تجعل العقول غير مزودةٍ بالآراءِ الأُخرى العديدة المحتملة في كلِ حالةٍ . وقد يكون حتى أعضاء النخبة المتعلمة والمثقفة أصحابَ محصولٍ معرفي لا بأس به ولكنه قد يكون من جهةٍ "محصول تقليدي" أي لا يضم مستحدثات المعرفة ولا سيما في العلومِ الاجتماعيةِ .. وقد يكون محصولُهم المعرفي لا بأس به ولكنه إما مغرق في الماضويةِ (بقرونٍ) أو نسبي الماضوية (بعقودٍ) - فما أكثر المثقفين (لا سيما في العالم الثالث) الذين ينتمي محصولُهم المعرفي لعقدِ الخمسينيات والستينيات أكثر من إنتمائه للزمنِ الآني . كذلك قد تحول ظروفٌ عديدةٌ دون اتسام محصولهم الثقافي بالتخلي عن الإغراقِ في المحليةِ والإبحارِ في ما وراء حدود ذلك . كذلك قد يكون المحصولُ المعرفي ثريًا في جوانبٍ ومفتقرًا لجوانبٍ عديدةٍ لا سيما من جوانبِ العلومِ الاجتماعية الأحدث . وهكذا يتضح أن وجودَ محصولٍ معرفي (لأفرادِ أي مجتمعٍ بوجهٍ عامٍ ولأعضاءِ النخبةِ المتعلمةِ والمثقفةِ بوجهٍ خاصٍ) متسم بثراء التكوين وعدم الاستغراق في المحلية والإتساع الأفقي بما يعنيه من ضم مناطقٍ جديدةٍ من مناطقِ المعرفةِ هي عوامل تجعل العقلَ أكثر تحصنًا (بشكل نسبي) من المجاراةِ الكاملةِ (أو شبه الكاملة) لصيغِ الأفكارِ النمطيةِ - إذ يكون متاحًا لهذا العقلِ التعرف على بدائلٍ فكريةٍ قد تكون (عند التمحيص والمفاضلة) هي اختياره عوضًا عن ترديد ما لا قوة دفع له في الكثير من الحالات إلاَّ الشيوع والذيوع والانفراد بالساحة .

وًاما المصدرُ الثاني من مصادرِ شيوعِ "ثقافةِ الأفكارِ النمطيةِ" فهو عدم قيام الحياةِ التعليميةِ والثقافيةِ والاعلاميةِ على أساسٍ متينٍ من ثقافةِ الحوارِ (الديالوج) . فكلما كانت أساليبُ التعليمِ على دربِ التلقينِ واختباراتِ الذاكرةِ وكلما كانت العلاقاتُ في دنيا التعليمِ بل في المجتمع بوجهٍ عامٍ هي علاقات تقوم على المنولوج (أي مرسل ومستقبل) ولا تقوم على الحوار (الديالوج) فإن شيوعَ الأفكارِ النمطيةِ يجد مناخَه الأمثل، إذ أن "المنولوج" هو أداةُ انتقالِ وشيوعِ وسيادةِ الأفكارِ النمطيةِ. والعكسُ صحيح : فالحوارُ (الديالوج) هو أداةُ تحجيمِ فرصِ شيوعِ الأفكارِ النمطيةِ .

وًاما المصدرُ الثالث من مصادرِ شيوعِ "ثقافةِ الأفكارِ النمطيةِ" فهو أن أنصارَ ودعاة العولمة لم ينجحوا بعد في تحويلها من ظاهرةٍ تقف على "أرضيةٍ سياسيةٍ/اقتصاديةٍ" إلى ظاهرةٍ تقف (في نفسِ الوقتِ) على "أرضيةٍ إنسانيةٍ/ثقافيةٍ" . فلا تزال مفاهيمُ العولمة بحاجةٍ ماسةٍ لبعدٍ إنساني وبعدٍ ثقافي يجعلها في عيونِ أبناءِ العالمِ غير المتقدم أقل توحشًا وأقل قابلية للفتكِ بمجتمعاتهم (سواء كان الفتكُ هنا سياسيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا) . ورغم عدم وجود حساسية عندي للإيمان بأن "الغرب" (وهو منبع مفاهيم العولمة) هو الجهة التي تجلس اليوم على مقعد قيادة التقدم (بكل المعاني) فإن ذلك لا يمنعني من أن أؤمن بوجودِ حاجةٍ ماسةٍ لأن يقوم الغربُ بإضافةِ بعدين على نفسِ الدرجةِ من الأهميةِ لمفاهيمِ العولمةِ، وهما البعد الإنساني والبعد الثقافي – وأتصوَّر أن وجودَ قيادةِ العالم اليوم في يدِ الولايات المتحدة الأمريكية هي من أسبابِ هذا القصور الكبير – وإن كنت أتصورُ أيضًا أن تجاوز هذا القصور يكون بالحوارِ لا بالعداءِ والمقاطعةِ وكيلِ التهم (من الجانبين). وهذا القصور لا يعتري فقط "مفاهيمَ العولمةِ" ولكنه يعتري مفاهيمَ أخرى مثل "حقوق الإنسان" و"الحريات العامة" و"الديمقراطية": فلا شك عندي أن الغربَ (الذي طوّر هذه المفاهيم في مجتمعاته) بحاجةٍ لأن يدرك حتمية إضفائه بعدًا إنسانيًا على هذه المفاهيم، بمعنى أن يتعامل معها كمفاهيمٍ عامة سامية (غير إقليمية) ينبغي أن تعم وتضم سيادتها كل الإنسانية، وإلاَّ يشوب ذلك ما هو متواتر اليوم من كيلٍ بمكيالين حتى لا تكفر شعوبُ العالمِ بهذه المفاهيم (أو "القيم") التي تسمع عن وجودِها في الغرب ولكنها لم تر حرصًا كبيرًا من الغرب (خلال نصف القرن الأخير) على أن تكون "منافع إنسانية عامة" . وفي تصوري، أن عدمَ تطويرِ مفاهيمِ العولمةِ بحيث تكون وحداتُ بنائها الإنسانية والثقافية مماثلة لوحداتِ بنائها السياسيةِ والاقتصاديةِ هو أحدُ أهم مصادر شيوع الأفكار النمطية – لأننا (مرةً أُخرى) بصدد حالةِ دفاعٍ بالغةِ الذعرِ عن النفسِ .

وًاما المصدرُ الرابع من مصادرِ شيوعِ "ثقافةِ الأفكارِ النمطيةِ" فهو وجود مناخ ثقافي ونفسي عام متسم بالرغبةِ الملحةِ في الدفاعِ عن النفسِ . فالشعورُ بالإنجازِ وصنع التقدم يعطي أبناء أي مجتمعٍ رغبةً أقل في أمرين: الأول هو الدفاع عن الذات، والثاني هو إلصاق تهمة عدم الإنجاز والتقدم بالآخرين . ونحن هنا أمام مصدرين كبيرين ليس فقط من مصادر الشعور القوي بالرغبة في الدفاعِ عن النفسِ بل الإمعانِ في الإيمانِ بنظريةِ المؤامرةِ . ويخلق هذان العاملان مناخًا أمثل للأفكارِ النمطيةِ، إذ تكون الأفكار النمطية عادةً في خدمةِ درءِ الشعورِ بلومِ الذاتِ (عن عدم الإنجاز والتقدم) وتفعيلِ عمليةِ الدفاعِ عن الذاتِ وإلقاءِ مسئوليةِ الأوضاعِ (أوضاع عدم الإنجاز وعدم التقدم) على "الآخرين" .

وإذا كانت تلك - في تصوري - هي أهم مصادرِ شيوعِ ثقافةِ الأفكارِ النمطيةِ، وإذا كان القضاءُ المبرم على الأفكارِ النمطيةِ مستحيلاً (لوجودها في كلِ المجتمعاتِ بنسبٍ متفاوتةٍ) فإن أدواتِ التعاملِ مع هذه المصادر تبقى واضحة وإن كانت نسبيةَ الأثرِ .

وهنا، فإنني أعتقدُ أن المهمةَ الكبرى منوطةٌ بالتعليمِ (البرامج والفلسفة والمعلم والمناخ التعليمي العام) إذ أنه القادرُ على بذرِ قيمةِ "التعدديةِ" من جهةٍ وقيمةِ "العقلِ النقدي" من جهةٍ ثانيةٍ وقيمةِ "العقلانيةِ" (أي عرض الأفكار على العقلِ من جهةٍ ثالثةٍ) – وكلها أدوات تحد من إمكانيةِ سيادةِ ثقافةِ الأفكارِ النمطيةِ . إلاَّ أن دورَ وسائلِ التثقيفِ والاعلامِ أكثرُ جدوى على المدى القصير والمتوسط: فهي القادرة على فضحِ تهافت ثقافةِ الأفكارِ النمطيةِ وخلوها من الحجة والمنطق - وإيضاح الصلة بينها وبين عيوب أخرى في التفكيرِ مثل "ظاهرة الكلام الكبير" و"المغالاة في مدحِ الذاتِ" و"الإيمان المتطرف بنظريةِ المؤامرةِ" – إذ أن هناك علاقات جدلية لا شك في وجودِها بين كل تلك الظواهر الفكرية السلبية .





الفصل السابع عشر
الضحايا

المحور الرئيسي لكتاباتي منذ سنوات هو "التقدمُ". فعندما أُفرد فصولاً عديدةً لمسائلٍ مثل تطويرِ التعليمِ أو استعمالِ تقنياتِ الإدارةِ الحديثةِ في شتى المجالاتِ لتحسين الظروف الحياتية، وعندما أُصدرُ كتبًا تتعلق بعيوبِ تفكيرِنا المعاصرِ ... فإن كلَ ذلك يصب في نهرٍ واحدٍ هو نهر تكوينِ عناصرِ التقدم. ومن أهمِ جوانبِ قضيةِ صنع التقدمِ (وضع المرأة في المجتمع) ونوعية الثقافة (الذهنية) التي يتعامل بها المجتمعُ مع المرأة. ويقيني أن هذا البعدَ هو أحدُ أهمِ أَبعادِ عمليةِ الحكمِ على مدى تقدمِ أي مجتمعٍ (أو تأخره). و يأتي على نفس المستوى من الأهمية الحضارية موقف أى مجتمع من "الآخر" بما في ذلك "الآخر الديني".

************

١

ورغم إيماني بأن المرأةَ هي (على الاقل) مساويةٌ للرجلِ في كلِ شئٍ وفي كافِة مناحي الحياة، إِلاَّ أن حماسي لهذا الموضوع ينبعُ من إيماني بأن أَخطرَ ما في الذهنيةِ الذكوريِة التي تضع المرأة في مواضعٍ أدنى من الرجلِ هو تلك (الذهنية) ذاتها – فرغم أن الثقافة التي لا تساوي مساواة كاملة بين الرجلِ والمرأةِ هي ثقافةٌ ماضويةٌ متخلفةٌ عن العصر وثقافتِه وعلومِه، ورغم أنها "ثقافةٌ ظالمةٌ" وبالتالي "غير إنسانية"؛ وهو ما يستحق أكثر بكثيرٍ من مجردِ الإدانةِ، إلاَّ أن الدمارَ والضرر الكبيرين يأتيان من "الذهنيةِ" التي بسببها تسود تلك الثقافةُ الذكورية الرجعية – وبسبب شيوعِ وسيادةِ تلك الذهنية يستحيل (أكرر مرة أخرى: يستحيل) إنجاز التقدم الكلي المنشود للمجتمع.
ولا شك عندي أن العمودَ الفقري لذهنيةِ وضعِ المرأة في مواضع أدنى من مواضع الرجل هو (نقص الثقة بالذات). فالرجلُ الذي لا يُعاني من مشكلِة نقصِ ثقةٍ بذاته وعقلِه وفكرِه وكيانه لا يحتاج لثقافةٍ عامةٍ تضع له المرأةَ في مواضع أدنى منه. وقد علمتني خبرةُ التعاملِ مع آلافِ الشبابِ أن أصحابَ النصيبِ المتواضع من القدراتِ أشدُ تماديًا في التمسكِ بالثقافِة الذكوريةِ التي تضع المرأةَ في مواضعٍ أدنى من الرجلِ – والأمرُ مفهوم : فمن أخفق على المستوى العام لا يبقى له (في الأغلبِ) إِلاَّ أن يتفوق (ويسود) بشكلٍ مصطنعٍ (وهزلي) في دائرته الخاصة الصغرى.

ومن العجيبِ أن الأجيالَ التي كانت في سنِ الشبابِ في الستينيات (مثلي) تُعتَبر أكثرَ تقدمًا في هذه المسألِة من الأجيالِ التاليةِ. وربما يُفسر ذلك ذيوع فهمٍ رجعيٍّ للعديدِ من المواضيعِ الدينيِة وكذلك خروج المرأة للعلمِ والعملِ مما أثبت (عمليًا) أن تفوقَ الرجلِ على مستوي الذكاءِ والقدراتِ والكيانِ هو مجردُ "أسطورةٍ وهميةٍ" وهو ما حض الكثيرين من الشبابِ على أن يعوّضوا ذلك بانتصارٍ وهميٍّ يستمدون مرجعيته من ذهنيةِ الثقافِة الذكوريِة التي تجعلهم "الأفضل" لمجرد كونهم ذكورًا (وما أسهل العثور على نصٍ يسوغ تلك الأفضلية المنافية للعلم والفكر).

وقد جعلتني المراقبةُ المدققةُ لسنواتٍ طويلةٍ أصلُ ليقينٍ واضحٍ بوجودِ علاقةٍ عكسيةٍ بين "تناقص ثقِة الرجلِ في نفسهِ" و "استعدادِه لقبولِ أن المرأَةَ مساويةٌ للرجلِ في كل المجالاتِ" (وأكررُ أن المرأةَ مساويةٌ للرجلِ "على الاقل" – فقيمةُ المرأةِ في مجالاتٍ أُخرىٍ غير التي تتساوى فيها مع الرجل أعلى بكثيرٍ من قيمِة الرجل وأعني أنها مساويةٌ للرجلِ كإنسانٍ وأعلى منه قدرًا كأمٍ هي مدرسة الإنسانية الأولى).

ومن السطحيةِ أن يستند بعضُ دعاةِ ذهنيةِ ثقافةِ التميّزِ الذكوري لنصوصٍ دينية. فمن جهةٍ فإن هناك نصوصًا أُخرى تؤكد الإنسانية الكاملة للمرأة وعدم أفضلية جنس على آخر، كما أن العبرةَ دائمًا ليست بالنصوص وإنما بنوعيةِ العقولِ التي تتعامل مع النصوص. ويقيني أن المرجعَ الحقيقي لما يظنه البعضُ سندًا دينيًا لتميّز الرجلِ على المرأةِ هو مرجعٌ يتعلق بالتاريخ الإنساني بوجه عام في مراحل خلوه من التمدن والإنسانية وكذلك بالتاريخ البدوي/القبلي بوجه خاص ولا يتعلق بالدينِ – ولا أدل على ذلك من أن لا أحد من أصحابِ ذهنيةِ التميّز الذكوري يهتم بإبراز خصائص الحياةِ الزوجية الأولى لنبي الإسلام – فقد كانت فوق كونها مثالاُ واضحًا على الإنسانيةِ الكاملةِ المتساويةِ لكل طرفٍ، مثالاً على أشياء أُخرى لا يحب المتطرفُ بطبعه أن يراها مثل كون العصمة في يد الزوجة ومثل عدم زواج الزوج عليها وغير ذلك من الأمور التي لا تخفى على أحدٍ وإن مال أصحابُ ذهنية التفوق الذكوري (الوهمي) لعدم إظهارها أو ضرب الصفح عنها وكأنها لم تكن.

إن أولَ إنسانٍ في الكونِ حصل على جائزةِ نوبل في العلوم لأكثر من مرة كان "امرأة" (مدام كوري) : ولو لم يوجد أمر آخر غير هذا، لكان ذلك كافيًا لإسكات أي إنسانٍ يردد تلك الآراء الرجعية عن تميّز "النوع الذكوري" عن "النوع الأنثوي" – ولعل معظم الذين يؤمنون بهذا التميّز (الوهمي) يوافقونني على أنهم سيكونون في موقفٍ بالغِ الحرجِ عندما يقارنون بتلك السيدة الفذة التي تفوقهم (في كل المجالات) بآلاف السنوات الضوئية. وإذا قال قائلُ إن مدام كوري محض استثناء، قلنا له إن الرجال قيدوا النساء عدةَ قرونٍ ثم جاءوا يقولون إنهن لا يربحن في السباق. وقد دلتني قيادتي لمؤسسة عالمية عملاقة تضم الآلاف من الجنسين على عدم وجود أي دليل على أي تفوقٍ ذكوري في أي مجالٍ من مجالاتِ العلمِ والعملِ والإدارةِ والقيادةِ - بل إن ما رأيته من أشكالِ التفوقِ الأنثوي كان أبرز بكثيرٍ (بسبب التحدي والرغبة في إثباتِ الذات).

منذ أعوام قليلة شهدنا تعيينَ أولِ امرأةٍ كقاضيةٍ بالمحكمةِ الدستوريةِ العليا بمصر، وهى خطوة حضارية عظيمة؛ ولكنها تحتاج لأن تُستكمل، فتعيين عددٍ من النساءِ في كلِ وظائف القضاء (من بداية السلم الوظيفي) هو الضمانة الوحيدة لانتهاء تلك الفضيحة الحضارية، فعن طريق ذلك سيكون لدينا بعد عشرين سنة جهازٌ قضائي نصفه من النساء – وهو الوضع الطبيعي، بل هو الوضع الذي يجب أن يحتذى به في كلِ وكافةِ المجالاتِ. فالمجتمعَ الذي يقصر المواقع الهامة على الرجال مجتمعٌ يعطل نصف طاقاته من الذكاءِ والتفكيرِ والعملِ والعلمِ والعطاءِ والانتاجِ، فإذا لم يكن بعد ذلك مجتمعًا متقدمًا فليس من حق أحد أن يتعجب: فكيف يعدو الإنسان بقدمٍ واحدةٍ.

والأمرُ يحتاج من الأجهزةِ المعنية بوضع المرأة في مجتمعاتنا العربية لخطةٍ متكاملةٍ للقضاءِ على الثقافةِ الذكوريِةِ الرجعيِةِ في مجتمعنا، في الأسرةِ وفي التعليمِ وفي المؤسساتِ الدينيةِ وفي الثقافةِ والاعلامِ - وأن يكون محورُ الحملةِ أن المصدَر الوحيدِ لإيمان رجلٍ بتميّزه النوعي على النساء (لمجرد كونه رجلاً) هو مخزون هائل من نقصِ الثقِة بالنفسِ – فالأحرارُ يحبون التعامل مع الأحرارِ والعكس دائمًا صحيح. وأضيف إنني أجزم بإنني ما سمعت رجلاً في واقعنا يروّج لأفضلية الرجال على النساء وعدم قدرة النساء على تبوء كافة المواقع والمناصب إلاَّ .. وكان واضحًا لي خلوه الظاهر (هو نفسه) من التميّز .

إن نظرةَ أي مجتمعٍ غير متحضرةٍ للمرأة دائمًا ما تتفنن في البحثِ عن مرجعياتٍ وأسانيدٍ لتأيد نظرتها، رغم أنها (أي هذه النظرة غير المتحضرة) ليست ظاهرة دينية أو قانونية وإنما هي ظاهرة ثقافية بحتة . ومعنى ذلك أنه في ظل ارتقاء المناخ التعليمي والثقافي بشكل عصري لأي مجتمع فإن نظرة أفراده للمرأة ترتقى على الفور بحيث تتجاوز السؤال الرجعي بطبيعته: هل المرأة مساوية للرجل أم لا ؟ ويكفي للتدليل على أن القضية ثقافيةٌ في جوهرِها ومادتها ومظهرِها أمثلة قليلة ولكنها واضحة الدلالة: فرغم وجود نص قرآني واضح ينهي الرجال عن إبقاء زوجاتهم لمجرد الإضرار بهن وهن راغبات في عدم بقاء الزوجية (ولاتُمسِكوُهنَّ ضِرارًا لتعتدوا – جزء من آية 231 من سورة البقرة) فقد ظل النظامُ القانوني لدينا لسنواتٍ طويلةٍ يسمح بنظامِ بيتِ الطاعةِ والذي هو تجسيد لإمساكِ رجلٍ لامرأةٍ في بيته ليعضلها (أي ليسبب لها الأذى المادي أو المعنوي) – نحن هنا أمام حالةٍ صارخةٍ تؤكد وتترجم ثقافة بالغة التخلف والرجعية وتعارض أكثر من سند كان من الممكن الاستناد إليه لو أن الذهنية التي تتعامل مع الأمر كانت ذهنية مستنيرة – وفي يقيني أن نظامَ بيتِ الطاعِة كان عارًا قانونيًا واجتماعيًا وثقافيًا يجلب من الخزي ما لا مثيل له على سمعة عقولنا وثقافتنا. وفي سنواتٍ لاحقةٍ عندما تحمست الدولةُ لقانون الخلع (وهو حق إنساني لا يتصور أن يعارضه منصف) أصيب آلافُ الرجال في مجتمعِنا بغصةٍ شديدةٍ : فكيف يجردهم القانونُ من أداةٍ من أدواتِ البطش الغاشم كانت بيدهم، ولو أنهم كانت لديهم جرعة معقولة من الثقةِ بالنفس لما أزعجهم على الإطلاق هذا التطوير التشريعي الذي جاء بمثابةِ خطوة بالغِة الأهمية للأمام. بل إن الإنسان ليتعجب : كيف تستقيم أفكار مثل الرجولة والشهامة والمروءة والكرامة مع موقف رجل يرغب في أن يساعده القانون على أن تبقى في الحياة معه امرأة لا تريده – إن الصفحاتِ العديدة المليئة بالتراث العربي المتعلق بالرجولة والشهامة والفروسية والكبرياء والمروءة تداس بالاقدام عندما يُبقي رجلٌ واحد امرأة في حياة زوجية لا ترغب فيها. ولا أدل أيضًا على كون المسألة حالة عفونة ثقافية من أن آلاف الشباب بل آلاف الفتيات يرفضون أن تكون العصمة في يد الزوجة في الوقتِ الذي كانت فيه العصمة في يد الزوجة الأولى للنبي ولا يستطيع أحدٌ أن يقول إن ذلك كانت له أية دلالات سلبية في حق الزوج الكريم.

ولا يفوتني أن أذكر أن متابعتي الطويلة لتراجيديا ثقافة التميّز الذكوري (الرجعية بل الجاهلية) في بعض المجتمعات هي مرضٌ لم يصب الرجالَ فقط (وإن كانوا هم مصدره والمستفيدين منه في دوائرهم الخاصة) إذ إن المرضَ قد أصاب الكثيرَ من النساء والفتيات لدينا، فأضحين أمهاتٍ ينشئن أبناءهن وبناتهن على تلك الذهنية التي لا أجد كلمات مهذبة لوصفها سوى أنها ذهنية رجعية وغير مناسبة للتقدمِ والعصرِ والعلمِ والمدنيةِ. إن تحرير المرأة من ربقة الثقافة الذكورية الرجعية (والتي هي شكل من أشكال الرق وهزيمة الرجولة والمروءة) تبقى أمرًا مستحيلاً ما لم تصبح المرأة نفسها في طليعة الساعين لتغيير هذه الثقافة الدونية بثقافة عصرية تكون فيها المرأة على قدم المساواة تمامًا وكليةً في سائر المجالات وشتى المواضيع بل يسود اقتناعٌ (هو جزء لا يتجزأ من تكويني العقلي) بأن المرأة أكثر بكثير من نصف المجتمع، فهي كما ذكرت نصف المجتمع عدديًا، وأكثر من ذلك بكثير كأم للرجال والنساء معًا – وما أعمق حزني أن تكون تلك قضية مثارة في زمنٍ ينشغل المتقدمون بالعلم والتقدم والحريات العامة وحقوق الإنسان، بينما نسأل نحن سؤال يحمل أطنانًا من الخزي : (هل المرأة مساوية للرجل؟) ..

يقول الشاعرُ الفرنسي "أراجون" (إن الإنسانية لو واصلت الاعتذار لمدة خمسين ألف سنة للنساءِ على ما اقترفَه الرجالُ في حقهن – لما كان ذلك كافيًا) … وهو قولٌ صحيح إلى أبعدِ حدٍ . وأضيفُ إليه إنني بعد رحلةٍ عارمةٍ مع المعرفة لا أجد شيئًا أسوأ في سجل البشرية من أمرين: الحروب (وما يلحق بموضوعِها من إنفاقٍ أحمق على التسلح) ثم موقف أعـدادٍ كبيرةٍ من الرجالِ من المرأةِ – وهو موقف مشين ومهين للبشريةِ جمعاءِ (لاحظ أن الموضوعين الرئيسيين في خطبة الوداع كانا عدم العودة للتقاتل وعدم إهانة النساء). لقد ذكرت في أكثر من موقع بكتاباتي أنه من المستحيل إحداثِ التقدمِ في أي مجتمعٍ لا يساوي بين المرأة والرجل – وأن المشكلة تكمن في أن "الذهنية" التي لا تستطيع أن تستوعب ذلك لن تستطيع أن تستوعب متطلبات التقدم . وأن الرجلَ الذي يتحدث عن تميّز الرجال عن النساء هو صاحب "إرث مهول" من ضعفِ الثقةِ بالذات . وأن الذين يعتقدون أنهم يؤسسون آراءهم الرافضة للمساواة المطلقة بين المرأة والرجل على أساسِ ما يسمونه "رأي الدين" هم في الحقيقة أناس جعلوا ثقافة العصور الوسطى وقيم المجتمع القبلية ومفاهيم الجماعات الرحل (البدو) مرجعية سموها (خطًا) "برأي الدين" … والحقيقةُ أنها آراؤهم هم بما يمثلونه من ضعفٍ واضحٍ في الثقةِ بالذاتِ وسقوطٍ كلي في ثقافةٍ هي ضفيرة من "البداوةِ" و"القبليةِ" و"القرون الأوسطية" . لقد لامتني كاتبةٌ أقدرها كثيرًا لإنني أتحدثٌ عن المرأةِ كركنٍ لازمٍ للتقدم ولا أتحدث عن مساواتها بالرجل من منطلق أن ذلك "حقها الإنساني" - والحقيقة إنني أؤمن بالزاويتين : فالتقدمُ لا يحدث في مجتمعٍ لا تشيع فيه ذهنيةُ المساواة بين المرأة والرجل … كذلك فإن هذه المساواة المطلقة إنما هي "حق إنساني أصيل للنساء" لا يجادل فيه من تكوَّن عقليًا وثقافيًا بشكل علمي وعصري ومتمدن .

لقد كان "قانون الخلع" في مصرَ إنجازًا حضاريًا عظيمًا – إلا أن اعترافنا بهذا الإنجاز وتقديرنا العميق له لا يتناقض مع حتمية الدعوة لإيجاد ضماناتٍ قانونيةٍ دستوريةٍ تجعل "من المستحيل" على دعاةِ الظلام والرجعية أن يتمكنوا من إلغاء هذا القانون … بل أطالب بخطوة أخرى للأمام: وهي النص في كل وثائق الزواج على حق المرأة في طلب التطليق لمجردِ التضرر (ماديًا كان أم معنويًا) … كما أُطالب بنشرِ ثقافةٍ تدعو للوصول بوثيقةِ عقدِ الزواج لما قام عليه زواج النبي من خديجة بنت خويلد – والتي كانت بيدها أن تلغي عقد الزواج وقتما تشاء كما كان الاتفاقُ على عدم التزوج بأخرى عليها منصوصًا عليه .

كذلك من الواجب واللازم اليوم إيجاد برنامج محدد لتعيين عددٍ كبيرٍ من النساءِ في معظم المجالات. فبدون ذلك، ستكون هناك فرصًا لذهنية الرجعية والثقافة الذكورية القرون أوسطية لمحو الخطوات والإنجازات الحضارية التي تتم. إن "الأمرَ الواقع" هو الذي سيحول دون حدوث نكسة حضارية.

إن الذين يتحدثون تحت مظلة ما يسمونه "رأي الدين" في بلد مثل مصر هم الذين ساندوا الملك فؤاد في عشرينيات القرن الماضي في سعيه لمنصب الخلافة … ثم أرادوا أن يكون تتويج الملك فاروق في سنة 1937 في الأزهر وليس تحت قبة البرلمان … وهم الذين قالوا في الستينات إن الإسلام هو الإشتراكية … ثم قالوا نقيض ذلك بعد سنوات قليلة … وهم الذين قالوا في مرحلةٍ إن الحربَ مع إسرائيل واجب ديني – ثم قالوا في السبعينات إن الصلح معها هو "رأي الدين" (و إن جنحوا للسلم فاجنح لها – جزء من آية 61 من سورة الأنفال) … وهم الذين قالوا لعقود عديدة إن إذلال المرأة والإتيان بها قسرًا لبيت الطاعة هو "حكم الدين" .. ثم عدلوا عن ذلك . لهؤلاء نقول: إننا نعلم عن الفقه الإسلامي مثلما تعلمون (وعلى استعداد لمناظرتكم أجمعين) .. وأول ما نعلمه أن تعريف الفقه الإسلامي هو (استنباط الأحكام العملية من أدلتها الشرعية) … والاستنباط "عمل بشري" وهذا هو ما عبَّر عنه الإمام أبو حنيفة عندما وصف "دنيا علم أصول الفقه" بقولته الرائعة: (علمنا هو رأي – فمن جاءنا بأفضل منه قبلناه) . وأبو حنيفة (لمن لا يعلم) لم يقبل من الأحاديث إلا عشرات في مقابل قبول أحمد ابن حنبل لعشرات الآلاف . كما أن الرجل المعروف بالإمام الاعظم (أبي حنيفة) هو الذي يقوم مذهبه على إمكانية رفض تأسيس الأحكام على الأحاديث التي تعتبر من "أخبار الآحاد" . والخلاصة، أن مطالعتنا لآلاف المراجع في علم أصول الفقه جعلتنا نرى بوضوح أننا أمام عمل بشري أنجزه عمالقة أفذاذ … ثم جاء الشّراحُ (وهم أصحاب محصول معرفي ومكن عقلية أقل) فأضفوا قداسة (لا محل لها) على عملٍ بشريٍّ .

إن هذا الوقت هو الأنسب لكسر حلقة الجمود في موقفنا العام من المرأة – فلنتقدم ونحدث كل الخطوات التي تجعل من المستحيل أن يتمكن أحد في المستقبل من إحداث نكسة حضارية في هذا المجال .

ولنكن على يقين من أن هناك علاقة مؤكدة بين التكوين الثقافي للإنسان وما يعتقده في هذا الموضوع بالغ الأهمية - وهو ما سيقودنا لاكتشاف حقيقة جوهر ومنبت الرأي الذي يتجه للمحافظة على وضع المرأة على ما كان عليه في معظم تاريخنا، وأعني أن استعمال "الدين" ما هو إلاَّ "غطاء سياسي" لوجهات نظر تنبع من الثقافة التي كونتها مصادر أربع هي: ثقافة البداوة وثقافة القرون الوسطى والثقافة الذكورية المتأصلة في ثقافة القبيلة الصحراوية وانعدام (أو ضعف الصلة) بالمعرفة الإنسانية الواسعة. فما الذي نتوقعه من "رجل" نهل من تلك المنابع واستكملها بعزلته الثقافية عن إبداعات الإنسانية العظيمة والتي يندر توفرها لمن لا تكون له أدوات طيعة من لغات دول عصر النهضة؟ .. كما أن انعدام الموضوعية في ذلك الأمر "مطلق": فنحن هنا أمام "رجعية" تزاوجت مع "البدائية" وتلونت "بالقبيلة" – ثم كستها بعد ذلك رقيقة من العزلة عن "منابع الإبداع الإنساني العالمية" ثم اكتملت المأساة بكون صاحب الشأن يدافع عن ذاته (والتي هي ضعيفة لدرجة مذهلة).

************

٢
و كما ذكرت، فإن الموقف من "الآخر" هو مفتاح من مفاتيح التقدم. و أذكر هنا أن صديقا سألني ونحن في أحد اجتماعات مؤسسي كرسي الدراسات القبطية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة (ومن بين مؤسسيه ثلاثة مسلمون هم الأمير طلال بن عبد العزيز ووزير السياحة المصري الأسبق فؤاد سلطان وكاتب هذه السطور): لقد لاحظت في اجتماعاتنا هذه أنك لابد وأن تكون قد طالعت عشرات الكتب عن تاريخ المسيحية في مصر وتاريخ الكنيسة المصرية كما لاحظت أنك تبحرت في مسائل اللاهوت المسيحي بوجه عام وحسب الإيمان الأرثوذكسي القبطي.. كما تذهلني معرفتك بالأديرة المصرية-فما الذي دفعك لهذا الإبحار في هذا المجال بهذه الكيفية؟.. قلت: الشعور بالذنب!.. رأيت الدهشة الممزوجة بالتساؤل الحائر في عينيه قبل إن ينطق لسانه بالسؤال: مِمَّ؟ قلت: في يوم سمعت شخصًا يتحدث عن خلاف البابا كيرلس الخامس مع كل من بطرس باشا غالي والمجلس المليِّ وتدخل الخديوي في الخلاف واتخاذه لموقف مؤيد للمجلس المليِّ- فشعرت بغصة في حلقي: كيف طالعت مئات الكتب عن فلاسفة من ألمانيا والدانمارك وفرنسا وبريطانيا وكيف طالعت عشرات الكتب عن الثورة الأمريكية وعن الثورة الفرنسية وعن الثورة الروسية وكيف طالعت العديد من الكتب عن كونفوثيوس والصوفيين المسلمين (وبالذات المغاربة والعراقيين)… كيف حاولت ألا أترك مجالاً من مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانيات إلا وطوفت به-وهاأنذا أجد نفسي أمام حقيقة مضعضعة: إنني لم أقرأ كتابًا عن تاريخ الكنيسة المصرية.. ولم أقرأ كتابًا عن الخلافات اللاهوتية الكبرى التي أدلت فيها الكنيسة المصرية بدلوها الهام.. ولم أعرف من هو أثناسيوس وما هو دوره في صياغة قانون الإيمان المسيحي… ولم أعرف شيئًا عن أنطونيوس أبو الرهبان في العالم كله.. ولم أعرف شيئًا عن المجامع.. وعن مجمع خلقدونيا بالذات وأثر الاختلاف الذي شقه… ولم أَرَ ديرًا واحدًا في أديرة البحر الأحمر أو برية شيهيت (الصحراء الغربية) أو أديرة الصعيد وأشهرها "المحرق" و"درنكة". ولم أعرف من هو المصري من بين مشاهير القديسين…

وكعادتي مع نفسي-إذ آخذها بالشدة والصرامة اللتين لا يكاد معظم الناس يقدرون على تخيلهما-كذلك فعلت-وكانت النتيجة بعد عشرين سنة إنني أصبحت أستقبل الطلبة الذين يعدون رسائل الدكتوراة في تاريخ الكنيسة المصرية أو تاريخ الرهبنة المصرية أو اللاهوت الأرثوذكسي المصري أو الفن القبطي أو تاريخ الاقباط السياسي والاقتصادي والاجتماعي منذ دخول الإسلام مصر لأسلط الضوء على جوانب لم يكونوا عارفين بها… ولأدلهم على مراجع لا ينبغي لهم ألا يكونوا مطلعين عليها.

سألني محدثي:وماذا كان أثر ذلك عليك؟ قلت: إنني أصبحت على دراية جيدة بقرون من تاريخ وطني (مصر) وبعناصر أساسية من عناصر تكوين التاريخ المصري والشخصية المصرية… وأهم من ذلك إنني تخلصت تدريحيًا من أية رقائق من التعصب قد أكون عشت بها سنوات.

سألني محدثي في دهشة: وهل تنتظر أن يفعل كل مصري ذلك لكي نتخلص من التعصب؟ قلت: لا… أنتظر ذلك من خاصة المثقفين والنخبة التي تسمى بالانتلجنسيا. هؤلاء هم الذين سيجبرون برامج التعليم على أن تزرع في عقول وضمائر أبناء وبنات هذا الوطن (مصر) الاحترام الأصيل لمعتقدات الآخرين… والتعايش البناء مع التعدد… مع قدر معقول من التعرف على "الآخر". أنا لا أتوقع أن يعرف المصري المسلم العادي معنى أن يرفع السيد المسيح في أيقونة إصبع واحد (ترجيح نظرية الطبيعة الواحدة) ومعنى أن يرفع إصبعين (ترجيح نظرية الطبيعتين التي تأخذ بها الكنيسة الكاثوليكية).. ولكنني أتوقع أن يعرف ذلك (وكثير غيره) كبار المثقفين وقادة الفكر… وهؤلاء هم الذين يبثون قيم قبول الآخر والتسامح الديني والثقافي والتعايش الإيجابي مع التعددية… وفي نفس الوقت فإن هؤلاء هم الذين سيدمرون مؤسسة مُلاَّك الحقيقة المطلقة.

إن التعصب وعدم احترام حق الآخرين في الاختلاف هو من جهة من ملامح العقل البدوي الذي غزا بثقافته (أو ببعض ثقافته) الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية وتسلل لها من عدة طرق مثل أبناء هذه المجتمعات التي ألجأتها ظروف الحياة للعمل عند البدو… ومثل امتلاك البدو للمحطات الفضائية.. وكذلك للصحف والمجلات… بفضل "البترودولار" والذي جعل رجلاً مثل الشيخ "ص.ك" من "قادة الاعلام" في بلد أحمد لطفي السيد وطه حسين وسلامة موسى (يقف شعر رأسي وانا أكتب تلك الحقيقة)… كما أن التعصب ينتقل من "الطبقة القدوة" أي رموز المجتمع في كل المجالات.. وأخيرًا فإن مؤسسة التعليم هي إما باذرة بذور التعصب في القول أو باذرة بذور السماحة والتآلف والتعايش مع الاختلاف والتعدد.



٢.1
مقدمة لازمة:
رغم أن مصرَ كانت كلهَا "مسيحية" لعدةِ قرونٍ ورغم أن المساهمةَ المصرية في بقاء العقيدة المسيحية بالشكل الحالي كانت هي المساهمة الكبرى وبرغم أن أكثر من مليون مصري قد ماتوا دفاعًا عن إيمانهم المسيحي فإن معظم المصريين المعاصرين بما في ذلك المثقفين وخاصة المثقفين إما أنهم لا يعرفون شيئًا على الإطلاق عن المسيحية وتاريخها في مصرَ أو أنهم على الأكثر يعرفون القليل جدًا عن كل ذلك . وتدلني خبرتي المعرفية والثقافية على أن الإنسانَ كما أنه دائمًا مُعرّض لأن يكون عدوَ ما يجهل فإنه يكون أيضًا أكثر قدرة على التعايش والتجاور المتحضرين مع "الآخر" عندما يكون مزودًا بمحصولٍ معرفيٍّ واسعٍ عن هذا "الآخر" . كان ذلك من جهةٍ ومن جهةٍ أخرى تعاطفي مع "الآخرين" كمعلمٍ من معالمِ تفكيري ووجداني هما الدافع لي أن أغوص في عالمِ المسيحية كما فعلت في عوالمٍ أخرى درستها وتعرفت على دقائقها فأصبح من المستحيل أن توجد بيني وبينها علاقة رفض قائمة على التعصب والشعور بالتميّز في جانبٍ والدونيةِ في جانبٍ آخر (فالمعرفة تمحو إمكانية ذلك كليةً) .

ويمكن تلخيص رحلتي المعرفية مع المسيحية بوجهٍ عامٍ والمسيحية في مصرَ بوجهٍ خاصٍ في المحطات الرئيسة التالية :

- الكتاب المقدس :
رغم مطالعتي للكتابِ المقدس (بعهديه) مرات عديدة منذ منتصف الستينات إلاَّ إنني أوليته عنايةً خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة حيث طالعته عشرات المرات بدقةٍ شديدةٍ كما طالعت خلال هذه السنوات مئات الدراسات التي وضعها المتخصصون في الكتاب المقدس بمراكزِ بحثٍ عالميةٍ مرموقةٍ وبالذات الدراسات المُتعمقة فيما يُعرف بالمصدر الألوهيمي والمصدر اليهووي الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس ثم تركيز أشد على الفترة التي تتعلق بالأنبياء من صموئيل إلى أنبياء الأسر البابلي مع عناية فائقة بعهد وشخصية وأسفار النبي الملك داود . وبنفس القدر كان اهتمامي بالعهد الجديد وبدراساتٍ مرتبطة مثل كل ما نُشر من أبحاثٍ عن لفائف البحر الميت ونجع حمادي .

- تاريخ المسيحية :
خلال السنوات العشر الماضية طالعتُ مئات المراجع عن تاريخ المسيحية بوجهٍ عامٍ وتاريخ المسيحية في مصر بوجهٍ خاصٍ وهو ما قادني إلى منطقتين أُخريين من مناطق البحث والدراسة هما دراسات اللاهوت المسيحي بوجهٍ عامٍ ومواقف الكنيسة المصرية من هذه المسائل اللاهوتية ولا سيما في حقبة الخلاف الكبير الأول (الآريوسية والنسطورية) والخلاف الكبير الثاني (حول الطبيعة الواحدة أو الثنائية للسيد المسيح لا سيما إبان باباوية الأنبا ديسقورس) … وثانيًا موضوع "تاريخ البطاركة في مصر" حيث أوليت اهتمامًا كبيرًا بتاريخ البطاركة بوجهٍ عامٍ وبالمحطات الرئيسة في هذا الموضوع ومن أبرزها عهود وشخصيات مثل البابا أثناسيوس الرسولي وكيرلس عمود الدين وديسقورس ثم في العصر الحديث البابا كيرلس الرابع كما أوليت عناية فائقة بعهد البابا كيرلس الخامس .

- الرهبنة والأديرة المصرية :
وكان من الطبيعي أن تؤدي رحلة المعرفة بالمسيحية (سواء من زاوية الكتاب المقدس أو من زاوية تاريخ المسيحية ومواقف الكنيسة المصرية من المسائل اللاهوتية وتاريخ البطاركة في مصر) إلى التعرف على عالمٍ رحبٍ آخر هو عالم الرهبنة والرهبان والأديرة في مصر وهو ما تطّلب مطالعة عشرات المجلدات وزيارة عشرات الأديرة في شتى أنحاء مصر .

توضيح :
هذه "المقدمة اللازمة" هي من جهة الكلمة التي بدأت بها واحدة من محاضراتي عن (الُبعد القبطي في رقائق التكوين الثقافي المصري) وهي هنا مقدمة لازمة لورقة استراتيجية قدمتها لمؤتمر آخر يبحث في الأصولية والتعصب – وهدفي من جمع النصين معًا هو أن أقول ببساطة : إن الجهلَ هو أبو التعصبِ … كما أن التعصبَ هو الآفةُ التي من رحمها تخرج "المسألة القبطية المتأزمة في مصرَ اليوم"، وبالتالي فإن المعرفة الواسعة من جهة هي الأداة الوحيدة لاستئصال شأفة التعصب (ثقافيًا) كماّ أن علاج أعراض المسألة القبطية يبقى أمرًا غير مُجدٍ بدون التعامل مع المطبخ الذي أفرز هذه الأزمة وأعني (مطبخ التعصب). ونظرًا لأن هذه الكلمة والورقة التي ستأتي بعد هذه الكلمة كانتا قد أُلقيتا في معهد علمي طلب من المشاركين فيه الالتزام بسرية الندوة لاعتبارات منطقية للغاية فإنني أنشر ما قلته أنا (لأنه بضاعتي الخاصة) ولا أنشر شيئًا آخر قيل في تلك الندوة كما لا أشير لاسم المعهد المنظم للندوة ومكان وتاريخ انعقادها.


٢.2
كان المجتمعُ المصري حتى أوائل الخمسينيات متسمًا بقدرٍ كبيرٍ للغايةِ من السماحةِ والقبولِ والاحترامِ المتبادلين بين الطوائف المختلفة بما في ذلك الطوائف الدينية وكانت هذه السماتُ أمرًا مشهودًا لمصرَ من الأجانبِ الذين يعيشون بها وفي العالمِ الخارجي. ومع تصاعد ما يعرف الآن بالإسلامِ السياسي بدأ المجتمعُ المصري يفقد تدريجيًا هذه الملامح الحضارية المتميزة. ومن أكبرِ الأدلةِ على كونِ نقطةِ البدايةِ هي تنامي الإسلام السياسي أن حركةَ التطرفِ عند الاقباط والتي تشكلت تحت اسم جماعة الأمة القبطية والتي قامت باختطافِ البطريرك يوساب في سنة 1954 كان شعارُها مجرد إعادة صياغة لشعار الإخوان المسلمين : فبينما كان شعار الإخوان المسلمين (القرآن دستورنا) جاء شعار جماعة الأمة القبطية يرفع النداء بأن (الإنجيل دستورنا) وكان الشعارُ القبطي متأخرًا بسنواتٍ عديدةٍ عن شعارِ الإخوان المسلمين بما يفيد أن الثاني كان ردَ فعلٍ للأولِ.

وعندما وقعت هزيمةُ يونيو 1967 بدا أمام أصحاب مشروع الإسلام السياسي أن الساحةَ خالية أمامهم: فبعد أن فشل المشروعُ النهضوي الذي تألق في عشرينيات القرن العشرين ثم تراجع أمام مدِ الأفكارِ الفاشيةِ التي مهدت للحربِ العالميةِ الثانيةِ ثم فشل المشروع القومي الذي تأجج في الخمسينيات وفي الستينيات ظن أصحابُ مشروعِ الإسلامِ السياسي أن الساحةَ أصبحت ممهدةً أمامهم وضاعف من هذا الشعور الشعاراتُ التي رفعت في أوائل السبعينات بهدف تحجيم تيار الاشتراكيين والناصريين وأهمها شعار (دولة العلم والإيمان) وشعار (الرئيس المؤمن ) وقد أدي هذا الزخمُ من التصاعد إلى حدث من أسوأ الأحداث في تاريخ مصر المعاصر وهو اغتيال أشخاص ينتمون للإسلام السياسي لرئيس الدولةِ يوم 6 أكتوبر 1981.


٢.3

و يعرفُ الكثيرون اهتمامي الفائق بالشأنِ القبطي وما تفرع عنه من تعمقٍ في دراسةِ تاريخ المسيحية في مصرَ والتعرفِ على الموروثِ الثقافي القبطي بكل تفاصيِله ودقائِقه كذلك يعرفُ هؤلاء أن هذه الرحلة أقتضت أن أكون قريبًا من مئاتِ بل آلافِ الاقباط بما في ذلك عددٌ كبيرٌ من رموزِ الكنيسةِ المصريةِ . وقد طالبني كثيرون من هؤلاء بأن أكتبَ وجهةَ نظري فيما يمكن أن يُسمى بالمسألة القبطية والتي يقولُ البعضُ بأنها متأزمةٌ بينما يقولُ البعضُ الآخر بأنها وهمٌ من اختراعِ الخيالِ وأنه لا توجد مشكلة أو أزمة قبطية على الإطلاق .
وأَود أن أبدأ بما سأشير إليه بعد ذلك بالعبارة الديباجة، فأقول إن الحقيقةَ المُؤكدة هي أن الاقباطَ هم (أو يجب أن يكونوا) مواطنون مصريون أُصلاء بمعنى أَنهم مصريون من الدرجةِ الأولى وأن هذا هو وطنُهم وأنهم لا يعيشون فيه عالةً في ظلِ تسامحِ الآخرين وإنما لهم ما للشركاءِ من حقوقٍ ومكانةٍ – وفارقٌ كبير بين الشريكِ ومن يُمن عليه .
فإذا كانت هذه العبارةُ التمهيدية محلَ اختلافٍ، فلا مجال لأي حوارٍ لأنه سيكون بمثابةِ حوار الطُرشان : فكل من يعتقد أن الاقباط مواطنون من الدرجةِ الثانيةِ وأننا نتسامح معهم فنسمح بوجودِهم وقد يضيفُ آخرون أنه يجب أن تُطبق عليهم الجزية – فليس لأولئك أسوقُ هذا الحديث إذ أنني وإياهم مختلفان اختلاف المشرق عن المغربِ، ومن بابِ العبثِ إضاعةُ الوقتِ في حوارٍ مع من يعتقد في شئٍ من هذا . أما إذا كان القارئُ يُسلم معي بصوابِ العبارةِ الديباجة في هذا الفصل، فإنه يكونُ هناك مجال للحوارِ ولبحث الأمر على أَلاَّ ينوب أحدٌ عن الاقباط في التعبيرِ عن جوانبِ شكواهم – فليس من حقِ أية جهةٍ رسميةٍ أو غير رسميةٍ أن تقف وتقول : إنه ليست للأقباط في مصر مشاكل أو شكاوى وإنما الذي يملك حقَ التعبيرِ عن ذلك هم الاقباط أنفسهم . وعندما أكتبُ أنا هذه السطور فإنني أعكسُ ما سمعته مرارًا وتكرارًا من المواطن المصري القبطي العادي والذي لا يمكن تصنيفه كمتمردٍ أو آبق أو مُبالغ في الأمر لإنني أعرفُ مزاعمَ المُبالغين ولن أتطرقَ إليها في هذا الفصل وإنما أكتبُ ما لمسته (وصدّقته) خلال سنواتٍ طويلة ممن يمكن وصفهم بأواسطِ الاقباط المُعتدلين .



٢.4
الموضوع الأساسي هو: هل يعاني أقباطُ مصرَ (وهم في بلدهم) من مشكلاتٍ كبيرةٍ؟ .. والجواب الوحيد هو: "نعم".

نعم: يشعر الاقباطُ بمخاوفٍ على أنفسهم وأسرهم وأموالهم وسلامتهم بدرجة أكبر مما يشعر بها المسلمون (وإن لم يكونوا أيضًا في مأمنٍ كاملٍ).

نعم: يعاني الاقباطُ من شيوعِ وذيوعِ مُناخٍ عامٍ متعصبٍ وغير متسمٍ بالمودة تجاههم.

نعم: يعاني الاقباطُ من تحدياتٍ إضافيةٍ في مراحلِ التعليم والتوظيف والترقيه لمجرد أنهم أقباطٌ.

نعم: يشعر الاقباطُ أنهم (وإن كانوا بشهادةِ معظم المسلمين أكثر كفاءة من المتوسط العام للمسلمين) فإنهم لا يشغلون مناصبَ عامة هامة كمنصب المحافظ ونائب المحافظ ورئيس المدينة ورئيس الجامعة وعميد الكلية ومعظم مناصب الصف الثاني في وزاراتِ الخارجيةِ والدفاعِ والداخليةِ .. وغيرها.

نعم: يشعر الاقباطُ أنه في حالاتٍ كثيرةٍ ما أن يذكر القبطي اسمه الدال على قبطيته إلاَّ وشعر بتدهور شديد في درجة المودة في الطريقةِ التي يُعامل بها.

نعم: يشعر الاقباطُ أنه من غيرِ المنطقي أن نسبتهم في المجتمع قرابة سدس (خمسة عشر في المائة) من السكان بينما عدد النواب الاقباط في مجلس الشعب أقل من 1%. ولا يحتاج الإنسان لكثير ذكاء ليتيقن أن ذلك لا يمكن أن يكون حادثًا بالصدفة وإنما بفعل عواملَ لا يمكن إلاَّ أن تكون رديئة وغير منطقية وظالمة وغير إنسانية ومخالفة لأبسط معاني المواطنة.

نعم: يشعر الاقباطُ أن الادعاءَ بأن "كل شئٍ على ما يرام" لأن شيخ الأزهر يعانق البابا في بعضِ الصور هو إهانةٌ لذكاءِ كل قبطي وكل مصري.

نعم: يشعر الاقباطُ أنه من الغريبِ أن يسددوا ضرائبَ تبنى منها المساجدُ وينفق منها على جامعة الأزهر – بينما يعانون هم أشد المعاناة في إنشاء كنائس بأموالهم الخاصة.

نعم: يشعر الاقباط (ولا سيما من تجاوز الستين منهم) أنهم اليوم محاطون بأخلاقيات وطرائق تعامل معهم ومع زوجاتهم وبناتهم وأبنائهم تختلف كلية عما عايشوه منذ أكثر من أربعين سنة في نفسِ المكان (مصر).

هذه هي الجوانب الجوهرية للموضوع، أما اتهام كل من يتحدث في هذه الأمور بالعمالةِ لأطرافٍ معاديةٍ لمصرَ والانخراط في مؤامرةٍ ضد مصر، إنما هو عبث وإهانة للحقيقة وهوان للمنطق.
و من الجدير بالذكرأن هناك إجماعًا داخل المجتمع القبطي على أن كل ما يُحيط بقوانين وإجراءات ورسميات إنشاء كنائس جديدة أو ترميم أو إصلاح كنائس قديمة كان يخضع لأمورٍ تخرج عن نطاقِ العقلِ – وقد حدث بعض الانفراج في هذا الأمر ولكنه في اعتقاد معظمهم انفراج لا يُصاحبه إيمانٌ عميقٌ بفداحةِ الموقف الذي كان يُحيط بهذه المسألة، ولا شك أن العلاجَ الوحيد المُرضي هو أن توجد قوانين تُنظم إنشاء دور العبادة (بصرف النظر عن اسمها : مساجد أو كنائس) وتضم قواعد منطقية وعقلانية تنطبق على الجميع – فليس من العقل ولا من المنطق أن يُحاط جانب بقيودٍ غليظة ويتمتع جانبٌ بحريةٍ تصل إلى حدود الفوضى والخروج عن كل القوانين بينما يكونُ موقفُ البعضِ منهم هو الخوف والفزع . ولكن هل مشكلة الكنائس هي لُب شعور الاقباط بوجود مضايقات أو أزمة ؟ .. الجواب قطعًا بالنفي فهناك مشاكل أشد حدة مما يُعاني منه الاقباط من أجل الحصول على تصريحٍ بإنشاءِ كنيسةٍ جديدة – رغم عجزي الدائم عن فهمِ المضار التي يمكن أن تُحيط بأحدٍ من جراءِ إنشاءِ كنائسٍ جديدةٍ – فالكنائسُ إما دور للعبادةِ (لأصحابها) وإما مكان لمناسباتٍ مثل الأفراح أو الجنازات وهي من صميمِ الحقوقِ الإنسانيةِ.
أما المشاكلُ الكبرى التي يُعاني منها الاقباطُ فيمكن أن تُوجز فيما يلي :
- وجود مُناخ عام تشيعُ فيه في بعضِ الأزمنةِ وفي بعضِ الأمكنةِ روحُ التعصبِ التي يستشعرها القبطي بحساسيةٍ عاليةٍ وبمجرد ذكر اسمه .
- وهناك الشعورُ السائد بين الاقباط أن تمثيلهم في الحياة العامة والمناصب الكبرى قد انخفض تدريجيًا خلال السنوات الخمسين الأخيرة حتى بلغ حد عدم انتخاب قبطي واحد في مجلس الشعب في سنة 1995 .
- وهناك أيضًا الأحداث المُحتقنة التي تقع بين الحين والآخر مثل أحداث الكُشح .
وفيما يلي بعض الملاحظات التحليلية على جوانب من الشعور القبطي بالتأزم من تلك المسائل :
- أما المناخُ العام الذي توجد في كثيرٍ من مواقعِه روحُ تعصبٍ بغيضةٍ، فهو أمرٌ لم يحدث بقرارٍ حكومي أو سياسي وإنما جاء كنتيجةٍ طبيعيةٍ لهزيمة المشروع المصري النهوضي وما واكب هذه الهزيمة (لا سيما منذ يونيه 1967) من تصاعدٍ للفكرِ والثقافةِ الأصوليةِ والتي عرضت نفسها كبديلٍ عن قادةِ المشروع النهوضي، ومع استشراء مفردات ثقافة هذا التيار (وهو التيار الذي قتل أنور السادات ونفذ العديد من الجرائم الأخرى) تشبع المناخُ العام بروحٍ محافظةٍ بل رجعيةٍ كان من المُحتم أن تُفرز موقفًا متعصبًا من الاقباط . وكما قال مفكرٌ مصري مرموقٌ، فكلما انهزم المشروعُ النهوضي في مصرَ انعكس ذلك بالسلب على فريقين من أبناءِ مصرَ هما النساء والاقباط – والعكس صحيح، فمع ازدهار جو ثقافي نهوضي تكون الآراءُ السائدة تجاه المرأة وتجاه الاقباط متحضرةً وموائمةً للعصرِ والتمدنِ. ولكن إذا كان من الظلمِ أن نقول إن النظام السياسي في مصرَ اليوم هو سببُ وجودِ هذا المُناخ العام الذي ينتشر في ظله في بعض الأحيان وفي بعض المواقع "التعصبُ"، فإنه من الموضوعي أن نقول إن الحكومةَ كان ولا يزال بوسعِها أن تفعل الكثيرَ للحدِ من هذا العنصر السلبي (التعصب) في مُناخنا الثقافي العام من خلال ضرب المثل والقدوة ومن خلال برامج التعليم والاعلام فبوسع الحكومة من خلال ذلك التعامل الفعّال والناجح مع "ثقافةِ التعصبِ" . ولكننا نحتاج هنا لرؤيةٍ شاملةٍ تبذر بذورَها في برامج التعليم كلِها وفي وسائل الاعلام والأنشطة الثقافية بل و تبذر في المنابر الدينية، فلا أمل في التقدم إذا وقفت المؤسساتُ الدينية الإسلامية موقفًا مُناهضًا لمشروع ثقافي يهدف لاستئصال شأفة التعصب من مُناخنا العام – وهنا فإن على الأزهر أن (يُقاد) من طرف رؤية النظام لا أن (يقود)، فترك أيَّ أمرٍ لرجالِ الدين يعني قبول انتشار ثقافة ثيوقراطية لا يمكن بالمنطق والتجربة أن تكون من أنصارِ ثقافةِ عدمِ التعصب والقبولِ العميقِ بحق الآخرين في الاختلاف (وهنا فإننا نتحدث عن حالة واضحة من حالات الاختلاف في ظلِ منظومةِ الوحدةِ) .
وكاتبُ هذه السطور يعلم أن "الكلام" في هذا الموضوع أسهل بكثير من "الفعل" – ولكنه أيضًا يعلم أن وظيفة "القيادة" (بالمعنى الواسع، أي كل القيادات التنفيذية العليا) هي بلورة الرؤية وأن تقود لا أن تُقاد . وأي زعم بأن النظام السياسي الحالي في مصرَ بطبيعته عدوٌ لهذا الفكر هو زعم غير صحيح، فالنظام لم يخلق – في اعتقادي – روح التعصب وإنما "سكت" على وجودها زمنًا طويلاً ثم اكتشف عن قُرب أن الفكرَ الواقف وراء ثقافةِ التعصبِ هو العدو الأول للنظام وهو الذي أفرز حادثة المنصة وحادثة أديس أبابا وغيرها من الأحداث التي ما هي إلاَّ "ذروة" ثقافةٍ معينة .
- وأما الشعورُ السائد بين الاقباط أن تمثيلهم في الحياةِ العامةِ والمناصبِ الكبرى قد انخفض بشكلٍ كبير خلال العقودِ الأخيرةِ، فتلك حقيقةٌ تثبتها مئاتُ الإحصائيات ولا ينبغي أن تُفهم على أن النظام يقصدُ ذلك ولكن الحقيقة أن الحكوماتِ المتوالية سمحت بتفاقمِ الظاهرةِ وأصبحت هذه الظاهرةُ السلبية يتعاظمُ حجمها في ظلِ مناخٍ من عدم رؤيتها وهو ما يستحقُ الدراسة، وإن كنتُ أعتقد أنه يُفسر بثقافةٍ ذاعت وشاعت في حياتنا العامة خلال العقودِ الأخيرة جوهرها إنكار المشكلات والحديث بإصرار على أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان وهي ظاهرة تخرجُ من رحم بُعدٍ ثقافي آخر هو عدم قبول النقد وعدم تأصيل القدرة على ممارسةِ النقدِ الذاتي . وقد يندفعُ البعضُ قائلاً إن السببَ الوحيد هو "سلبيةُ الاقباط" وانكبابهم على الأنشطةِ المالية – والحقيقةُ أن هذا من باب وضع الحصان أمام العربة، فالاقباط سلبيون لا شك كما أنه لا ريب أنهم إنصرفوا إلى الأنشطة المالية والاقتصادية ولكن ذلك كان نتيجة لا مقدمة : نتيجة لانغلاق أبوابٍ عديدةٍ أمامهم وهم أصحاب الكفاءات الحقيقية التي لا يجوز لعاقلٍ أن ينكرَها .
ورغم يقيني أن التحليلَ الوارد أعلاه سليم إلاَّ إنني أعلم أنه ناقصٌ : فكما أن هناك أَبوابًا عديدة مغلقة أمام أصحابِ الكفاءاتِ العاليةِ من الاقباط فإن معظمَ هذه الأبواب أيضًا مغلقٌ أمام أصحاب الكفاءات العالية بوجهٍ عام، فأساسُ اللعبة هو المُشاركة في المطبخ السياسي الذي تكوّن خلال العقود الأخيرة وهو مطبخٌ مُنفّر بطبيعته لأصحاب الكفاءات إذ أنه يقوم على قواعد من الولاءِ الشخصي وغير ذلك من مفرداتِ المطبخ السياسي المصري المُعاصر وهي مفردات طاردة لأصحاب الكفاءات وأصحاب الكبرياء .
أما الأحداثُ المُحتقنة التي تقع بين الحين والآخر مثل أحداث الخانكة ومرورًا بعشراتِ الأحداثِ حتى نصل إلى مآسي الكشح الحديثة فإنها ناجمةٌ عن عناصرَ واضحةٍ لعل أهمها ما يلي :
- الرغبة في تصغير حجم ما يحدث خوفًا من آثارِ انعكاس الحقيقة على سمعةِ مصرَ – والحقيقةُ أن سمعةَ مصرَ تُخدم بمواجهةِ الحقيقة لا بإدارة الظهر لها .
- تفشي ثقافة تجاهل المشكلات والتغني بالإنجازات ومدح الذات .
- عدم أخذ العبرة من الجهود المخلصة التي بُذلت في دراسة وتحليل مثل هذه الأحداث وأشهر الأمثلة على ذلك عدم الاستفادةِ من التقريرِ المشهور بتقرير الدكتور العطيفي عن أحداثٍ من هذا النوع وقعت في السبعينات وكان يمكن الاستفادة القصوى منها لولا ذيوع ثقافة أن ما حدث أمرٌ بسيط حرضت عليه قوةٌ خارجيةٌ تريد السوء بمصرَ .
وفي كل الأحوال فإننا ندعو لا لتوجيه اتهامٍ أو لوم لأحدٍ وإنما لدراسةٍ موضوعيةٍ محايدةٍ تهدفُ (مثل دراسة الدكتور العطيفي) للوقوفِ على عناصرِ ما يحدث ولا تهدف للقول بأن الحكومة تضطهد الاقباط فليس من الحكمة أو العقل أن يكون هذا هو الهدف كما أنه ليس من الحكمة والعقل أن يُقال إن كلَ شئٍ على ما يرام.
٢.5
منذ سنوات حضر لمكتبي بالقاهرة شخص لموقعه المرتفع وعمله (من خلال منصب رفيع) اتصال مباشر بالشأن القبطي، وسألني عن سبب تحمسي الشديد لما أسميه في كتاباتي "المسألة القبطية". قلت له يومئذ إن كوني مصريًا يحتم علىِّ أن أفعل ذلك. وهو ما يحتم عليَّ أيضًا مناصرة قضايا المرأة في مصر. فمصر العليلة اليوم لن تكون على بداية درب الشفاء ما لم يندرج أقباطها وتندرج نساؤها في معالجة قضايا مصر ومعضلاتها من موقع المواطنة الكاملة الخالية من الشوائب (وما أكثرها). إن المظلوم المفتأت على حقوقه لا يمكن أن يساهم في دفع العربة المتعطلة. وكنت على يقين أن ذلك الزائر لم يفهم ما قلته – فهو مدربٌ على أن يتعامل مع الاقباط كخطرٍ على مصرَ .. رغم أنهم "أصل مصر". يومها قلتُ له أيضًا: "إذا لم تناقش المسألة القبطية هنا في مصر فستناقش في الخارج .. وإذا لم نقرْ بكل جوانبِ المسألة، فإن الاقباط في الخارج سيطورون من أسلوب تناولهم للأمرِ من "مجرد الصياح بكونهم مظلومين" إلى "مسألة حقوق إنسان" – وعندئذٍ سيسمع لهم كثيرون، ومنهم كبار صناع القرار على مستوى الكرة الأرضية.

سمعنا في مُقتبل العمر المقولة العربية الصغيرة (معظم النار من مستصغر الشرر) .. واليوم: فإن معظمَ البلايا من تجاهلها وقت أن كانت صغيرة لا تكاد تلحظ.

إننا نطالب العالم بأن يصدق (زعمنا) أننا ممتازون مع (غير المسلمين) ومع (النساء) .. ونستمرئ تكرار ذلك والعالم ينظر لأفعالنا فيجدها عكس أقوالنا كلية.

وعودة لمسألة أقباط مصر، أقول إن استمرار معظم المسئولين في مصر في تجاهل المسألة القبطية قد يأخذ مصر لأزماتٍ أكاد أراها في الأفق، وهي تشبه أزمات آخرين في المنطقة سولت لهم أنفسهم من قبل تجاهل بعض المشكلات وأهمها تجاهلهم لحقائق العالم الجديد : عالم ما بعد نهاية الحرب الباردة .. وهو عالم لن تنفع أحد فيه "فكرة السيادة" بمنطقها ومفهومها القديم والذي استقر لعقود طويلة قبل إن ينهار سور برلين وتصبح الدنيا غير الدنيا، ويفهم البعض الدنيا الجديدة، ويعجز البعض عن فهم واستيعاب طبيعة وخصائص وكيف وكم ومعاني التغيير.

ولعلي لا أجد شيئًا أختم به هذه الفقرة أفضل من القصة التالية : في حوارٍ عن المسألةِ القبطيةِ سألني أحدُ الحضور عن احتياجاتِ الاقباط ومطالبهم فبدأت بالمطلب الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس ... وعندما سألني عن المطلب الأول قلتُ له إن ما يحتاجه الاقباط أولاً وقبل كل شئ هو (حضن اجتماعي) بمعنى أن يشعروا أن هناك رغبة عميقة في الاستماع إليهم وإلى شكواهم ومشكلاتهم من موقع المحبة والتعاطف والإيمان بأنهم شركاءٌ في هذا الوطن وليسوا أقلية من الدرجةِ الثانية عليها أن تقبل وتقنع بعطايا الأغلبية . ولعلي لا أتجاوز الموضوعية إذا قلت إن دراسةَ حالةِ ونموذج سعد زغلول وعلاقته بالاقباط يمكن أن تكون نقطة بداية رائعة لمن يرغبون في حلٍ أصيلٍ وكاملٍ فقد كان سعدُ زغلول معبودَ الاقباط لأسبابٍ عديدة من صناعته وتصميمه هو.

٢.6
أما اليوم، فإن ملفًا حساسًا مثل ملف الاقباط في مصرَ بما يثيره من تأزمٍ موسميٍ في العلاقات المصرية الأمريكية ما هو إلاَّ انعكاس من انعكاساتِ تفاقمِ ثقافةِ التعصبِ في المجتمع المصري- وعليه فإن علاج الاعراضِ يكون أمرًا بالغ الخطأ وغير ذي جدوى،فالحكمةُ تقتضي علاج منبع المشكلة أي (ثقافة التعصب) والتي شاعت في المجتمع قرابة 50 سنة.

ويقتضي التعاملُ مع مشكلةٍ بمثل هذا الحجم والخطورة والأهمية والتشعب وجود جهة معنية بالمشكلةِ وعلاجِها كمجموعةِ تفكيرٍ "Think-Tank " بهدف أن تقوم هذه المجموعة بالاتفاق على السياسات والاستراتيجيات والآليات التي ستستعمل لإحداث التغير الكمي (التراكمي) في عددٍ من المجالات الهامة على رأسها (التعليم) و(الاعلام) و(الثقافة) و(الخطاب الديني في المؤسستين الإسلامية والمسيحية)...وغيرها.

ونظرًا لأن هذه "المعالجة" ستكون "طويلة المدى" بطبيعتها فإنه ينبغي أن يسير بمحاذاة هذه المعالجة طويلة المدى تدخلُُ قصير المدى بهدفِ إحداثِ علاجٍ فوريٍّ لبعض حالات الخلل الناجمة عن التعصب لتكون "قدوة" على المدى القصير تساعد برنامج المدى الطويل- على أن تكون الاعتبارات الموضوعية هي أساس هذه التدخلات (مثال: يتم اختيار عدد من الاقباط لشغل مواقع بارزة لا لكونهم أقباطًا ولكن لكونهم الأكثر كفاءة في تلك المواقع في نماذج واضحة لإبرازِ مرجعيةِ "المواطنة" قبل أية مرجعية أخرى).

ويمكن أيضًا تفيعل عدد كبير من "تدخلات المدى القصير" بمحاذاة آليات المدى الطويل بهدف تشجيع وترسيخ روح عامة مناهضة للتعصب مثل وضع قواعد جديدة لإنشاء دور العبادة وإعادة تفعيل دور وزارة الهجرة بهدف إنشاء ديالوج إيجابي جديد مع المصريين بالخارج يقوم على الحوار الذي يهدف لاستئصال ثقافة التعصب من كل جوانب المجتمع المصري.

1- آليات التعامل.
يمكن تصور عدد من الجهات (المجموعات) التي تعمل على تقليص روح أو ثقافة التعصب وإشاعة روح وثقافة مختلفة تقوم على عدم الخلط بين التَمسك بالدين (أيًا كان) وبين التعصب – ونظرًا لأن لهذا الغرض مجالات مختلفة فإنه يتصور وجود مجموعات عمل لا تقل عما يلي :

أ – مجموعة التعليم:
وهدفها وضع السياسات والبرامج الكفيلة بغرس قيم التسامح والتعددية وقبول حق الآخرين في الاختلاف والتواجد وتأصيل هذه القيم كقيمٍ تستمد جذورها من الأديان السماوية نفسها ومبادئ الأخلاق والمدنية.


ب – مجموعة الإعلام:
وهي المجموعة التي يمكن أن يكون لها تأثير سريع وملموس على المدى القصير والمتوسط نظرًا لما لوسائل الاعلام من قدرةٍ عاليةٍ على التأثير في مجتمعنا – وتقوم هذه المجموعةُ أيضًا بوضع التصورات الأساسية للسياسات والتوجهات التي تمكّن وسائل الاعلام من غرس وتأصيل قيم التآخي والسماحة والتسليم بأن الاختلاف والتعدد من سمات الحياة الإنسانية ومحاربة التعصب والتطرف بشكل عام.

ج – مجموعة الخطاب الديني (الإسلامي والمسيحي) :
لا شك أن الخطاب الديني (الإسلامي والمسيحي) ذو تأثير بالغ على العقول والرأي العام في المجتمع المصري، لذلك ينبغي وجود مجموعة خاصة لوضع سياسة عامة (ثم تفصيلية) للخطاب الديني بهدف نزع بذور وأسس التعصب من الخطاب الديني ذي التأثير الواسع للغاية على الرأي العام في مصرَ.

د – المجموعة الثقافية:
رغم أَن أثرَ "العمل الثقافي" في مصرَ أبطأ وأقل وضوحًا من العمل "التعليمي" و "الاعلامي" إلاَّ أن قطاعات الثقافة المختلفة هي التي تؤثر في "الذين يؤثرون في الناس" لذلك ينبغي وجود خطط قصيرة المدى لتوظيف الثقافة لمحاربة قيم التعصب في المجتمع.





الفصل الثامن عشر
الواقع الذى نتجاهله


عندما اندلعت الحربُ العالمية الثانية في سبتمبر 1939 لم تكن الولاياتُ المتحدة الأمريكية بين أطرافِ هذا النزاعِ الكبيرِ إذ تأخر دخولُها حتى سنة 1941 عندما جاء هذا التدخل نتيجة الجهود التي كان يبذلها رئيسُ الوزراء البريطاني يومئذ ونستون تشرشل بهدفِ إقحامِ الولاياتِ المتحدة الأمريكية في الحربِ (مع الحلفاءِ)، وأما الأمر الثاني (والمباشر) فهو الهجوم الياباني على بيرل هاربر في سنة 1941 والذي ألقى بالولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ في قلبِ النزاعِ. وفي صيف سنة 1945 أنهت الولاياتُ المتحدة الأمريكية الحربَ العالمية الثانية بذراعها العسكريةِ القويةِ سواء في أوروبا أو في أقصى شرق آسيا. ورغم أن الولاياتِ المتحدة الأمريكية كانت هي العاملَ الحاسمَ لإنتصارِ الحلفاءِ وانتهاءِ الحربِ العالميةِ الثانيةِ بالصورةِ التي انتهت بها إِلاَّ أن حصدَها لثمار هذا الواقع لم تظهر بعد انتهاءِ الحربِ العالمية الثانية (1945) وإنما تأجلت لأقل قليلاً من نصف قرنٍ- فبينما كان منطقُ حساباتِ القوى يحتم أن تحصد الولاياتُ المتحدة الأمريكية ثمارَ انتصارها العسكري في سنة 1945 إلاَّ أن واقعًا جديدًا (وهو واقع الحرب الباردة 1945 – 1990) قد ‍‍‍‍حال دون أن تجلس الولاياتُ المتحدة الأمريكية على مقعدِ المنتصرِ على العالمِ وتمارس دورًا تمليه حساباتُ القوى، فخلال الحرب الباردة حال وجودُ الإتحاد السوفيتي بين الولايات المتحدة الأمريكية وممارستها لهذا الدور ولكن ما إن إنهار إلاتحاد السوفيتي ومعه الكواكب التي كانت تدور في فلكِه حتى عاد المسرحُ الدولي إلى اللحظة التي كانت تنتظرها الولايات المتحدة الأمريكية في سنةِ 1945 وأصبح (منذئذ) من الممكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تحصد الثمارَ المادية والواقعية لكونها القوى السياسية والاقتصادية والعلمية والعسكرية الأولى (بلا منازع) في العالمِ. وإذا كانت ظروفُ الحربِ الباردة قد أرجأت أن تكون الولاياتُ المتحدة الأمريكية في موقعٍ يسمح لها بحصدِ ثمارِ مكانتها، فإن وصولَ كلينتون لمنصب الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية في يناير 1993 قد أحدث أيضًا إرجاءً طفيفًا لظهور هذه الحالة (التي تعكس موازين القوة) على مسرحِ العالمِ بشكلِ واضحٍ وكاملٍ. وفي تصوري أنه إذا كان الرئيس جورج بوش قد فاز بفترة ولاية ثانية (في انتخابات نوفمبر 1992) لكان العالم قد شاهد ما بدأ يشاهده منذ وصولِ الجمهوريين للحكمِ مرة أخرى في يناير 2001 – فمجموعةُ اليمين في الحزب الجمهوري الأمريكي أكثر وضوحًا في التعاملِ مع حقائقِ ونتائج هذا الواقع الجديد أكثر من غيرهم في الولاياتِ المتحدة الأمريكية .

وخلال سني الحرب الباردة كان من الميسورِ لأي مراقبٍ من خارج الولايات المتحدة الأمريكية أن يرى أن مجموعة القيمِ والنظمِ الأمريكية السائدة داخل المجتمع الأمريكي والتي تسببت في وجودِ مجتمعِ بالغِ التقدمِ على كافةِ المستوياتِ: مجتمع تشيع فيه درجةٌ عاليةٌ من الديموقراطية وينتج اقتصاديًا أكثر من ربع مجمل الناتج العالمي و يحتل موقعَ الصدارة علميًا وبحثيًا وتقنيًا وتكنولوجيًا وعسكريًا ...كان من الميسور للمراقبِ أن يرى أن هذه المجموعةَ من القيمِ والنظمِ التي تعمل داخل الولايات المتحدة الأمريكية هي أمور مناقضة للعديدِ من جوانبِ السياسةِ الأمريكيةِ الخارجية: فبسبب ظروف الحرب الباردة تعاملتْ السياسية الخارجية الأمريكية مع مارشالات وجنرالات جمهوريات أمريكا الجنوبية والوسطى الطغاة والفاسدين كما تعاملت السياسةُ الخارجيةُ الأمريكيةُ مع العديدِ من أشباهِ هؤلاء في أفريقيا وآسيا كما أنها تبنت مجموعاتٍ فكريةٍ وسياسيةٍ متطرفة ورعتها واستعملتها ومن بينها جماعات ومنظمات ودول أصبحت الولايات الأمريكية بعد ذلك تشكو منها.

ومن أهم ثمار ثقافة الحرب الباردة أن السياسية الخارجية الأمريكية تجاهلت أن الديموقراطية ليست فقط حقًا إنسانيًا لكل البشر (بما في ذلك بشر منطقة الشرق الأوسط) وإنما هي صمام الأمان الوحيد للبشرية جمعاء من عواقب الطغاة والديكتاتوريات الشمولية والمنظمات المتطرفة.

وإبان سني الحرب الباردة كانت السياسة الخارجية الأمريكية أحيانًا تهتم بالديموقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الطغيان والفساد عندما يقترف شيئًا من ذلك المخالفون لها والذين يعملون ضد مصالحها بينما كانت تغض البصر نهائيًا عن تلك الخطايا الأخرى عندما يكونون من أنصارها أو من الذين هم على علاقات مَصْلَحَة معها. واليوم فإن الأزمةَ الكبرى في عددٍ من دول العالم أن الولايات المتحدة الأمريكية تعلن أنها تتوخى توفير الديموقراطية لمجتمعاتٍ كانت (قد تركتها باختيارها) لطغاة فاسدين قاموا بعملية غسل أدمغة لشعوبهم تضمنت إفهام هذه الشعوب أن الكرامة تتلخص في مناطحة ومواجهة وتحدي الحضارة الغربية : مما يجعل كل أطراف العالم في أزمة.

وإذا كان من حق البعض ألاَّ يرضى عن هذا الواقع المادي الناجم عن موازين القوى ...وإذا كان من حق آخرين ألا ترضيهم حقيقة انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بكتابةِ القواعدِ الأساسية للسياسة والاقتصاد في العالم... وإذا كان فريق ثالث من حقه أن يتساءل عن معنى مصطلحات مثل (السيادة) و (الشرعية الدولية) ...وكلُها أسئلة ومواقف يجب احترامها، فإن من حق فريقٍ رابعٍ أن يطرح الأسئلة التالية:

 هل ثقافة المقاومة والتحدي والمواجهة هدف أم وسيلة؟ …وإذا كانت هدفًا فما هي العواقب العملية لها! وإذا كانت وسيلة، أفليس من حق البعض أن يتساءل عن فرص نجاحها أو فشلها ؟

 هل رفض مجيء الإصلاح والتطوير والتحديث من الخارج (وهو رفض له معقوليته) يعني رفض مجيء ذلك من الخارج فقط؟ …أم رفض الإصلاح والتطوير والتحديث بشكل مطلق؟ وهل هناك وسيلة لتجنب فرض ذلك من الخارج إلاً بالمبادرة به من الداخل لا لكونه مطلبًا لأحدٍ وإنما لكونه حقًا ومطلبًا لنا؟

قامت دولة من دول منطقتنا برفع (شعار التطوير بدون تغيير) في أوائل التسعينيات: فهل بذل المثقفون لدينا جهدًا كافيًا لمعرفة أسباب ومنابت ثقافة معاداة التغيير في واقعنا سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا وإجتماعيًا وتثقيفيًا وإعلاميًا وتعليميًا ؟‍!
























الباب الثالث

سجن الرعب من المعاصرة و الحداثة








تـوطئـة

(الإنسانية أُفق، والإنسان بالطبع متحرك إلى أُفقه)
أبو حيان التوحيدي
(عن المعلم الأول "أرسطو").

يحاول هذا الباب أن يطرح موضوعًا أعتقدُ أنه مرشحٌ أكثر من أي موضوعٍ آخرٍ ليكون "محورًا" يلتقي حوله مثقفون كثيرون في مصرَ اليوم، وقد يختلفون في تفاصيِله ولكنه يبقى مؤهلاً لكي يكون محلَ مساحةٍ من الاتفاقِ تتجاوز مساحاتِ الاختلافِ .
وينطلق كلُ فكرٍ يحتويه هذا الفصل من إيمانٍ بأن هناك ثلاثة مستوياتٍ لثلاثةِ كياناتٍ: "الإنسانية" .. و"الحضارات" .. و"الثقافات". ويقومُ هذا الفكرُ على أن "الحضارات" أُفقٌ أعلى من أفق "الثقافات" .. وأن "الإنسانية" أفقٌ أعلى من أُفق "الحضارات" .. وأن "قيمَ التقدمِ" هي من مكوناتِ الأفقِ الاعلى أي أُفق "الإنسانية" وهو ما يجعلها فوق خلافاتِ "الحضاراتِ" وخلافاتِ "الثقافاتِ" .
ورغم أن كلَّ أفكارِ هذا الفصل تتعلق بأُفقِ الإنسانيةِ، إلاَّ أنها قد تصلح – في نفسِ الوقتِ – لتوجيه العلاقة بين "الحضاراتِ" لدرب "الحوار" عوضًا عن تركِها تسقط الآن بقوةِ الفوضى الناجمةِ عن غيابِ التحاورِ (الديالوج) لتصبح "مُسيّرةًَ" على "دربِ الصراعِ" أو "دربِ الصدام" والمستقبل، أي مستقبلٍ، كما يقول "سارتر" هو (ما يُصنع في "مطبخ الآن") .. وبالتالي فإن السؤالَ حول طبيعةِ العلاقةِ المستقبليةِ بين الحضاراتِ وهل تكون "حوارًا" أم "صدامًا" هو سؤال توجد إجابتان محتملتان عنه : فمستقبل العلاقة بين الحضارات يمكن أن يكون في صيغةِ الحوارِ كليةً إذا كانت جهودُ الفكرِ اليوم تهدف لذلك، كما أن مستقبل العلاقة بين الحضارات يمكن أَن يصبح في إطار الصدام إذا كانت جهودُ الفكرِ اليوم ستترك "العربةَ" تسير بقوةِ الدفعِ الذاتي لجريمةِ عدمِ تأصيلِ الحوارِ .

































القصل الأول
حول موضوع "قيم التقدم"

في أواخر سنة 2000 دعتني الجامعةُ الأمريكية بالقاهرة للحديثِ عن طبيعةِ الإصلاح الذي أنشده للتعليم في مصرَ. وفي محاضرتي بمبنى "المعسكر اليوناني" بالجامعةِ تحدثت باستفاضةٍ عن الفارقِ بين "التغيير الكميّ" في نظامِ تعليمٍ معينٍ وبين "التغيير الكيفي أو النوعي" . وقلت إننا أولينا "التغيير الكيفي أو النوعي" القليلَ من العناية والاهتمام نظرًا لبقاءِ فلسفتنا التعليمية قائمةً على "التلقين" و"اختبارات الذاكرة" مع قليلٍ جدًا من الإهتمامِ بالإبداعِ "والحوار" ("الديالوج" في مواجهة "المونولوج") وبقاء التعليم قائمًا على فكرةِ أن المدرسَ "جهازُ إرسالٍ للمعرفةِ" وأن التلميذَ أو الطالبَ "جهازُ تلقي واستقبالٍ لما يرسله المدرسُ". وعندما دعتني جامعتا برنستون (Princeton ) وكولومبيا (Columbia) في شرق الولايات المتحدة وجامعة كاليفورنيا بيركلي (California Berkeley) في غرب الولايات المتحدة في الربع الأول من سنه 2001 لإلقاء محاضراتٍ على طلبةِ أقسامِ الدكتوراة بمراكزِ دراساتِ الشرق الأوسط بها عدت في هذه المحاضرات إلى ضرورةِ حدوثِ ثورةٍ تعليميةٍ في منطقة الشرق الأوسط إذا كان المرادُ هو غلبة سيناريو السلام (السلام الحقيقي القائم على الشرعية ومبادئ القانون الدولي) والتنمية الشاملة (اقتصاديًا وثقافيًا وإجتماعيًا) ...وأن هذه الثورة التعليميةِ على تعقِدها وتركيبيتها تقوم في الأساسِ على فلسفةٍ تتوخى بذر قيمٍ معينة سميتها "قيم التقدم".

ثم عدت منذ شهر أغسطس 2001 للاهتمام الفكري المكثف بهذه القيم كردِ فعلٍ لقنوطي الشديد من وجودِ موضوعٍ عامٍ كبيرٍ لا تتشرذم في مواجهته الآراءُ في مجتمعنا. فنحن إن تحدثنا عن (محمد على) أو (طه حسين) أو (جمال عبد الناصر) أو (أنور السادات) أو (العلمانية) أو (التنوير) أو (الحداثة) أو (العولمة) أو (السلام في الشرق الأوسط) سوف نختلف كمجموعاتٍ فكريةٍ من البداية اختلافات لا سقف لها وسيصل بنا التشرذمُ إلى أبعد مدى كما أن حبلَ الحوارِ المتحضر القائم على العقلانيةِ والموضوعيةِ سينقطع من البدايةِ ويدخل العديدون منا في "مواويلِ تراشقٍ بأقذعِ النعوتِ والتهمِ".

ولا يخفي كاتبُ هذه السطور أنه عندما بحث عن موضوعٍ "قد" لا يحدث حوله هذا الانقسام والتشرذم (أو على الاقل يحدث حوله انقسام بدرجات أخف) لم يجد إلاَّ هذا الموضوع الذي كان قد "زاره" فكريًا عدة مراتٍ في محاضراتٍ وكتاباتٍ متفرقةٍ وهو موضوع "قيم التقدم". وهكذا، بدا لي الموضوعُ وكأنه أكثر المواضيع قابلية للبعدِ عن التناولِ من زوايا أيديولوجية: فليس في موضوعِ قيمِ التقدمِ بالشكلِ الذي أتناوله ما يدعو لتقسيمِ الناسِ لإسلاميين وغير إسلاميين أو لاشتراكيين ورأسماليين أو لناصريين وساداتيين... فقد بدا لي الموضوعُ (بالكيفية التي تناولته بها في المحاضراتِ التي أشرت إليها في مستهلِ هذا الحديث) "غير مذهبي" أي "غير أيديولوجي" إلى حدٍ بعيدٍ –هو ما سوَّل لي أن النظرةَ إليه والحوارَ بشأنه "قد" تكون أدنى للموضوعيةِ والحيادِ وعدمِ التشرذمِ والتمذهبِ كما يحدث عادةً في معظمِ حواراتنا العامةِ المعاصرةِ.

وقد أكون بهذا التصور مُغرقًا في الخيالِ أو عدمِ الواقعيةِ –ولكن منذ متى كان "كسر الجمود" يأتي إلاَّ من أفكارِ أولئك الذي يملكون القدرةَ على الحلمِ والخيالِ؟ .. إن بعضَ مدارسِ الإدارةِ الحديثةِ تتطلب في تفكيرِ رجالِ الإدارةِ العليا توفر صفتين قد يظهرا متناقضتين في البدايةِ– إلاَّ أن حقيقة الواقعِ غير ذلك، فهناك أفراد عديدون (هم الذي ينجحون في أعمال الإدارة العليا) تتوفر فيه الصفتان وهما: القدرة على الخيال (Power of Imagination) والشعور بالواقع (Sense of Reality) فعسى أن يكون تصوري عن إمكانيةِ تعاملِ المثقفين والرأي العام في واقعنا اليوم مع موضوعِ قيمِ التقدمِ تعاملاً خاليًا من التمذهب والتشرذم – عسى أن يكون تصوري هذا متسمًا بالتوازنِ ما بين "القدرةِ على الخيالِ" و"الشعورِ بالواقعِ" وألاَّ أكون قد "فررت" لهذا الموضوع تحت شعورٍ طاغٍ باليأس من إمكانيةِ تناولِ موضوعٍ عامٍ هامٍ في واقعنا بالعقلِ والحكمةِ والموضوعيةِ وليس بمسكِ الحجارة في اليدِ لرجمِ الموضوعِ (أو صاحبه) لاعتياد البعض منّا على "مسكِ حجارةِ الرجم" أكثر من اعتياده على "الحوار"– فالأول "أسهل" عقليًا ويمكنّ صاحبَه (إذا أراد) أن يلصق بنفِسه "أشرفَ النعوتِ" وبخصومِه "نقيضَ كل ذلك" .

ولا أَتصور أن أكون في مستهل فصل بعنوان "قيم التقدم" دون أن أُشير لإشكاليةٍ فكريةٍ يصعب على أي مثقفٍ أَلاَّ يتوقف أَمامها وهو ينظر في فصلٍ بعنوان "قيم التقدم" وأعنى إشكالية (هل تؤدي الديموقراطية لشيوعِ وذيوعِ قيمِ التقدم هذه التي أُسلط الضوءَ على أهمها في هذا الكتيب أم أن هذه القيم قادرةٌ – حتى في بيئاتٍ ذات حظٍ متواضعٍ من الديموقراطية – أن تخلق مناخًا عامًا يعجل من تعاظم الهامش الديموقراطي وتحوله إلى ديموقراطية رحبـةٍ؟ …بل إن هذا البعد جعلني أتساءل عن مدى معقوليةِ تقديم كتيب بعنوان "قيم التقدم" إذا كان من المنطقي أَن يقطع البعضُ الطريقَ على عربة هذا الكتيب بلافتة تقول: وهل من سبيلٍ لتأصيل ونشر هذه القيم في ظلِ هامشٍ ديموقراطي قد يكون متناميًا إلاَّ أنه بالقطع صغير! … أقول : كاد هذا الهاجس الفكري يحملني على إلحاق مادة هذا الكتيب برمتها إلي "ملف الكتابات المرجأ نشرها": وهو الأغزر مادة، رغم أن "ملفَ الكتاباتِ المنشورة" يضم آلاف الصفحات…كاد هذا الهاجس أن يحمل هذا الفصل (عن "قيم التقدم") إلى "الملف المؤجل" لولا مصادفة مطالعتي لعددٍ من الدراساتِ عن تجارب عشر دول في جنوبِ شرق آسيا وأمريكا اللاتينية كانت منذ عشرين سنة (بدون طفرةٍ اقتصادية) و(بدون ديموقراطية) و(بدون قيمِ التقدم التي يتحدث هذا الكتيبُ عنها) ثم أَضحت غنيةً (نسبيًا) بالعناصرِ الثلاثةِ. ورغم علمي (وعلم الكثيرين في واقعِنا) بهذه التجارب وتسلسل فقرات نهضتها، إلاَّ إنني كنت بحاجةٍ لمواجهةِ فحواها في هذا الوقتِ بالتحديد… وفحوى هذه الدراسات أن البشريةَ كما عرفت تجاربًا كانت فيها "الديموقراطية الرحبةُ" هي الأطارَ العام الذي في ظله حدثت النهضةُ الاقتصاديةُ والعلميةُ والتعليميةُ والثقافيةُ والاجتماعيةُ وبمحاذاة ذلك رسخت قيم التقدم في مجتمعاتِها؛ فإن هناك تجاربًا أُخرى (مثل الدول التي تقدمت بطفراتٍ واضحةٍ في جنوبِ شرق آسيا وأمريكا اللاتينية) كان النهج فيها مختلفًا : فعِوضًا عن عمليةِ "الطبخ الهادئة والطويلة" للتطور كما حدث في أوربا على مدى قرونٍ؛ فإن تجاربَ هذه الدول / الطفرات في آسيا وأمريكا اللاتينية قامت فيها قاطرتان بجذبِ المجتمعِ لعمليةِ التنميةِ والتطوير: أما القاطرةُ الأولى فتمثلت في كادرٍ بشريٍّ من القياداتِ التنفيذية كان من جهةٍ يجسّد قيم التقدم وكان من جهةٍ ثانية يفرضها فرضًا على المناخ العام ... أَما القاطرةُ الثانية فتمثلت في إصلاحٍ جوهريٍّ وجذريٍّ للنظامِ التعليمي وإقامةِ النظامِ الجديد على أساسٍ من "قيم التقدم" بحيث تخدم "القاطرةُ الأولى" المدى القصير والمتوسط ... بينما تخدم "القاطرةُ الثانية" المدى المتوسط والطويل ... ومن خلال عمل القاطرتين - وبالقيادةِ والقدوةِ والتعليمِ الخلاقِ- تنتشر "قيمُ التقدمِ" وتخلق مناخًا عامًا يسمح بالحراكِ الاجتماعي الفعّال والمثمر وتخلق طبقةً وسطى عريضةً وذات ركائزٍ ثقافية واقتصادية في آنٍ واحدٍ ويواكب ذلك "إصرارٌ حتمي" (مع "استعداد موازٍ") على توسعةِ الهامشِ الديموقراطي وهو ما حدث بحذافيرِه في تجاربِ بلدان الطفرة في آسيا وأمريكا اللاتينية – وهو الرد الوحيد المعقول على دعوةِ البعضِ بأن بعضَ الشعوب عليها أن تنتظر طويلاً قبل حلول الديموقراطية الرحبة بزعم أنها شعوبٌ غير مستعدةٍ لمثل هذه الديموقراطية الرحبة. فانتظار الديموقراطية بعد قرنٍ دعوى لا يقبلها إلاَّ أنصارُ الاستبداد (وأنصار فوائده) أَما أنصار الديموقراطية( بصفتها أعظم إنجازات البشرية منذ وجدت) فإنهم لن يتوقفوا عن البحث عن صيغٍ تحقق الديموقراطية الرحبة وخلال عقودٍ معدودةٍ من الزمنِ مع خلقِ أُطر وآلياتِ الديمقراطية في نفسِ الوقتِ حتى لا تكون الديمقراطيةُ (بغير تنميةٍ شاملةٍ) الجسرَ الذي يعبر عليه أعداءُ الديمقراطية مـن ضفـةِ (اللا-سلطة) إلى ضفةِ (السلطة المطلقة إلى أبد الآبدين).

وهكذا، فإنني أعتقدُ أننا لا ينبغي أن ننشغل عن "قيمِ التقدمِ" بأية أُطروحاتٍ تقول إنها غيرُ قابلةٍ للغرسِ بتربتنا.

وأخيرًا، فإنني أُقدم هذا الفصل وأنا أعلمُ إنني قدمت "معظم قيم التقدم" ولم أُقدم "كل قيم التقدم" - بمعنى أن ما أُسلط عليه الضوء في هذا الكتاب ليس إيرادًا على سبيلِ الحصرِ لقيمِ التقدم وإنما هي مجرد أمثلة لما أعتقد أنه "من أهم هذه القيم" ... ويبقى من حقِ الآخرين الإضافة والحذف – للقائمة المعروضة في هذا الفصل - فالغرضُ هو الحديث عن "قيم تصنع التقدم" وليس الزعم بحصرِ هذه القيم.

















الفصل الثاني
أهم قيم التقدم


١
الوقت

ما أَكثر الذين يتحدثون في واقعِنا عن الفارقِ بين (قيمةِ الوقتِ) عند أفرادِ المجتمعاتِ الأكثر تقدمًا وبين قيمته ومعناه لدينا. ويتفاوت المعنى المقصود من فردٍ لآخرٍ: فبينما تدل العباراتُ عند البعضِ على نظرةٍ خارجيةٍ (وربما سطحيةٍ) للظاهرة عندما يظنون أن الشعوبَ الأكثر تقدمًا في تعاملها مع الوقت هي مجردُ شعوبٍ منظمة ودقيقة، فإن البعضَ الآخر يملكُ نظرةً أكثرَ عمقًا تدرك أن الأمرَ أكبرُ وأعمقُ وأوسعُ وأخطرُ بكثيرٍ من مجرد فارقٍ بين (شعوبٍ دقيقةٍ في مسألةِ الوقتِ) و(شعوبٍ أقل دقة في التعاملِ مع الوقتِ). فجوهرُ الأمرِ أعمقُ بكثيرٍ من كلماتٍ مثل (الانتظام) و(الدقة) و(الانضباط) فكلُ هذه العباراتِ وعشرات غيرها هي مجرد المظاهر النهائية لاختلافٍ عميقٍ في فهمِ وتقديرِ وتقييمِ (بل وتقديسِ أو عدم تقديسِ) الوقت . ففي المجتمعاتِ الأكثرَ تقدمًا فإن الوقتَ هو الإطارُ الذي من خلالِه تتم الخططُ وتُنفذ وتعد المشروعات وتُحوّل من فكرةٍ إلى واقعٍ؛ فالوقتُ هو إطار كل شئ: إطار كل فكرةٍ… وإطار كل مشروعٍ… وإطار كل خطةٍ… وإطار كل برنامج… وإطار كل إصلاحٍ… بل و إطار كلِ التطوراتِ الاقتصاديةِ والعلميةِ والتعليميةِ والثقافيةِ والاجتماعيةِ . وبالتالي فإن من لا يعرف قيمةَ الإطارِ لا يعرف بالضرورةِ قيمةَ أي شئ يمكن أن يحتويه هذا الإطارُ .

ومن أكثرِ الأمورِ غرابةً أن الكثيرين في مجتمعِنا يظنون أن تقديسَ الوقتِ واحترامَه والالتزامَ بالمواعيدِ التزامًا شبه عسكري هو مجرد (طبع) يتسم به البعضُ ولا يتسم به آخرون: وهذه زلةٌ فكريةٌ متكاملةُ الأركان … فتقديسُ الوقتِ والإيمانُ العميقُ بحتميةِ احترامِه واحترامِ المواعيد … ولزومية أن تكون كلُ الأفكارِ والمشروعاتِ والخططِ والبرامج في ظل أُطرٍ زمنيةٍ… وأن عدمَ احترامِ الوقتِ والمواعيد هو شرخٌ في المصداقيةِ والكفاءةِ لا علاقةَ له بالطباع : فالناسُ لا يولدون بطبعٍ يقدس الوقت ويحترمه وينظر للمواعيدِ وكأنها مواقيتٌ سمائيةٌ وآخرون على خلاف ذلك … وإنما نحن بصدد مُناخٍ ثقافيٍّ عامٍ من فرطِ فقرِه في تقديسِ الوقت والمواعيد والأُطر الزمنية أصبح يفرز تلك الفكرة الخاطئة وجوهرها أن الذين يتشددون في المواعيد والوقت هم أصحابُ طبعٍ معين جُبلوا عليه بينما الآخرون مختلفون (وكأننا بصدد مجرد اختلاف وتنوع لا ينُمّان عن رقيٍّ في حالةٍ وتدهورٍ في الأُخرى) .

إن التقدمَ والتحضرَ والتمدنَ مسائلٌ لا تحققها الأموالُ ولا تبلغها الثرواتُ الطبيعيةُ وإنما تحققها منظومةُ القيمِ الذائعة والشائعة في المجتمع من قاعدتِه إلى قمتِه وأهم تلك القيم هي : تقديس الوقت… والإيمان بفعالياتِ العملِ الجماعي … والاهتمام البالغ بالبشر (الموارد البشرية) … والتعليم القائم على الإبداع (وليس التلقين) … وإشاعة روح توخي الكمال والتميّز والسعي الدءوب للإتقان … ورسوخ فكرة عالميةِ المعرفة والعلم في العقول منذ سني التعليم الأولى … وقيام التعليم بخلق شخصياتٍ إنسانيةٍ تنافسيةٍ - فعن طريق توفر هذه المنظومة من القيمِ يتقدم الذين يتقدمون … وعن طريق انتفاءِ هذه القيم (وأَحيانًا وجود نقيضها) يتأخر الذين يتأخرون ثم يغرقون في خداعِ أنفسِهم بأنهم متأخرون إما لأن الظروف غير مواتيةٍ أو لأن الإمكانياتِ ناقصةٌ أو لأن العالمَ الخارجي يتآمر عليهم ولا يريد لهم خيـرًا - وكلها أوهامٌ في روؤس الفاشلين لا أساس لها على الإطلاقِ في الواقعِ ولا مبرر لوجودِها إلاَّ لتعزيةِ الفاشلين عن فشلهم لأن البديلَ (وهو الحق والمنطق والصواب والحكمة) أن يقولوا لأنفسهم إننا متأخرون لأننا متقاعسون ولأننا نفتقر لآلياتِ التقدمِ وكلها آليات توجد داخلِ الإنسان وليس خارجِه.

وهكذا يتضح جليًا أن تقديسَ الوقتِ وتقديرَه واحترامَه وتأسيسَ كل أَنشطةِ الإنسان والمؤسساتِ والمجتمعِ بأسرِه على أساسِ أُطرٍ زمنيةٍ تحترم الوقت كأحترامِ المؤمنين للعقائدِ هو ليس مجرد (صفة من صفات البعض) أو (طبع لدى البعض) أو (إحدى السجايا أو حتى المزايا الشخصية) وإنما هي علامة فارقة بين منظومتين من القيم: منظومة قديمة تنتمي إما للثقافةِ الزراعيةِ في شكلهِا البدائي أو للثقافةِ البدويةِ وأنها واحدةٌ من معالمِ مُنَاخٍ ثقافيٍّ عامٍ وليست مجرد طبع أو خصلة أو سجية. إن الدارسَ لتطورِ القيم يعرف أن الوقتَ لم يصبح تلك القيمة العليا المحورية والعلامة الفارقة بين المتأخرين والمتقدمين إلاَّ منذ زمن الثورةِ الصناعيةِ : فالثورةُ الصناعيةُ هي التي فرضت ذلك الاهتمام المتصاعد بالوقتِ ودقته وقيمته وحتميةِ الالتزام به حتى وصلنا إلى نموذج فريد يتمثل في القطاراتِ السويسرية التي تبدأ وتنهي رحلاتِها ليس بالساعةِ ولا بالدقيقةِ وإنما بالثانيةِ فيما يمثلُ ترجمةً عليا لقيمِ الصناعةِ ولقيمِ المجتمعاتِ الخدميةِ، ثم هبت رياحُ ثورةِ الاتصالاتِ وحقائق عصر التكنولوجيا فإذا بالتمسكِ بقيمةِ الوقت وتقديسها يبلغُ حدًا يشبه العقيدةَ الدينية في نفوسِ كبارِ المؤمنين.

وكما هي الحال في العديدِ من قيمِ التقدمِ فإن هذه القيم يسهل شيوعها وذيوعها إذا جاءت من الرقائق الاعلى في الهرمَ المجتمعي أي في شكلِ أمثلةٍ وقدوةٍ ممن يُفترض أنهم المثلُ الذي يُحتذى –أما إذا داس هؤلاء الذين يشكلون الرقائق العليا للهرم المجتمعي قيمَ التقدمِ ومن بينها قيمة الوقت فإن انتشارَ هذه القيم في المجتمع يكون ما بين (المستحيل) أو (شبه المستحيل): فليست هناك مقولات أسلم ولا أحكم من الاقوال المأثورة (الناس على دين ملوكهم) و(السمك يفسد من رأسه) و(إذا كان رب البيت على الدف ضاربًا… إلخ) . ومعنى كل ذلك أن الرقائقَ العليا في المجتمع من كبارِ المسؤولين في الإدارات الحكومية وقيادات الحياة الاقتصادية العامة والخاصة والوزراء وشاغلي المواقع المرموقة في المجتمع … إذا لم يكن هؤلاء قدوةً في قيمِ التقدم بوجهٍ عامٍ وفي قيمة تقديس واحترام وإجلال قيمة الوقت وإعطائها كل ما تعنيه من أبعادٍ هامةٍ وخطيرةٍ وذات صلةٍ وثيقةٍ بعمليةِ التقدم - إذا لم يكن الأمرُ كذلك فقل على المجتمعِ السلام - لأن بثَ تلك القيم عن طريق الرقائقِ الأدنى من الهرم المجتمعي مسألةٌ في غايةِ الصعوبةِ إذ أن أفرادَها لا يملكون عضلاتِ فرض نموذجهم ومُكنة أن يكونوا مثلاً يحتذى وقدوةً تُقتفى.

إن كاتبَ هذه السطور بوسعه أن يجزم أنه يستطيع أن يرى أمام ناظريه علاقةً شبه مؤكدة بين تقديسِ الوقتِ واحترامِه والالتزامِ به التزامًا يشبه التزام أشد المتمسكين بقواعدِ الدين والإيمان بأن التأخرَ في المواعيد والإخلال بالالتزامات الموعدية وإنجاز الاعمال خارج الإطارِ الزمني المتفق عليه وبين درجةِ الكفاءةِ - فمن بين عشرات الآلاف من كبارِ الشخصياتِ الاقتصاديةِ والسياسيةِ التي تعاملت معها وأنا في موقع يسمحُ بالتعامل مع زبدةِ المجتمعات، كنت أرى بوضوحٍ كاملٍ أنه لا يمكن وجود شخص لا يقدس الوقت ويتأخر في المواعيد ولا يقدس الالتزام بالأداءِ في الإطار الزمني المتفق عليه إلاَّ وهو في الوقتِ ذاته على غيرِ درجةٍ عاليةٍ من الكفاءة : فكلُ الأكفاء الذين قابلتهم في الحياةِ في عشراتِ المجتمعاتِ كانوا ممن لا يتأخرون ثانيةً واحدةً عن مواعيدِهم ويلتزمون بالوفاءِ بإكمالِ مهامِ عملهم على أعلى درجاتِ الإتقانِ في ظلِ زمن محددٍ وينظرون في نفسِ الوقتِ لمن لا يتسمون بهذه السمة بنظرةٍ يشوبها قدرٌ غير قليل من عدمِ التقديرِ - وكانت طبيعةُ عملي التي تقتضي التعامل مع خلفياتٍ حضاريةٍ وثقافيةٍ متباينةٍ تُظهر لي بوضوحٍ اختلافَ ردودِ الفعلِ حول مسألة الوقت والمواعيد والالتزام بالأُطر الزمنية : فعندما كنت أقومُ بإلغاء تعاقدٍ بمئاتِ الملايين مع شركة لا تفي بتعهداتها في الأُطر الزمنية المُتفقِ عليها في دولةٍ من دولِ العالمِ الثالثِ كان ردُ الفعلِ الغالب هو استهجان قرار من هذا النوع بينما كان نفسُ القرار إذا إتخذ في بيئةٍ غربيةٍ أو في جنوب شرق أسيا يحظى بعظيم الاستحسان بل و الإكبار والإجلال : والفارقُ أن جانبًا كان يرى في القرار ردَ فعلٍ مبالغ فيه تجاه مسألة غير ذاتِ أهمية بينما كان الجانبُ الآخرُ يرى أن القرارَ جاء متفقًا مع قيمِ التقدمِ والتي لا تعرف تجاه الوقت إلاَّ الإجلال والإكبار والتقديس والاحترام بل و تأسيس الحياة كلها على أساسٍ من الأُطر الزمنية التي لا يحق لأحدٍ أن يتجاهلها أو يتجاوزها – بل كانت الأغلبيةُ في معظمِ المجتمعاتِ من دولِ العالمِ الثالثِ تنظر لقرارٍ مثل الذي ضربتُ به مثلاً وكأنه من قبيل الأطوار الغريبة: فلماذا المبالغة في ردِ فعلٍ تجاه شخصٍ تأخر عن موعدِه أو مقاولٍ تجاوز الحدودَ الزمنية المتفق عليها - وهي مجتمعات وصل فيها التدهور القيمّي لحد أن أصبح التأخرُ رمزًا للقيمةِ العالية للشخص، فالأشخاصُ الكبارُ والمهمون وأصحاب القوة والمكانة من حقِهم أن يكونوا متأخرين كيفما بدا لهم وعلى الناسِ أن ينتظروهم (!!)، فهم مهمون وأصحاب مسؤوليات واسعة وعلى الآخرين أن يقبلوا ذلك (!!!) … وفي المقابلِ فقد كنت أرى في المجتمعاتِ الأكثرَ تقدمًا رجالاً يقومون بإدارةِ مشاريع بحجمٍ يفوق مجمل حجم اقتصاد كل الدول العربية ولا يمكن أن يكونوا متأخرين دقيقةً واحدةً عن موعدٍ بل و يفتخرون بأنهم يسبقون المواعيد وأن مؤسساتهم في سباقٍ مع الزمن بهدفِ أن يكونوا في إطار المواعيد المتفق عليها بل يكون هدفهم في كثيرٍ من الأحيان لا أن يقابلوا الحدودَ الزمنية المتفق عليها بل إن يسبقوها. وقد أصبح يقيني راسخًا أن كلَ من لا يعرف كيف يضبط مواعيده ومواعيد عمله ومواعيد تنفيذ مشروعاته إنسان أو شركة أو مؤسسة مدموغة بالفشل الإداري (بل ولدي اعتقاد راسخ أنهم بنفس القدر لا يتقنون كل الأشياء الأخرى التي يقومون بها في الحياةِ) - وأي استثناءٍ من ذلك أو أية محاولةٍ لقبول استثناءات من ذلك هي ضد العلم والتمدن والتحضر وحركة التاريخ في المجتمعات المتقدمة. وهناك فارق كبير بين الالتزامِ بالمواعيد واحترام الوقت بدافع الخوف وهو موجود في بعض الأحيان (في دول العالم الثالث) وبين أن يكون تقديسُ الوقتِ واحترامه والالتزام بالأُطر الزمنية المحددة هو ديدنَ الذين يحترمون أنفسهم وينتمون للعصر ويسايرون قيم التقدم: ففي كل مجتمعاتِ العالم الثالث يذهب النوابُ للمجالسِ النيابيةِ (البرلمانات) متأخرين ويظلون في إجتماعاتهم في حالاتِ فوضى عارمةٍ ما بين متحدثٍ مع زميلٍ وآخر يُجري حوارًا على الهاتف المحمول وثالث يكتب في أوراقٍ ورابع يُجري حوارًا مع أحد المسئولين - ثم نجدهم جميعًا في الجلساتِ التي يحضرها رئيسُ الدولة في كل دولِ العالمِ الثالث : ملتزمين بالحضورِ في الموعدِ .. ملتزمين بآدابِ حضورِ الاجتماعاتِ العامة : وهم هنا لا يفعلون هذا من بابِ تقديسِ الوقتِ واحترامِ المواعيدِ وإجلالِ الأُطر الزمنية وإنما بدافعٍ آخر لا يخفى عن فطنةِ القارئ . وهذا الدافع لا يخلق التقدم المنشود، لأن التقدمَ والتنميةَ يصنعها (المؤمنون) لا (الخائفون).

ومما أساء لقيمةِ الوقت وحُرمتها وأهميتها وكونها واحدةً من أُسسِ الرقي وقيمِ التقدمِ وجود طبقة من الأثرياءِ الجددِ في عددٍ من دولِ العالمِ الثالث كانوا في معظمهم بسطاء التعليمِ والثقافةِ وتكونت ثرواتُهم بفعلِ وفضلِ علاقاتهم السياسية والعامة وليس لكونهم عبقريات إدارية أو اقتصادية أو علمية - ولما شاع نموذجُهم في عددٍ من المجتمعاتِ وصاروا في صدارةِ الواجهة الاجتماعية أصبحوا مصدرًا جديدًا لبثِ القيمِ السلبيةِ ومنها منهجهم في التعامل مع الوقت، فهم أبعد ما يكونون عن فهمِ واحترامِ قيمة الوقت كأساسٍ حضاريٍّ وقيمة من قيم التقدم، إذ أنهم في حد ذاتهم طبقة طفيلية انهمرت عليها الأموالُ دون ثقافةٍ ناهيك عما يعتري مصادر ثرواتهم من شكوكٍ تدعم استحالةِ أن يكونوا قدوة أو نموذج يُحتذى: فكيف يمكن لنا أن نقول للشبابِ في مجتمعِنا أن يحتذوا بقياداتِ الحياةِ الاقتصادية التي نسميها "رجال الاعمال" وهم تجسيد حي لعشراتِ القيمِ السلبية بوجهٍ عامٍ ولقيمة ازدراء الوقت والمواعيد بوجهٍ خاصٍ ! ... إن طبقةَ رجال الاعمال والأثرياء الجدد (معظمهم وليس كلهم) في عددٍ من دول العالم الثالث هم طبقة منقّحة من رجال المافيا - فكيف يتسنى لنا أن ننتظر أن يكونوا قدوةً تُتبع ومثالاً يُحتذى في احترام الوقت أو في أية قيمةٍ إيجابيةٍ أخرى من قيم التقدم . ويحزنني لأبعدِ الحدود أن أكتب بقلمي إنني رأيتُ عن قربٍ عشرات من هؤلاء الذين يسمون بكبار رجال الاعمال فوجدتهم بالمقارنةِ بالشخصيات الاقتصادية العالمية الكبرى التي تعاملتُ معها خلطةً من أربعةِ عناصر: انعدام الموهبةِ الإدارية … وفقرٍ ثقافيٍّ مذهلٍ… وانتهازية سياسية بلا حدود … وبُعدٍ مطلق عن قيم ومبادئ كبار الرجال - ووجدتُ أن معظمهم قد كوّن مؤسساته وأعماله على أرضيةٍ من العلاقات وليس على أساسٍ من الكفاءة والعبقرية الإدارية والاستعمال الاقتصادي النموذجي لتكنولوجيا العصر أو القدرة على إدارة الخدمات - ومرةً أخرى يفرضُ السؤالُ نفسَه: كيف لمثل هؤلاء أن يكونوا قدوةً، إلاَّ إذا كان رؤساءُ المافيا يصلحون لأن يكونوا قدوةً لأجيالٍ جديدةٍ من الشباب ؟!

ولا أجدُ من بين كل ما ذكرت في هذه الجزئية من هذا الفصل ما أرى فائدةَ تكرارِه أكثر من قولي: أنه لا يمكن وجود قائد إداري فعّال ومُنجز وعلى درجة عالية من الكفاءة إذا لم يكن تقديس الوقت مكونًا أساسيًّا من مكوناته ... ولا يعني ذلك أن تقديس الوقت هو العنصر الوحيد للكفاءة ... فللكفاءة عناصر أُخرى عديدة (تقديس الوقت من أهمها) وإن كانت الكفاءة لا تنهض كاملةً بدون باقي العناصر والتي بدونها لا يوجد تقدم .. ولا يوجد كادر بشري من المديرين التنفيذيين القادرين على إنجاز المهمة التي تبدو للبعض مستحيلة بينما أعتقدُ أنا أنها سهلة وميسورة إلى أبعد الحدود، وأعني بلوغ درجة من التقدم الاقتصادي والتعليمي تجعلنا على مقربةٍ من دول جنوب أوروبا وفي نفس الوقت تسيرُ بمحاذاة حياة ثقافية وإعلامية وسلام اجتماعي يكفلون لنا معًا المجتمع الذي ننشده: مصر المزدهرة والمستقرة والآمنة والتي يعودُ فيها المصريون لسجاياهم التي عُرفوا بها عبر التاريخ وكلها سجايا إنسانية نبيلة تقومُ على الخُلق السمح والمودة والترابط واحترام الآخرين والبعد عن بؤرات العنف والتشاحن والصدام اليومي بين الأفراد والطبقات وسائر وحدات وكيانات المجتمع.

************




٢
ثقافة "النظم"
كنتُ أُطالع مؤخرًا مقالاً لأحدِ الكتابِ المعروفين عندما أوقفتني كلماتُه عن سفير مصرَ بواحدةٍ من الدولِ الكبرى، إذ بعد أن كالَ له المديح (وأغلب الظن عن حقٍّ) روى عن لسانِ شخصيةٍ مرموقة قوله في حقِ نفسِ السفير (لو كان الأمر بيدي لأبقيت على هذا الرجل سفيرًا لمصرَ في ... دون اعتبارٍ للقواعدِ التي تطبقها وزارةُ الخارجية، لأنه خسارةٌ أن يترك كلَ هذه العلاقاتِ ويأتي بعده من يبني من جديد)… وإذا كان كاتبُ هذه السطور خلطةً من (رجلِ الإدارةِ) و(رجلِ الثقافةِ) فإن هذه العبارةَ (والتي كثيرًا جدًا ما كررها آخرون في حق آخرين) هي أكثرُ عبارةٍ تستنفر تفكيرَ الرجلين : رجل الإدارة ورجل الثقافة ؛ لا لأنها (خطأ) فربما تكون صحيحةً وسليمةً من زاويةِ الواقع الآني، ولكن لأنها تستدعي موضوعًا من أهمِ وأخطرِ المواضيع المتعلقة بالعقلِ المصري وظروفِ وملابساتِ تكوينه التاريخية والثقافية وتجربته مع الأيام والرجال. إن هذه العبارة (والتي نسمعها من كثيرين عن كثيرين من المتميزين في مواقعهم) تكشف بوضوحٍ تامٍ عن إيماننا المتأصل عبر التاريخ بدورِ الفردِ أكثر من إيمانِنا بفاعليةِ النظام (System) الذي يكون الفردُ مجردَ أداةٍ من أدواته؛ مع بقاءِ الغلبةِ والأهميةِ والفاعليةِ للنظامِ وليس للأفرادِ المتميزين في النظام.

وكإنسانٍ مصريٍّ تكوَّن خلال ربع القرن الأول من حياته في مُناخٍ مصريٍّ صرفٍ فإنني لم أفطن إلاَّ بعد سنواتٍ للفارق الشاسع في هذا المجالِ بيننا وبين مجتمعاتٍ أُخرى لعل أهمها المجتمعات الأوربية الشمالية حيث يوجد النقيض: الاهتمام الشديد بتكوين الفرد تكوينًا ثريًا ومتميزًا مع بقاءِ الغلبة والاهتمام الأكبر والفاعلية الاعظم للنظام (The System) مما يجعل الإنسانَ في هذه المجتمعات يرى تداعياتِ وانعكاساتِ ونتائجَ العبارةِ التي اقتطفتُها من مقالِ أحدِ كبارِ الكتابِ ... (دون أن يكون هدفي أَن أُناقش كاتبَ المقالِ في صحةِ أو عدمِ صحةِ ما كتبه، فالأمرُ يقتصر على أن ما كتبه قد جذبني للكتابةِ عن روحِ الملاحظةِ وليس عن الملاحظةِ في حدِ ذاتِها). ففي مجتمعِنا الذي يربط بين الإنجازِ والكفاءةِ وتحقيق النتائج من جهةٍ وبين (صدفةِ وجودِ شخصٍ ممتازٍ في موقعٍ معينٍ) من جهةٍ أُخرى يكون من العسيرِ على معظمِ الناسِ أن يدركوا النتائج الوخيمة لهذا الواقع: فانتظارُ الصدفة أمرٌ لا يخضع لأيةِ قوانين معروفة وعقلانية ... والإيمان بأن الشخصَ الممتاز يجب أن يبقى في موقعِه لأن التغييرَ سيأتي بمن يبدأ من جديدٍ هو تسليم بالمشكلة أكثر من أن يكون حلاً لها ... وصيغتنا في هذا الأمر هي التفسيرُ الواضح لانقطاعِ تواصلِ البناءِ (والتوجهات والجهود) فـي حيـاتنا ... وصيغتنا في هذا الشأن تعمل ضد الحراك الاجتماعي الذي هو أساس تقدمِ الطبقةِ الوسطى والمجتمعات ... وصيغتُنا في هذا الشأن تحمل في طياتها جذورَ مشكلاتٍ كبرى إذ أننا لا نقبل فقط أن نتحمل الثمن المرتفع للتعامل مع قوانين الصدفةِ وإنما نقبل في نفس الوقت النتائج التي قد تكون "رائعةً" وقد تكون "مروعةً" حسبما تأتي به الصدفةُ ... وصيغتنا في هذا الشأن تتنافى مع حركةِ علومِ الإدارةِ الحديثةِ والتي مع إيمانِها بالقدراتِ الخاصةِ والمواهبِ فإنها تؤمن بشكلٍ أَكبر وأوسع وأعمق بالنظمِ (وليس بالأشخاصِ).

أما أول نتائج هذا الربط بين الإنجاز و"صدفة وجود شخص ممتاز في موقعٍ معينٍ" فهو أننا نقبل إن نترك أعنةَ الحياةِ والمستقبل لقوانين الصدفةَ والتي لا تخضع لقواعدٍ معروفةٍ أو حتى عقلانية. وهكذا، نكون أبعدَ ما يمكن عن أُولئك الذين يساهمون في صنعِ وصياغةِ المستقبلِ وكأنهم تلاميذ الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي كان لا يؤمن بأن هناك شيئًا اسمه المستقبل وأَن المستقبلَ هو ما نصنعه الآن (سلبًا أو إيجابًا أو تقاعسًا) في مطبخِ الزمن الآني. فالمستقبلُ يبدأ من لحظتنا الراهنةِ أو بالتحديد مما نقوم به "الآن" لصياغة "معالم الزمن الآتي". وعليه، فإننا نكون أبعدَ ما يمكن عن التخطيطِ الذي يحاول أن يرسم ملامحَ الغدِ وتفاصيِله، فكيف نفعل ذلك ونحن نترك لقوانين الصدفةِ أن تأتي لنا ببعض المتميزين -أحيانًا- في بعض المواقع. إن هذا القانون هو النقيض الكامل لفكرتي "النظام" (System ) و"التخطيط" (Planning).

كذلك فإن الولعَ بأن يبقى الأشخاصُ المتميزون في مواقعهم لأن عدم بقائهم سيأتي بمن يبدأ من "الصفر" هو سببُ واحدٍ من أكبرِ عيوبنا وهو خواء حياتنا (بدرجةٍ كبيرةٍ وليس بشكلٍ مطلقٍ) من التواصلِ الموضوعي في جهودِ وخطواتِ البناء والتنمية – فالحقيقةُ أن التقدمَ لا يتحقق إلاَّ إذا كنا نملك آلياتِ التواصلِ والاستمرار مع تبدل الأسماء والوجوه . بل إن إيماننا بضرورةِ بقاءِ المتميزين في مواقعِهم حتى لا يبدأ آخرون من الصفر هو اعترافٌ مؤلمٌ بواقع صعوبةِ التواصلِ بين أجيالٍ من الأفراد كما أن هذه السمة من سماتِ تفكيرنا هي مرجع خلو (أو شبه خلو) حياتنا ممن يشغلون مواقعَ عامة بارزة ويمدحون أسلافهم . وذلك نقيض الحال في معظمِ المؤسساتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والثقافيةِ والتعليميةِ والاعلاميةِ في المجتمعاتِ ذات النصيب الوافر من التقدم. كذلك فإن القولَ بأن الخيرَ كل الخير في بقاءِ كل متميّزٍ في موقعِه هو مدخل لعالم يخلو من الحراكِ الاجتماعي والذي هو من أسس التفاعلِ الإيجابي وتقدم المجتمعات ومن لزومياتِ بناءِ طبقةٍ وسطى واسعة وقوية وصلبة تقود المجتمعَ. كذلك، فإن الإيمانَ بالأشخاصِ وليس بالنظام يجعلنا عرضةً لأمرٍ في غايةِ الخطورةِ : فبينما تقود "ثقافةُ النظامِ" لاستئصالِ أو استبعادِ العناصرِ الهدامةِ التي قد تصل لمواقعٍ متميزة فإن "ثقافةَ الأشخاصِ" قد تأتي بالمتميزين كما أنها قد تأتي بالذين تأتي كبارُ المشكلاتِ والأخطارِ والمضارِ مع مجيئهم ولا تكون هناك آليات فعّالة لاستبعادهم في الوقت المناسب (الوقت هنا عنصر أساسي للفاعلية).

ويُضاف لكل ذلك أن صيغتنا في الإفتتان بثقافةِ الأشخاصِ لا بثقافةِ النظامِ تحمل في طياتها تنافرًا وتناقضًا كاملين مع معظمٍ معطياتِ علومِ الإدارةِ الحديثةِ التي تحاول أن تأخذ من الأشخاص أعظم مزاياهم مع بقاء الغلبة لأُطر النظام وآلياته وتقنياته: فالنظام في هذه الثقافات هو أساس التقدم والنجاح وليس بعض الأفراد (وإن عظمت مواهبهم) في بعضِ المواقعِ .


٢.1
نحن إذًا أمام ثقافتين متباينتين إلى حدٍ بعيدٍ: "ثقافة الأشخاص" والتي يسهل التعرف على ملامحها في واقعنِا وتاريخنا منذ عشرات القرون ... و"ثقافة النظم" (Culture of Systems) وهي الثقافة التي نمت وتعاظمت أُسسُها ومعالمُها في دولِ الحضارةِ الغربيةِ ثم انتقلت إلى العديدِ من المجتمعاتِ الأخرى التي لا تنتمي للحضارةِ الغربية مثل المجتمع الياباني والعديد من مجتمعاتِ جنوبِ شرق آسيا بل عددٍ من مجتمعاتِ أمريكا الوسطى وأمريكا اللاتينية. ومن غيرِ المفيدِ الحديث عن "الأفضل" و "الأسوأ" والانطلاق من زوايا اتهامية، فالذي حدث لدينا وأنتج "ثقافة الأشخاص" ضفيرةٌ من الظروفِ التاريخيةِ والثقافيةِ ما كان لها أن تنتج غير ما أنتجت . والهدف من هذا الحديث كله أن نتساءل : هل يمكن لمجتمعات "ثقافة الأشخاص" أن تتحول تدريجيًا لمجتمعاتِ نظـامٍ أو نـظمٍ؟ والإجـابـة : نـعم … بل : قطعًا نعم… فقد حدث ذلك في أكثرِ من حالةٍ… وكانت آلياتُ حدوثِ ذلك آلياتٍ تعمل على إحداث تحول على المدى القصير وتمثلت في كلمةٍ واحدةٍ هي "القدوة" التي حاولت (ونجحت) في تحقيق قدرٍ غيرِ قليلٍ من فرضِ ثقافةِ النظامِ، وأَما الإنجاز الأكبر فمرهونٌ بآليةٍ أخرى هي نظام التعليم الذي يضع نصب عينيه أنه وحده القادر على إنجازِ التحولِ الأكبرِ في هذا المجال عندما تُصمم برامج التعليم وهي تهدف لخفضِ الأبعادِ الشخصانيةِ في التفكيرِ وتعظيمِ الأبعادِ الموضوعيةِ التي هي أساس أي نظامٍ أو أيِّ نظمٍ .

٢.2
وعندما يحدث ذلك فإن بقاءَ بعض المتميزين في مواقعهم لا يتحول إلى "شبه معركة حربية" يمارسون من خلالها معركةَ :أن يكونوا أو لا يكونوا"، ولا يكون من أكبر مشاغلِ الكثير من المسئولين القضاء على من يصلحون للحلول محلهم وتبوؤ مواقعهم؛ ولا تكون العلاقة بين (الخلف) و (السلف) على ما هي عليه في واقعنا : مترعة بالبغض والمشاحنة وعامرة بالنقدِ الذي يصل إلى عرضٍ مستمرٍ للمثالبِ (الخلف يعرض مثالب السلف والسلف يتندر بمثالب الخلف) بل نصل إلى "مُناخٍ ثقافيٍّ عامٍ" يبحث فيه كلُ مسئولٍ عمن يصلح للحلول – ذات يوم- محله … فتدور عجلةُ الحراكِ الاجتماعي ويحدث ما يسميه البعضُ بدوران النخبِ وهي أمور تكون في حالة كمونٍ إستاتيكي كلي في ظلِ "ثقافةِ الأشخاص" … حيث تضمر فكرةُ التغييرِ وتصبح عند البعض مرادفًا للتدمير!

************

٣
الإتقان
تحولت فكرةُ الإتقانِ إلى علمٍ قائمٍ بذاته هو (علم إدارة الجودة ) والذي انضم خلال العقودِ الأربعةِ الأخيرةِ لمنظومةِ العلومِ الاجتماعيةِ بل أصبحت هناك معاهدُ لا تقوم بتدريس إلاَّ علم الجودة (Quality Management/ QM). ورغم أن هناك أدبيات كثيرة في علم الجودة أشهرها كتابات البروفيسور Deming الذي جرى العرف على اعتباره أب أو أحد آباء "علم إدارة الجودة" إلاَّ إنني لا أُريدُ هنا أن أدخل في تفصيلاتِ وتفريعاتِ علمِ إدارةِ الجودةِ والمواضيع الأساسية لهذا العلم وهي الجودة أو الإتقان في مرحلة التخطيط ثم الجودة أو الإتقان في مرحلة التنفيذ ثم المراجعة بعين تنظر للجودة والإتقان، ولكنني أُريد أن أقول إن تواجدَ وتطبيقاتِ علومِ إدارةِ الجودةِ وتفشي ثقافة الإتقان ما هي إلاَّ إنعكاس لحقيقة أكبر وهي وجود حراك إجتماعي فعّال في المجتمع. فالإتقانُ ملمحٌ من ملامحِ المتميزين ... والمتميزون هم الذين يفرزون مكوناتِ ثقافةِ الإتقانِ ومفرداتِ علومِ إدارةِ الجودةِ ... وإذا لم يكن المجتمعُ يسمح بحراكٍ إجتماعي يبرز المتميزين من أبناءِ وبناتِ المجتمع فإن ثقافةَ الإتقانِ لا توجد وتحل محلها ثقافةُ العشوائيةِ وتعم في المجتمع كلُ بدائلِ صور ومشاهد الإتقان.

وكما ذكرت في فصلٍ من فصول كتابي "التحول المصيري" (1991) فإن الحراك الاجتماعي الحر وتفاعلاته هما اللذان يجعلان أصحاب القدرات الاعلى من أبناءِ وبناتِ أي مجتمعٍ يشغلون المواقع القيادية في كل مجالاتِ الحياة في المجتمع وهو ما يفرز هرمًا إجتماعيًا صحيحًا وسليمًا قد يطلق البعضُ عليه أنه الهرم الذي أنتجته الداروينية الاجتماعية بينما يغضب البعضُ (ولاسيما إذا كان هؤلاء ينتمون لعلماءِ الاجتماع الإشتراكيين) ويفضلون أن نقول (ولا مانع لدينا) إن هذا الهرم لا يبنى بالداروينية الاجتماعية وإنما يبنى بالحراكِ الاجتماعي الحر والفعال والذي يتيح الفرصة لكل متميّزٍ ومتميّزةٍ من أبناءِ وبنات المجتمع لتقدم الصفوف والمشاركة بفاعليةٍ في صنعِ الواقعِ والمستقبلِ، وهذه هي الخلفية الوحيدة التي تسمح بذيوعِ ثقافةِ الإتقان.

وعلى النقيض فإن المجتمعاتِ التي لا تسمح تركيبتُها بالحراكِ الاجتماعي الحر تفتح المجال على مصراعِيه أمام غير المتميزين وغير الموهوبين وأصحاب القاماتِ المتوسطة لكي يحتلوا مواقعَ عديدة على رؤوس الكثير من المؤسساتِ والتنظيماتِ والهيئاتِ في المجتمع وهو ما يوجه ضربةً قاضيةً لثقافةِ الإتقانِ ويشيع مناخًا ثقافيًا مختلفًا تمامًا أُسميه بثقافةِ القاماتِ المتوسطةِ وفيه يختفي الإتقانُ وتشن الحروب بلا هوادةٍ على المتميزين والمتميزات من أبناء وبنات المجتمع لأن أصحابَ القاماتِ المتوسطة هم المصدر الأول لهذا المناخ العام : فبدونه تتبدل قواعدُ اللعبة ويهبطون من مواقعِهم العالية إلى مواقعٍ أدنى تتناسب مع قدراتهم ومحدوديةِ مواهبهم.

وموضوعُ الثقافة التي ينشرها "متوسطو القامة" بل المناخ العام الذي يخلقونه هو موضوع يستحق الكثيرَ من العناية من المفكرين والدارسين : لأن المثقفَ المستنير بوسعه أن يتصور كلَّ ملامح الحياةِ والمجتمعِ والعلاقاتِ التي تنشأ عن سيادةِ وشيوعِ "متوسطي القامة" وما يخلقونه من آلياتٍ لبقائهم وبقاء نوعياتهم في مواقعٍ مؤثرةٍ وكذلك الدمار الذي يحدثونه في "القيم" و "المثل" و"الأخلاق العامة" وكذلك انعكاسات شيوعهم على الحياةِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والثقافيةِ والتعليميةِ والاعلاميةِ، وما يجرون المجتمعَ إليه من "انخفاضٍ مروعٍ" في "كلِ المستوياتِ".

ومن النقاط التي يجدر توضيحها عند الحديث عن "الإتقانِ" و"إدارةِ الجودةِ" أن الإتقان ليس أمرًا مرتبطًا بالتقدمِ التكنولوجي وإنما هو فكرةٌ في رؤوسِ بعض الناسِ. ويذكر كاتبُ هذه السطور أنه عندما كان يحاضر ذات يومٍ بمعهد جوران (Juran) لإدارةِ الجودةِ بالولايات المتحدة الأمريكية أنه أسهب في شرح فكرته أن "الإتقانَ" فكرةٌ في رؤوس المتميزين وليس ثمرة التكنولوجيا (فالتكنولوجيا نفسها ثمرة أُخرى من ثمارِ تفكير المتميزين) ... أَذكر إنني عندما أسهبت في شرحِ هذه الفكرة وتطرقتُ للحديثِ عن "الإتقان" في مصرَ القديمةِ وكيف أن بناءَ هرمِ خوفو بالذات يُعد مثالاً بلا نظير لكون الإتقان "فكرة في الرؤوس" قبل إن يكون أي شئ آخر، إن عميد المعهد الذي كنت أُحاضرُ به علّق على هذه الجزئية بقوله إنني لست بحاجةٍ لمزيدٍ من الأدلةِ على صحةِ هذا الزعم لأن شعار معهد جوران نفسه ليس إلاَّ عاملاً فرعونيًا ينقش على جدار !! ويعني ذلك أن أكبرَ معهدٍ في العالمِ لعلومِ إدارةِ الجودةِ لم يربط بين الإتقان وبين التقدم التكنولوجي إذ إنه وجد أن العاملَ المصري القديم كان تشخيصًا لفكرةِ الإتقانِ ... وتحفل مصر القديمة بأدلةٍ كثيرةٍ على أن الإتقان "فكرةٌ" قبل إن يكون أي شئٍ آخر: فإذا قمنا بمقارنةٍ بسيطةٍ بين درجات الإتقان في هرمِ الملك خوفو ودرجات الإتقان في الهرمين الذين بناهما والدُ الملك خوفو وهو الملك سنفرو لأدركنا كيف يمكن أن تحدث طفرةٌ هائلةٌ في مستوياتِ ومعدلاتِ الإتقان خلال سنواتٍ قليلةٍ وهو ما لا يمكن أن يكون له تفسير إلاَّ وجود كادرٍ بشريٍّ يجسد بدرجةٍ أعلى دقائق فكرةِ الإتقانِ .

ولا أكاد أتصور وجود خلاف حول ما شهدته حياتُنا المعاصرة من تدهورٍ مذهلٍ في مستوياتِ ودرجاتِ الإتقانِ في مصرَ خلال نصف القرن الأخير وهو أمر لا يفسر إلاَّ بانقلابِ الهرمِ المجتمعي وتلاشي التميّز وما أدى إليه ذلك من شيوع ثقافةِ متوسطي القامة والذين لا يمكن أن يكون الإتقان وشيوع روحه هدفًا لهم إذ إن فاقدَ الشيء لا يُعطيه . إن شيوع قيم وثقافة ومستويات "متوسطى القامة" يجعلنا نكاد نرى كلمات الفقرة الأخيرة من المزمور 12 تتجسد كل لحظة أمام عيوننا :

(الأَشرار يتمشون في كلِ ناحيةٍ عند إرتفاع "الأرذال" بين الناس) .

************

٤
التعددية
إذا كانت "الديمقراطية" هي أعظم إنجازاتِ الجنسِ البشري منذ بدايةِ مسيرةِ تمدنه وحتى هذه اللحظة فإن "التعددية" هي أحدُ منابع الديمقراطية . فلما كان الإنسانُ قد أصبح على يقينٍ من أن "التعددية" في المذاهب والآراءِ ووجهاتِ النظرِ والذوقِ هي من أهم معالم "الإنسانية" فقد كان من الطبيعي أن تقوم النظم السياسية على أساسِ احتواءِ واحترامِ التوجهات المختلفة مع عدم السماح لأيٍّ منها (ولو كان يحظى بأغلبيةٍ قويةٍ أو حتى مطلقةٍ) من استئصال حق الآخرين في الاختلافِ ورؤيةِ الأمورِ بشكلٍ مختلفٍ والاعتقاد في برامج وأفكار ونظم ونظرياتٍ أخرى.

بل إن الإنسانيةَ تحولت مع تطورِ مسيرةِ تمدنها من "التسليم بأن التعددية من معالمِ الإنسانيةِ الأساسيةِ" إلى "الاعتقادِ بأن التعدديةَ من مصادر ثراءِ الإنسانيةِ" .. وأن التعددية هي من أهم منابعِ الإبداعِ والابتكارِ والتجديدِ والتجويدِ .

ورغم ذلك الإيمان بالتعددية على سطح الحياةِ المعاصرةِ فإن الغوص تحت جلدِ معظمِ البشرِ في هذا العصر يثبتُ أننا لا نزال في مرحلةٍ بدائيةٍ للغاية من تمثل قيمةِ الإيمانِ بمعنى ومزايا التعددية – وينطبق ذلك على أكثر المجتمعات تقدمًا (وفي طليعتها المجتمع الأمريكي) كما ينطبق على كثير من الدول الاقل تقدمًا بما في ذلك دول العالم الثالث . فلا يزال هناك زخمٌ من نقص الفهمِ وسوءِ الظنِ المتبادلِ بين الحضاراتِ المختلفةِ يجعل فوائدَ وعوائدَ التعددية أقل بكثيرٍ مما يمكن أن يكون كما يؤدي كل ذلك في غيرِ كثيرٍ من الأحيان إلى محاولةِ البعضِ "تنميط العالم" وهو هدف مستحيل من جهةٍ ويعارض التعددية من جهةٍ أخرى ويبذر بذور الصراعِ والصدامِ الذين يمكن للإنسانية أن تعيش وتنمو وتزدهر بشكلٍ أفضل بدونهما .

ومن الأدلةِ الواضحةِ على التراثِ المهولِ من سوءِ الفهمِ وسوءِ الظنِ والأفكارِ المشوهةِ بشكلٍ متبادلٍ بين الحضاراتِ فكرة الحضارةِ الغربيةِ عن معظم الحضارات الشرقية والتي تقوم في بعضِ الأحيانِ على تصوراتٍ وهميةٍ لا أساس لها من الصحةِ وكذلك فهم أبناء الحضارات القديمة للحضارة الغربية وهو فهم مشوب بتشوهات هائلة ويركز على المثالب ويتجاهل المناقب رغم تمتع معظم البشر في العالم بالعديد من إنجازات الحضارة الغربية .

وإذا كان البعضُ اليوم في الغربِ بوجهٍ عامٍ وفي الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ بوجهٍ خاصٍ يميلُ إلى أن العلاقة بين الحضارات ستكون في المستقبل صراعًا وصدامًا ولا سيما العلاقة بين الحضارة الغربية والإسلام، فإن أدبيات هذا الاتجاه تدلُ على فقرٍ معرفيٍّ مذهلٍ : فكتاب (صدام الحضارات) لصموئيل هنتنجتون وغيره من الكتابات المماثلة لأشخاصٍ مثل بول كنيدي وفوكا ياما هي خلطة من الكتابات الصحفية/ السياسية أكثر من كونها كتابات رصينة تقوم على معرفةٍ واسعةٍ بالحضاراتِ ودون أن تتوفر لدى أصحابها الرؤية التي تسمح لهم بأن يروا آلية صنع سيناريو الحوار وعدم الاقتصار على سيناريو الصدام –ولا يعني ذلك أن سيناريو الصدام مستبعدٌ وإنما يعني أن سيناريو الحوار ممكنٌ إذا كانت الرؤيةُ في هذا الاتجاه وبُذلت الجهود الفكرية والثقافية لتدعيمه .

إن عالمَ اليومِ الذي يرفع شعارات مثل (الديمقراطية) و(حقوق الإنسان) و(الحريات العامة) و(التعددية) ينبغي أن يدرك أن نبلَ هذه القيم لا ينفي أن تعاملَ الإنسانِ معها على أرض الواقع لا يزال في مرحلةٍ أُولى وهو ما يجعل الممارسات العملية تتسمُ أحيانًا بنقيض تلك القيم وينطبق ذلك بوضوحٍ على قيمة التعددية إذ ترفعُ الحضارة الغربية لواءَ قيمةِ التعدديةِ بيدٍ ويرفع بعضُ أبنائها لواءَ تنميطِ العالمِ بيدٍ أخرى، وهي حالة ارتباك تعكسُ كون البشرية في مرحلةٍ أولى من مراحل نمو بعض هذه القيم .

فالتعدديةُ إذا كانت تعني (والأرجح أنها بالفعل كذلك) أن تعددَ المشارب والمذاهب والثقافات والأذواق والآراء وأساليب الحياة هي معلمٌ أساسيٌّ من معالمِ الحياةِ البشريةِ على الأرض بل من مصادر ثراء هذه الحياة فإن النتيجة يجب أن تكون (الخلاف في ظل الوحدة) والخلاف هنا ينطبق على ما ذكرته من مشارب ومذاهب وتوجهات أما الوحدة فتعني (الإنسانية) .. كما أن ذلك لا يمكن إلاَّ وأن يعني توسيع ثقافة احترام الغيرية (Otherness) على أن يحدث ذلك بين كل الأطراف وبشكلٍ متكافئ في وقتٍ واحدٍ - واحترام الغيرية يتناقض بداهةً مع أي محاولة لتنميط العالم . وجديرٌ بالتنويه هنا أن تنميط العالم ليس توجهًا عامًا للحضارة الغربية إذ لا تشارك فيه أوروبا الغربية وإنما هو توجه أمريكي في المقام الأول وليس له من مرجعٍ إلاَّ الفقر الأمريكي المذهل ثقافيًا .

************


٥
نقد الذات
آمنتُ منذ سنواتٍ طويلة وفي مرحلةٍ كان الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط" وأعماله الفكرية العظيمة مركز اهتماماتي الفكرية و لهذا الفيلسوف عبارة الشهيرة : (إن النقدَ هو أهمُ أداةِ بناءٍ طوّرها العقلُ الإنساني) . إن هذه العبارة هي من أحجارِ الزاويةِ لنجاح وازدهار أي مناخٍ تعليميٍّ وثقافيٍّ . ويقابل عبارة كانط في أدبياتنا الشرقية مقولة عمر بن الخطاب (رحم اللهُ من أهدى إلينا عيوبنا) بمعنى أنه يطلب الجزاء الطيب من الله لمن يفتح عيونَنا على عيوبنِا ووسيلة ذلك (النقد).

بعد أن ترسخ في تفكيري أن الجو الثقافي العام الذي يحفل بالعقل الناقد هو الجو الثقافي الذي يسمح بالتطورِ والتقدمِ والازدهارِ - بعد أن ترسّخ ذلك الاعتقاد في بنية تفكيري - جاءت تجربةُ عشرين سنةٍ من العملِ بمؤسسةٍ اقتصاديةٍ من أكبر عشر مؤسسات في العالم لتحول هذا "الاعتقاد الفكري" لواقعٍ معاش في كل لحظةٍ . فهذه المؤسسة التي تشبه كبريات المؤسسات الاقتصادية العالمية ولا سيما التي يرجع تاريخها لأكثر من قرنٍ، هي مؤسسات لها ثقافتها الداخلية الخاصة . وقد أذهلني في كل يومٍ من أيام السنوات العشرين المذكورة أن أرى في كل لحظةٍ ومناقشةٍ واجتماعٍ وحلقةِ عملٍ تشخيصًا كاملاً لأن (النقد هو أحد أكبر أدوات البناء) : فنقد الأفكار .. ونقد الخطط .. ونقد البرامج .. ونقد المشروعات قبل وأثناء وبعد تنفيذها هي عمليات لا تتوقف من أَجل (تقليل السلبيات) و(تعظيم الإيجابيات) . والتناول النقدي لكل شئٍّ ليس حقًا من حقوق "الكبار" أو "الرؤساء" فقط وإنما هو حق لكلِ ذي عقلٍ، فمن مجموع العقول الناقدة يتشكل النجاحُ والتميّزُ .

ولا شك عندي أن "النقدَ" الذي هو بمثابةِ آلةٍ لا تتوقف عن البحثِ عن السلبياتِ وتقليلها ورصد الإيجابيات وتعظيمها يحتاج لمُناخٍ عامٍ يُعلّم أبناءَ وبناتِ المجتمع "النقد الموضوعي" أي الذي يهدف للتجويدِ المستمرِ وهو يختلف في روحِه ونسيجه ومنطلقاته وأهدافه عن النقد في بعض الثقافات التي تغلب عليها "الشخصانيةُ" وتقل فيها "الموضوعيةُ"، إذ يكون "النقد" في هذه البيئات أداة هجوم وانتقام وانتقاص وتجريح. والمعوّل هنا على المناخ الثقافي والتعليمي العام وكيفية تقديمه للنقد - منذ الصغر - كأداةٍ عقليةٍ موضوعيةٍ تهدف لمصلحةٍ عامةٍ لا لمصلحةٍ شخصيةٍ .

وغيرُ مستغربٍ أن يكون المُناخ الثقافي العام الذي رسّخ قبولَ واحترام "التعددية" أكثر استعدادًا لإفراز النقد الموضوعي كأداةِ تعاملٍ عقليٍّ مع كلِ الأشياءِ على خلاف "مجتمعاتِ الرأيِ الواحدِ" و"النموذج الواحد للحق والصواب" فإنها غالبًا ما تفتقر لروح النقد البناءةِ والمتسمةِ بالموضوعيةِ أي توجيه النقد "للمواضيع" وليس "للأشخاص" .. وبهدف "التجويد" لا "كسب الحروب الشخصية بين الأفراد" . كذلك ليس بمستغرب أن تكون البيئاتُ الثقافية التي سميتها في فصلٍ سابقٍ بثقافاتِ النظمِ (لا الأشخاص) أكثر قابلية أيضًا لإفراز عملياتِ نقدٍ موضوعيةٍ تهدف للتحسينِ والتجويدِ .

وليس بجديدٍ أن أقول إن هناك علاقة وثيقة بين "ثقافاتِ النقدِ البناء" و"ثقافةِ الحراك الاجتماعي" : ففي المجتمعاتِ التي ينشط فيها هذا الحراكُ وينشط فيها تبادلُ المواقع بوجهٍ عامٍ وبين النخبِ بوجهٍ خاصٍ توجد مساحة أفسح لبذرِ ثقافةِ النقدِ البناء على خلاف المجتمعات المغلقة حيث يصعب على الإنسان أن يفرق بين "الموضوعي" و"الذاتي" لأنه مشغولٌ بالذاتي انشغالاً يدخل تحت باب "أكون-أو-لا-أكون"؛ وهو ما يجعل الموضوعية في النقدِ كالحلمِ المستحيلِ .

كذلك فإنني أربطُ بشدةٍ بين "قيم المتوسطين" والتي أشرت إليها من قبل فيما كتبته عن "الإتقان" وبين صعوبةِ انتشارِ ثقافةِ النقدِ البناء : فالمتوسطون لا يستطيعون البقاء في ظلِ مناخٍ عامٍ يقوم على النقدِ البناءِ، لأن اكتشاف حقيقة قدراتهم ومُكنهم ومواهبهم ستكون أول نتائج شيوع ثقافة النقد البناء - حيث ستعم معايير لا يقبلونها في التقييم .

وخلاصةُ القول هنا أن "النقدَ البناء" وإشاعة مناخ ثقافي عام يرحب بالنقد ويشجع عليه ويرسّخ (من خلال القدوةِ والتعليمِ) الدورَ الفعّال للعقليةِ الناقدةِ وما يعود على المجتمع ككلٍ من عظيمِ الفوائدِ من وجودها هو من أهم قيم التقدم – وككل قيم التقدم فإن ذيوعها يكون دائمًا في حاجهٍ ماسةٍ للقدوةِ والمثل (في البداية) ولبرامجٍ تعليميةٍ تغرسها في العقول (لعموم ذيوعها مكانيًا وزمانيًا) .

************

٦
عالمية المعرفة
(اطلبـوا العلـم ولو في الصـين)

حتى بالنسبة للذين يرفضون بعض جوانب ظاهرة العولمة فإن واقعَ الحياةِ في عالمنا المعاصر يؤكد أن العلم بكل معانيه ليست له حدود. فانفتاح القنوات بين كل الجهات المتصلة بالعلم والبحث العلمي أصبح حقيقةً لا يمكن أن تنكر وإذا كنا نتكلم عن العلم بمعنى العلوم التطبيقية فلا يكاد يوجد معارضٌ واحدٌ للقول بعالمية المعرفة إزاء البحث العلمي في كل دوائر العلوم التطبيقية وفي مجالاتِ تطبيقاتها (التكنولوجيا). وكان العاملُ الأكثر حسمًا في الوصول بعالمية المعرفة في مجالات البحث العلمي في العلوم التطبيقية لهذه الدرجة الرحبة تلك الصلة الوثيقة في المجتمعات المتقدمة بين البحث العلمي والحياة بوجهٍ عامٍ والحياة الاقتصادية بوجهٍ خاصٍ وهو ما جعل دائرة "البحث والتنمية" Research and Development تتسع حتى تصبح أوسع من دائرة البحث العلمي Scientific Research بمعناه القديم والذي يكون فيه البحث العلمي منبتَّ الصلةِ بشكلٍ ما بالتوظيفات الحياتية للعلم وهي الغاية الرئيسة لما يعرف الآن بالبحث والتنمية (R&D) . فنظرًا لأن المجتمعات المتقدمة قد أخرجت (بدرجةٍ كبيرةٍ) من خلف الجدران المغلق للجامعات ومراكز البحث وجعلت العديد من مجالاته تدور وجودًا وعدمًا مع التوظيف الحياتي/الاقتصادي/ الاجتماعي للعلم فقد أصبحت عالمية المعرفة في دنيا العلوم التطبيقية هي الحقيقة الكبرى . وهكذا أصبحنا نجد أن ميزانيات البحث العلمي المندرج تحت تسمية Research and Development) “R&D” ) من جهة تفوق ميزانيات البحث العلمي المجرد بكثير ومن جهة ثانية فإنها تنفق ليس عن طريق الدول وإنما المؤسسات الاقتصادية. وهكذا أصبح كل من يعمل في أي مجالٍ من مجالاتِ الصناعة أو التجارة أو الخدمات يبحث عن احدث تكنولوجيا العصر لتوظيفها في عملية تطوير وتوسيع أنشطته وتعظيم العوائد منها وهو ما يضاعف من اتساع معنى "عالمية المعرفة".

ولعلي لا أكون مبالغًا إذا قلت إن النهضةَ اليابانية في طورِها الذي أعقب هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية كانت من أكبر أصحاب الفضل على مفهومِ عالميةِ المعرفة إذ سعت اليابان إلى العلم والتكنولوجيا في كل موضع في الأرض لتحصل عليه وتهضمه وتوظفه بأشكالٍ مذهلةٍ - وهو ما كان عصب التقدمِ الياباني في السنوات التي تلت 1945. وفي مجالِ العلوم الاجتماعية فإن الأمرَ يبدو مختلفًا بعض الشيء إذ تدخل الاعتبارات الحضارية والثقافية في النظرة للعلوم الاجتماعية - ورغم صحة ذلك بشكلٍ نسبي إلاَّ أن دوائرَ جديدةً نمت داخل عوالم العلوم الاجتماعية حققت ما حققته العلوم التطبيقية في عالمية المعرفة: فعلومُ الإدارةِ الحديثةِ وعلوُم الموارد البشرية والتسويق والكثير من الأفكار الاقتصادية تمكنت أن تعبر الحدود وتحقق لهذه الفروع من العلوم الاجتماعية قدرًا هائلاً من "عالمية المعرفة" نظرًا لاتسامها بقدر كبير من عدم الصبغة الثقافية "Culture Free" ولعظيم مردوداتها الحياتية - ولا ينفي ذلك أن بعض فروع العلوم الاجتماعية قد ظلت "بين بين" لشدة اتصالها بالأبعاد الثقافية والحضارية وإن كان ذلك لا ينفي أن تغلغلاً غير يسير للبعد العالمي في هذه العلوم قد تحقق. ومقاومة "عالمية المعرفة" قد تبدو للبعض لاسيما في الواقع العربي سمة طبيعية من سمات المجتمعات القديمة - ولكن من الأرجح أنها ليست كذلك: فالصين مجتمع قديم ولكن الواقع يؤكد أن الجاليات الصينية في جنوب شرق آسيا كانت هي طليعة الطفرات التي قامت على قيم من أهمها عالمية المعرفة… واليابان مجتمع قديم ولكنه المجتمع الرائد في عدد من قيم التقدم وفي مقدمتها عالمية المعرفة … وكذلك الهند التي رغم كونها مجتمعًا قديمًا وزاخرًا بالمشكلات الاجتماعية فقد كانت المؤسسات العلمية فيها نموذجًا نادرًا للمؤسسات العلمية التي لم تتدهور في العالم الثالث وكانت جسورُ البحوث العلمية والتكنولوجية ممتدة بينها وبين العالم وهو ما أدى إلى الكثير من الإنجازات لعل أهمها الإنجاز الهندي في صناعة السلاح ثم التألق الهندي الفذ في عالم الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات. وتفسيري الخاص أن المجتمعات العربية بقيت بعيدة إلى حد بعيد عن مزايا عالمية المعرفة بسبب التدهور الكبير في مؤسساتها التعليمية ومراكز البحث العلمي كنتيجة لخضوع هذه المؤسسات والمراكز للحياة السياسية في هذه المجتمعات وهو ما جعل هذه المؤسسات والمراكز منبتة الصلة بحركة العلوم في العالم كما استأصلت روح الإبداع منها وحولتها إلى كيانات راكدة تفرز تعليمًا لا علاقة له بالعصر والحياة ومنبت الصلة بحركة البحث العلمي في كل مجالات العلوم التطبيقية والاجتماعية وكانت الترجمة النهائية لذلك هو الغياب العربي المطلق في دوائر الإنجازات العلمية والبحوث المتألقة في كل مجالات العلوم التطبيقية ودوائر بحوث العلوم الاجتماعية على السواء.

************

٧
التقدم الإداري
كما أن القيم التي حاولت إلقاء بعض الضوء على ما أظنه من أهمها هي من "قيم التقدم" بوجهٍ عامٍ، أي من القيم التي ينبغي أن تغرس في المناخ الثقافي والتعليمي العام حتى تكون البيئة مهيأة لحركة المجتمع إلى التقدم المنشود، فإن ذات القيم الست هي أيضًا من ركائز قيم العمل الحديث أو من قيم التقدم الإداري . وعليه، فإن القيم الخمس التي أُسلط بعض الضوء عليها في هذه الجزئية تحت عنوان "قيم العمل الحديث" يجب أن تسبقها "القيم الست الأخرى" بحيث يكونون معًا "قيم العمل الحديث" الإحدى عشر .

٧.1
عمل الفريق :
خلال سنوات عديدة من العمل في بيئة دولية بكل ما تعنيه الكلمة من معان حيث يعمل معًا آلاف الأشخاص الذين ينتمون لدول عديدة ولثقافات بالغة التباين تكشف أمام عيني بوضوح ضعفنا الشديد (كمصريين) فيما يتعلق بالعمل الجماعي أو عمل الفريق. فبينما تسهل هذه العملية بشكل هائل عند معظم الأفراد القادمين من آسيا (ولاسيما من خلفية يابانية أو صينية) وبينما يسهل ذلك أيضًا على شعوبٍ أخرى كالأوروبيين وغيرهم، فإن تجربة العمل اليومي لسنواتٍ عديدة في هذه البيئة متعددة الجنسيات كانت تجسد أمام ناظري الصعوبة البالغة لدى معظم المصريين للانخراط في عمل جماعي وكأعضاءٍ في فريق عمل. فمنذ اللحظات الأولى، تظهر على السطح "صدامات الأنا" بشكل بارز للغاية ...كما تظهر على السطح رغبة كل فرد في أن يتأكد من أنه في حالات النجاح سيكون صاحب هذا النجاح أما في حالات الفشل فإن غيره سيتحمل التبعة!.. كذلك كانت الأمور تدل بوضوحٍ على أن أحدًا لا يقبل إن يكون عمله (أو تكون مساهمته) مجرد أمر مكمل لأداء الآخرين. وفي مئات الحالات، كانت الأمور تصل إلى حالة من التأزم يطلب فيها البعضُ إما خروجهم من الفريق أو خروج شخص أو أشخاص آخرين وإلاَّ !! فإن الفشل النهائي مؤكدٌ (!!). وكان عدم حدوث ذلك من أفراد ينتمون لخلفيات أخري مثل البريطانيين والآسيويين والألمان وغيرهم عاملاً يزيد من ظهور ملامح الصورة : وهي صعوبة انخراط معظم المصريين في عمل جماعي وصعوبة أن يقبل أحدُ أن "الشكر" على الإنجاز (في حالة النجاح) سيكون من نصيب (فريق عمل) وليس (شخصًا محددًا)! (هو المتحدث في كل حالة).

ولما كانت علومُ الإدارةِ الحديثةِ تقوم على مجموعةٍ أساسيةٍ من الركائز من أهمها (العمل الجماعي) أو (عمل الفريق) ... فإن تطبيق تقنيات علوم الإدارة الحديثة على أعدادٍ كبيرةٍ من المصريين يبقى أمرًا صعبًا باستثناءِ حالات وجودهم بالخارج إذ لا يكون أمامهم إلا (الاستسلام المطلق) لمفردات نظم العمل في تلك البيئات الخارجية وإلاَّ لفقدوا عملهم على الفور. وفي هذه الحالات، فإن بعضهم ينجح ويتألق وتعاوده "جرثومةُ الفردية" التي عرفها لمدد طويلة... فينسب نجاحه لنفسه فقط، متناسيًا أنه لم ينجح بتلك الكيفية إلا في تلك "البيئات الصحية" التي فرضت عليه قيم العمل الحديث وتمكنت من استخراج أفضل ما فيه من مكنٍ وقدرات. ولا تزال كلمة أستاذ يعمل في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا ترن في أذني عندما قال لي (في أواخر 1999): (إن أحمد زويل بكل المعايير عقل علمي فذ، ولكن على كل إنسان أن يتذكّر أن هناك 17 إنسانًا في نفس المعهد الذي فيه أحمد زويل قد حصلوا على جائزة نوبل في مجالات علمية - وهو ما يعني أن "معجزة النظام" لا تماثل فقط بل تتفوق على "معجزة الفرد" - وان كانتا مطلوبتين في نفس الوقت وإلاَّ ما تحققت النتيجة). كذلك فإن أحمد زويل نفسه لم يكف عن الحديث عن "فريق العمل" الذي بدونه ما كان له أن يبلغ ما بلغ، كما أنه كان يضيف دائمًا (وهو رأي بالغ القيمة) إن "بيئة العمل والبحث العلمي في معهده" هي صاحبة فضل لا ينكر وراء حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء سنة 1999. ولكننا أبناء (ثقافة الأشخاص) لذلك فإننا ننسى كل جوانب القصة ونركز على "الفرد" لأننا منذ أكثر من خمسين قرنًا نفهم (ونقدس) الفراعين في كل مجال ولا نولي أي اهتمامٍ بالنظمِ التي هي المنتج الأول للنجاح والتقدم والانجازات العظمى ولا توجد آليات لعلاج هذا العيب الكبير في مكوناتنا إلا ما ذكرته في أكثر من فصل من فصول كتبي: "القدوة" (كأداة تطوير على المدى القصير) و "التعليم العصري" (كأداة تطوير على المدى المتوسط والطويل).

أما "القدوة" فهي ليست مجرد كلمة عامة مُبهمة ومجردة وإنما هي ترجمة كلية لمديرٍ عصريٍّ تكّون وفق معطيات وثقافة علوم الإدارة الحديثة والتي تجعل كل رئيسِ عملٍ في موقعه مسئولاً عن إدارة العمل بشكلٍ "يجمّع" العاملين في مجموعات أو فرق عمل تربط بينها روابط التآلف والتكامل في مقابل رؤساء عملٍ آخرين يعملون على تعظيمِ الفردية والتشرذم وخلق ولاءات فردية مباشرة بين كل إنسان في التنظيم ورئيس العمل . إن المدير العصري الذي تكّون وتدّرب وفق روح وثقافة ومعطيات وتقنيات علوم الإدارة الحديثة تكون من أهم مهامه خلق هذه الروح أي روح الفريق بينما ينخرط معظم رؤساء العمل لدينا في خلق روحٍ مغايرة يكون العاملون فيها جزرًا مستقلة ومنعزلة عن بعضهم ويكون اتصالهم الوحيد برئيس العمل فيما يمثل له بصفةٍ شخصيةٍ مصدرَ قوة وعزوة ويُعظم من مكانته الخاصة على حسابِ إهدارٍ كلي لروح العمل الجماعي وثقافة الفريق .

وتستمد هذه الثقافة السلبية منابعها من فقر وضعف التعليم الإداري الحديث لدينا وكون معظم القيادات (مجرد رؤساء في العمل) وليسوا (مديرين تنفيذيين عصريين)، كما تستمد وقودها من ثقافةِ القريةِ المصرية حيث كان "العمدةُ" لعقودٍ طويلةٍ يعمل بنفس الطريقة وهي إيجاد قنوات اتصال بين الآخرين وبينه فقط مع اعتبار أي نمط آخر بمثابة مخالفة للولاء اللازم وإضعاف لهيمنته الوحيدة . إن علوم الإدارة الحديثة قد وصلت في المجتمعات الأكثر تقدمًا إلى اكتشاف و تكوين (مدير تنفيذي عصري) يصعب على كثير من الناس في واقعنا أن يتفهموا ما الذي يقومُ به إذ إنه في الحقيقة لا يبدو على السطح وكأنه يقوم بالكثير من الاعمال وإن كان بمثابة المايسترو لفريقٍ تتوافر فيه صفتان هامتان : الكفاءة العالية لكل فرد على حدة .. والعمل المشترك كفريقٍ واحد .

وكاتب هذه السطور و بحكم كونه أحد أولئك المديرين التنفيذيين الذين قيضت لهم فرصة العمل والتدريب و التكوين في قلب مؤسسة من تلك المؤسسات التي أعاود الإشارة إليها، كان (و لسنوات عديدة) مسئولاً عن أعمال ومشروعات بمليارات الدولارات وكان وقتي أبعد ما يكون عن الازدحام بالمواعيد والاجتماعات وكان مكتبي خاليًا من الأوراق رغم مسئوليتي عن حجم أعمالٍ يومي بأكثر من مائة مليون دولار بينما كنت أرقبُ مسئولين في مواقع أخرى يديرون أعمالاً ومشروعات بكم لا يبلغ واحد في المائة من هذا الحجم والقيمة وكنت أجدهم غارقين في الاجتماعات والأوراق والملفات وكنت ولا أزال أقول إنهم منشغلون بالقيام بأعمال غيرهم .. وأنهم مع نسفهم لثقافة العمل الجماعي والفريق من جهة وعدم إيمانهم بالتفويض من جهة ثانية قد أصبح من المُحتم أن يجلسوا ثلاثة أرباع النهار كل يوم وسط جبالٍ من الملفات والأوراق .. ومع ذلك فإن نتائجهم النهائية هي في بعض الأحوال "متواضعة" وفي معظمها "مخجلة" .

إن زرعَ وبثَ ونشرَ روح وثقافة العمل الجماعي وأسلوب عمل الفريق يبدأ من تكوين كادرٍ بشريٍّ من المديرين التنفيذيين العصريين الذين يفهمون فكرةَ (الرئيس في العمل) حسب مفهومها العصري الحديث وليس حسب مفهومها الفرعوني أو مفهوم القرون الوسطي حيث يكون الرئيس في العمل هو (كل شئ) ويكون مساعدوه ومساعدو مساعديه (محض لا شئ) . وبدون هذه الثورة الإدارية في هذا المجال فإن كل محاولات تطوير بيئة العمل لدينا في اتجاه العمل الجماعي وروح الفريق سوف تفشل لأن الذين على رؤوس التنظيمات الإدارية لا يريدون لها إلاَّ أن تفشل لتبقى الحبال (كل الحبال) في أيديهم ويكونوا هم فقط (آباء النجاح) أما الباقون فمجرد تروسٍ صغيرةٍ معاونةٍ .

وكما أن القدوة عن طريق كادرٍ بشريٍّ متميّزٍ من المديرين التنفيذيين العصريين هو أمرٌ لازمٌ فإن ثورة تعليمية تبثُّ في الأجيال الجديدة تقديس العمل الجماعي وتؤسس المسألة التعليمية برمتها على أسلوب فرق العمل هو الأمر اللازم الثاني لانتقالنا من ثقافة العمل الفرعوني الفردي إلى دنيا العملِ الحديثةِ القائمةِ على عملِ الفريق وتعظيمِ الفوائدِ من تفاعلِ العقولِ والخبراتِ والقدراتِ .

منذ أكثر من عقدين من الزمان ذهبتُ لأولِ مرة لدراسة أحدث تقنيات علوم الإدارة الحديثة بأكبر معهد متخصص (The International Management Institute of Geneva University) في هذا المجال في أُوروبا ومن اليوم الأول انتابتني فكرةُ أن هذا المكان لا يمكن أن يكون ممتازًا كما يُشاع عنه لأنه كان على نقيض طرق وأساليب التعليم التي عشت معها في مرحلتي الشهادة الجامعية الأولى والماجستير في واحدةٍ من الجامعاتِ المصرية : فقد كنتُ أنا الآتي من بيئة الدراسة الأكاديمية المصرية أتوقع أن يكون الاستاذ (جهة إرسال) .. وأن يكون الدارسون (جهة استقبال) لاسيما وأن مصاريف هذا البرنامج الدراسي كانت بمئات الآلاف من الدولارات. إلاَّ إنني وجدت النقيض من اللحظة الأولى: فلم يكن الأساتذة (مرسلين) .. ولم يكن الدارسون (مستقبلين) .. وإنما كانت كل جلسات الدراسة تبدأ بتسليط الضوء على مجموعة من المفاهيم والمواضيع والإشكاليات ثم يتم تقسيم الدارسين إلى مجموعات عملٍ تذهب كل مجموعة منها إلى غرفة مستقلة ويكون أمامها قدر من الوقت لدراسة الإشكاليات المطروحة واستعمال المكتبة وتكوين ورقة تمثل مجموعة الدارسين معًا يشتركون على قدم المساواة في إعدادها ثم يختارون أحدهم لتقديمها وعرضها نيابةً عنهم.

وكان انطباعي الأول مزيجًا من الدهشة : فكيف تُنفق مئات الألوف من الدولارات على تعليم بسيط وهزلي مثل هذا ‍‍‍‍‍‍!! .. إلاَّ أن الأسابيع والشهور التالية جعلتني أرى أن هذا الأسلوب في التعليم هو الذي يُفرز النماذج البشرية التي تقود العالم في كل المجالات لأنه الأسلوب الذي يُفرز (المبدعين) و(المؤمنين) و(المتعاونين) على نقيض الأسلوب الذي يُفرز ا|لإنسان الذي يُجيد التلقي والتبعية ويكبت في نفسه قدرات الخلق والإبداع كما يحفز في شخصه عوامل الفردية الهدامة لكي يكون الفائز بتقديرات النجاح بينما يترك عار التأخر لزملائه . هذه البيئة العلمية هي التي تُفرز أفضل عناصر البيئة العملية .. فما العمل إلاَّ إستمرار لمراحل التعليم الأولى : إذ أن وحدات العمل هي الجهة التي تتلقى المنتج النهائي للمؤسسة التعليمية (الإنسان) بعد أن تمت صياغته وتشكيله إما بشكل إيجابي أو بشكل سلبي .

وهكذا يتضح أن العمل الجماعي أو عمل الفريق هو ظاهرةٌ ترتبط بنسيج ثقافةِ المجتمع من جهةٍ (فقد لاحظ علماءُ الإدارةِ الحديثة بوجهٍ عامٍ وعلماء إدارة الجودة بوجهٍ خاصٍ أن الشعوب الصينية واليابانية لديها إستعداد كبير جدًا للعمل الجماعي - ولكنها صفة مُكتسبة (من تراكمات بناء الثقافة العامة لمجتمعاتهم) وليست صفة طبيعية . كذلك يمكن النظر للعمل الجماعي أو عمل الفريق من وجهة نظر أساليب الإدارة المُتبعة في المؤسسات الحكومية والمؤسسات الاقتصادية أيٍّ كانت طبيعتها . وثالثًا فإن هناك زاوية أخرى لتناول موضوع العمل الجماعي أو عمل الفريق وهو فلسفة التعليم وتقنياتها . ومن ناحية رابعة فإن "القدوة" التي تمثلها القيادات التنفيذية في المجتمع هي عامل حاسم من عوامل بقاء الأمور على ما هي عليه أو تطورها تجاه ثقافة العمل الجماعي .. وخامسًا وأخيرًا فإن هناك صلة بين موضوع العمل الجماعي ودرجة نمو الديمقراطية في المجتمع، فكلما زاد الهامش الديمقراطي كان بوسع الذين يريدون تأصيل العمل الجماعي كمعلم من معالم المجتمع أن يحققوا ذلك لأن المجتمعات غير الديمقراطية تكون مجالات العمل فيها مغلقة من أعلى بمعنى أن الحركة في كل التنظيمات من أسفل إلى أعلى إما أن تكون بطيئة أو شبه معدومة وهو ما يفرضُ مُناخًا معارضًا للمناخ الأمثل للعمل الجماعي – وهكذا نكون أمام حالة جديدة من المشكلات التي ليس لها سبب واحد وليس لها علاج واحد وكأننا بذلك نردد مع الفيلسوف الأمريكي/ الألماني هيربرت ماركوز ما كتبه وأعلنه مرارًا منذ ثلاثين سنة عندما قال : أن نظرية السبب الواحد قد سقطت نهائيًا في مجالات الفكر الإنساني برمتها .


٧.2
الاهتمام الفائق بالموارد البشرية :
إذا كانت "الإدارة" هي عصب النجاح في كل مؤسسات المجتمعات المتقدمة، فإن "التوظيف الأمثل للبشر" هو الأَداة التي تكون وراء "نجاح" أو "فشل" الإدارة. وقد تشعبت "علوم الموارد البشرية" وصارت تغطي مواضيع عديدة مثل (اختيار العاملين) و(التدريب) و(تقييم الأداء) و(الموارد البشرية والتنظيم) و(اكتشاف القدرات القيادية) وعشرات المجالات الفرعية لواحدٍ من أهم مجالات الإدارة الحديثة وهو مجال الموارد البشرية.

وتقوم علوم الموارد البشرية الحديثة على ركائز أساسية مثل الإيمان بأن كل إنسان في العالم توجد مسافة واسعة بين "أدائه الآني" و"قدراته غير المكتشفة"، وأن من أهم مهام الإدارة اكتشاف تلك "المسافة" والعمل على تنميتها عن طريق المواءمة بين الإنسان وأنسب المجالات له من جهةٍ وعن طريق التدريب المستمر من جهةٍ أخرى.

كذلك تقوم علومُ الموارد البشرية الحديثة على الاعتقاد بأَن أي فردٍ من الناس هو في النهاية واحد من أفراد مجموعة من مجموعتين أساسيتين هما "مجموعة المتخصصين" (The Specialists) و"مجموعة العموميين" (The Generalists) – مع التسليم بأهمية كل منهما وضرورة تواجد أفراد ينتمون للمجموعتين لوجود تنظيماتٍ ناجحةٍ ومزدهرةٍ وفعّالةٍ ومتطورةٍ.

كذلك تقوم علوُم الموارد البشرية الحديثة على الاعتقاد بأن هناك تفرقة أساسية بين "القدرة" (Potential) و "الأداء" (Performance) – وبينما يمكن الرقي بمستويات ومعدلات "الأداء"، فإن أقصى ما يمكن عمله مع "القدرة" هو اكتشاف وجودها أو عدم وجودها. ويكون من أهم مهام الإدارة العليا في المؤسسات العصرية اكتشاف أصحاب القدرات العالية في زمن مبكر لتوجيههم للمناصب القيادية وإعداد برامج التدريب المطلوبة لصقل إمكاناتهم وإضفاء ثراء الحرفية (Professionalism) عليها .

ومن مجالات علوم الموارد البشرية المهمة موضوع التحفيز أو التحميس (Motivation) بجوانبه المادية والأدبية المختلفة.

ويختلف دور "الرئيس" أو "القائد في العمل" في المؤسسات الحديثة عن دوره في البيروقراطيات التقليدية – ففي هذه الأخيرة يقوم الرئيس في العمل بتركيز أكبر قدر من السلطة المركزية في يده ويقوم عبر السنين بتحويل العاملين معه إلى جيش من "الأتباع" (Followers) بينما يكون دوره في المؤسسات التي تعمل بتقنيات علوم الإدارة الحديثة قائمًا على التفويض والقيام بأقل قدر من العمل المباشر والتركيز على التفكير الاستراتيجي وكذلك العمل بأسلوب "المايسترو" أكثر من أسلوب "القائد العسكري".

وإذا كانت البيروقراطيات التقليدية تخلق أتباعًا (Followers) فان الإدارة الحديثة تهدف لخلق كيان من الموارد البشرية ويكون أفراده بمثابة "مؤمنين حقيقيين" (Believers) برسالة وأهداف مؤسستهم كما أن كل منهم يتولد لديه شعور بأن عمله ليس مجرد أداء واجب وإنما هو "أمر يملكه" ويملك آفاق نجاحه عندما ينجح، ويسمى هذا الشعور بملكية الإنسان للعائد الأدبي لنجاحه في العمل في مصطلحات علوم الإدارة الحديثة (Ownership) وغير خاف أنها "استعارة مكنية" ذات دلالة واضحة للغاية.

وباختصار شديد، فان "الإدارة الحديثة" لا تنظر للموارد البشرية كآلات وإنما تنظر إليهم بصفتهم "العامل الأكبر" للنجاح أو الفشل وأنهم كما يصنعون النجاح ( أو نقيضه) فإن من حقهم التمتع بمزايا وصيت هذا النجاح. وعن طريق هذه النظرة للبشر، لا يكون هناك اعتقاد أن للتقدم والنجاح والازدهار سبلاً آخرى أهم من "البشر". فالمجتمع الفقير المتخلف يكون كذلك لأنه لم يخلق مناخًا مثاليًا لأبنائه - للعمل والعطاء، والعكس صحيح تمامًا. فليس ثراء الأمم منوط بثروات طبيعية وأموال مكدسة من الماضي – وإنما ثراء الأمم بثراء مواردها البشرية، وثراء الموارد البشرية "عملية" تتم بالتخطيط والتنفيذ الدقيق لنظم تكتشف أفضل ما في الناس من قدراتٍ وتطورهم وترتقي بمكنهم وتعمل على تحفيزهم.


٧.3
التفويض :
تحاول كل قيم علوم الإدارة الحديثة أن توظف الإنسان (كل إنسان) بأفضل شكل متصور لذلك فإنها توجه اهتمامًا كبيرًا للتدريب ومحاولة اكتشاف القدرات الكامنة في كل إنسان والتحفيز (Motivation) وذلك إيمانًا منها بأن الثراء الحقيقي هو في جعل كل إنسان قادرًا على إخراج أفضل ما لديه من قدرات ومواهب وكذلك إيمانًا بأن تلاقح الأفكار هو أمر بالغ الإثراء للعمل والحياة وكل ذلك يهدمه بالكلية النموذج المركزي في الإدارة والذي عاشت معه عقودًا طويلة مؤسسات العمل في كثير من المجتمعات ويميل البعض لأن تكون هذه المؤسسات قد استوردته بشكل ما من المؤسسات العسكرية . لذلك أصبح التفويض (Delegation) هو عصب من أهم أعصاب الإدارة العصرية الناجحة، فالتفويض هو الذي يعكس كل القيم التي ذكرتها آنفًا والتي تؤدي إلى تحول مجموعات العمل من جيوش من الأتباع (Followers) إلى فرقٍ من المؤمنين (Believers) - والإبداع يكون مع الثقافةِ الثانية ويتعذر مع الأولى.

وفي النظمِ الإداريةِ الحديثةِ حيث يقوم رؤساءُ العمل بتفويض سلطاتهم للآخرين يختلف دور رئيس العمل كليةً إذ يصبح بمثابة"مايسترو" لا "عازف على كل الآلات" . ويصل التفويض في المؤسسات العصرية إلى درجةٍ يبدو معها رئيس العمل وكأن لا عمل له، وهو استنتاج خاطئ لأن له عملاً هامًا هو قيادة التفكير الاستراتيجي وليس القيام بأعمالٍ يستطيع الآخرون القيام بها وفي أغلبِ الأحوالِ بشكلٍ أفضل.

ولا أعتقد إنني أبالغ إذا قلت إننا إذا افترضنا توفر كل قيم الإدارة الحديثة دون التفويض فإن المعبد سينهار لا محالة إذ أن التفويض هو الذي يترجم معظم قيم الإدارة الحديثة.

ولكن الواقع يؤكد أيضًا أن التفويض صنو التدريبِ : فتفويضٌ بدون تدريب لا مآل له إلاَّ الإخفاق.


٧.4

جلوس علم التسويق على مقعد القيادة :
تختلف الدول التي أحرزت تقدمًا هائلاً في المجال الاقتصادي (عن طريق إنتاج "مُنتجٍ" أو تقديم "خدمةٍ" .. ثم في مراحل تالية عن طريق "تكنولوجيا المعلومات") عن الدول التي أنفقت المليارات على "ترسانات صناعية" لم يكن لها من مآل إلاَّ الفشل في أن الأولى كانت تمارس أنشطتها وعقلها مركز على نهاية العملية أي "التسويق" أَما الآخرون الذين أخفقوا فقد كانوا يمارسون أنشطتهم وهم مشغولون ومنشغلون ببداية العملية أي "الانتاج" . ويمكن تلخيص الفارق بين اقتصاديات دول ما كان يعرف بأوروبا الشرقية (قبل سقوط الكتلة الشرقية في أواخر ثمانينات القرن الماضي) ودول أوروبا الغربية (وكذلك اليابان ودول جنوب شرق آسيا) في كون الأولى "مُسيّرة إنتاجيًا" (Production Driven) بينما كانت الثانية "مُسيّرة تسويقيًا" (Marketing Driven) ولا يشك أي عالم من علماءِ الإدارة الحديثة في أن مآل كل الذين يُسّيرون إنتاجيًا (لا تسويقيًا) هو الفشل والإفلاس وأن مآل الذين يسّيرون تسويقيًا هو النجاح والنمو والتوسع .

وإذا كانت "الإدارةُ" هي سر نجاح (أو فشل) المجتمعات بوجهٍ عامٍ والاقتصاد بوجهٍ خاصٍ فإن "التسويق" هو "مخُ الإدارة" بمعنى أن الإدارة الناجحة هي التي تكون من الناحية الاستراتيجية ومن ناحيةِ القدراتِ والمُكنِ "مُسيّرة تسويقيًا" .

وتستلزم هذه القيمة من قيم التقدم الإداري توفر زميلات لها من نفس مجموعة القيم فالتسويق الناجح مهمة مستحيلة لمن يكونون محليون وغير منفتحين على العالم ولا يحوّلون قيمة أُخرى من قيم التقدم هي الإيمان بعالمية المعرفةِ إلى واقعٍ يعيشونه، فكيف ينجح في التسويق على نطاقٍ واسعٍ من لا يعرف الكثير عن الآخرين : عن منافسيه وعن أسواق الدنيا ومتطلبات تلك الأسواق وعلاقة ذلك بثقافات هؤلاء الآخرين الذين نذهب إليهم بمنتجاتنا أو خدماتنا ؟ .. وكيف يكون عندنا نموذج واحد لكل شئٍ من الأشياءِ (وهذا نقيض التعددية") وننجح في التسويق الذي يقوم على الهدف الأسمى لعلم إدارة الجودة وهو (التلاقي مع توقعات ورغبات متلقي المنتج أو الخدمة) ؟


٧.5

الإيمان المطلق بفاعلية الإدارة :
ما أكثر العبارات الصحيحة التي يكررها الناسُ دون أن يكونوا مدركين للمعنى والجوهر الحقيقيين لما يرددونه . ومن أشهر هذه العبارات في واقعنا أن مشكلةَ المشكلاتِ في حياتنا هي "الإدارة ". فرغم أن ذلك صحيحٌ بنسبةِ مائة في المائة إلا أن أبسطَ حوارٍ تفصيلي مع معظم مرددي هذه العبارة يوضح أن العبارة السليمة تعني في تفاصيلها أشياء أخرى عند مردديها .

والحقيقة أن العبارة كما أسلفت صائبةٌ تمامًا : فمشكلةُ المشكلاتِ في حياتنا بوجهٍ عام وفي حياتنا الاقتصادية بوجه خاص أن أساليبَ وتقنياتِ علومِ الإدارةِ الحديثةِ وعلومِ التسويقِ العصريةِ غائبةٌ بشكلٍ كبيرٍ: غائبة في الإدارات الحكومية …وغائبةٌ في القطاع العام … وغائبةٌ في القطاع الخاص … وغائبةٌ في كل المجالاتِ الخدمية .

ولا شك عندي أن دولَ الكتلة الشرقية بقيادةِ الإتحاد السوفييتي ومن ورائه فيلق أتباعه قد انهار في أواخرِ ثمانينات القرن العشرين بسببٍ محددٍ هو غياب الإدارة الفعّالة في كلِ مرافقِ العالم الإشتراكي وبالتحديد في المؤسساتِ الاقتصاديةِ التي أدى غيابُ الإدارة الفعّالة فيها إلى حالةِ إفلاسٍ أخذت المعبد بكل أركانه وعواميده وسقطت سقوطًا مدويًا في مستهل العقد الأخير من القرن العشرين.

وفي المقابل فإن العالمَ الغربي المتقدم ومعه تجارب آسيا المتألقة قد بلغت ما بلغت من آفاقِ التقدم والازدهار الاقتصادي وما نتج عن ذلك من وجودِ طبقةٍ وسطى قوية وراسخة - لا شك أن مرجع ذلك إنما هو في المقام الأول لتوفر نظم إدارة وتسويق عصرية فعالة قادرة على خلقِ النجاح والثروة . و من الجدير بالذكر هنا أن الإدارةَ العصرية الفعّالة ليست فقط قادرة على تحقيق التقدم والازدهار الإقتصاديين وما ينتج عنهما من نتائج إجتماعية إيجابية وإنما هي أيضًا قادرة على التعامل مع الأزمات والكبوات، فبالإدارة فقط تجاوزت دول جنوب شرق آسيا كبوتها الاقتصادية في فترةٍ زمنيةٍ قياسية ومن قبلها تجاوزت المكسيك أزمتها في وقتٍ كان البعضُ لدينا يردد آيات التفاخر بأننا نسير بخطواتٍ محسوبة على خلاف المكسيك ودول جنوب شرق آسيا - وقد أثبتت تجربة المكسيك ودول جنوب شرق آسيا أن الذي سار في طريقٍ معينةٍ بمنهج علمي واضح يستطيع إن تعرض للأزمات أن يعود ليسير في نفسِ الطريق لأنه وإن كان قد عاد للوراء بعضَ الشيء إلا أنه لم يفقد المنهج.

ولكن ما معنى النجاح ؟

لابد ابتداءً من لفت الانتباه إلى أن اللغة العربية تترجم مصطلحين إنجليزيين هما (Management) و (Administration) بكلمةٍ واحـدةٍ هـي (الإدارة). من هنا ينبع سـوءُ الفهم. فبينما تعني كلمـة (Administration) مجموعة القواعد التي تحكم سير العمل مثل لوائح ومواعيد العمل ودرجة الانتظام وغيره من سيل الخدمات الإدارية التي تحيط بالعمل فإن كلمة (Management) تعني شيئًا مختلفًا كليةً إذ أن معناها الحقيقي هو تحقيق النتائج المرجوة والتي هي بالتحديد في شكل عائدٍ اقتصاديٍّ محددٍ مع عملية نمو موازية عن طريق أدوات علوم التسويق العصرية .

وبالتالي فإننا إذا نظرنا إلى كلِ المؤسساتِ الاقتصاديةِ التي أنشئت في دول التخطيط المركزي (الاقتصاد الموجه) وأثار إعجابنا حجم المنشآت والآلات والمعدات وعدد العاملين كنا كمن ينظر إلى المسألةِ في أفضلِ الأحوالِ من زاوية الـ (Administration) لأن كل ذلك لا معنى له من منظورِ علومِ الإدارةِ الحديثة (Management) ما لم نسمع معلومة محددة وهي أن تلك المنشآت والمعدات والآلات تحقق سنويًا عائدًا لا يقل عن عوائدِ المصارف على الإيداعات .

ومن المهم للغاية أن نعرف أن أي مشروعٍ لا يحقق عائدًا على الاستثمار يفوق عوائد إيداعات المصارف سوف يصل حتمًا إلى مرحلة الإفلاس ويصبح عاجزًا عن أداء مهمته الاقتصادية ومهامه الأخرى وفي مقدمتها القدرة على التشغيل وخلق فرص عمل جديدة.

وإذا كان البعضُ يفتخر بحجم المنشآت الاقتصادية التي تمت في ظروفٍ معينةٍ ولم تتمكن (بسبب غياب الإدارة الفعّالة) من تحقيق عوائد اقتصادية تفوق عوائد إيداعات المصارف فإننا نقول له إن موقفك هذا غريبٌ وعجيبٌ لأنك تفتخر بالإنفاق وكان الأجدر بك ان تفتخر بالنتائج والعوائد والتي كانت في معظمِ الأحوالِ متواضعةً بشكلٍ كبيرٍ هو الذي أدى لفشل التجربة برمتها.

وبدهي أن المجتمعاتِ التي تخلط بين مفهوم الإدارة بمعناه هذا الذي وضحناه وبين الضبط والربط والانتظام هي في حاجة لأن تعلم أن الضبط والربط والانتظام رغم أهميتهم لا يخلقوا ثروةً اقتصاديةً إذ أن السبيلَ الوحيد لخلقِ الثروةِ الاقتصادية هو العمل وفق أساليب وتقنيات علوم الإدارة والتسويق الحديثة.

إن المدير العصري مثله مثل الطبيب والمهندس والمعماري إنسانٌ يتكون وفق معطيات الاستعداد الشخصي مع زخم من التعلم والتدريب وبذلك فإن مجردَ الترقية لوظيفةٍ عليا لا يعني أننا بصدد مديرٍ تنفيذي عصريٍّ قادرٍ على قيادةِ العملِ والتخطيطِ لتحقيق الأهداف المنشودة على مستوى الربحيةِ والنمو مع ما يوازي ذلك من اهتمامٍ فائقٍ بتنميةِ أهم عناصر النجاح وأعني الموارد البشرية.

ومن الملاحظ أن غيابَ الإدارة العصرية الفعالة في واقعنا لا يقتصر على الإداراتِ الحكوميةِ التي تسوم المواطنين شتى صنوف العذاب عند تعاملهم معها وإنما تغيب الإدارةُ الفعّالة أيضًا عن الوحدات الاقتصادية المسماة بالقطاع العام والأفدح أنها تغيب بنفس القدر عن الدكاكين الاقتصادية التي يسميها البعض بالقطاع الخاص بينما هي أبعد ما تكون عن روح ونظم وآليات المؤسسات الاقتصادية الخاصة التي تعمل وفق آليات علوم الإدارة والموارد البشرية والتسويق الحديثة (فمعلومٌ لكلِ خبراءِ الإدارةِ العصريةِ والموارد البشرية وتقنيات التسويق الحديثة أن السواد الاعظم من المؤسساتِ الاقتصادية الخاصة في مصر اليوم تعتمد اعتمادًا شبهَ كلي على العلاقات العامة وليس على الإدارة بمعناها العلمي الحديث – فهذه المؤسسات وجدت أن المناخ العام المحيط بها يعملُ بآليات العلاقات العامة فوفرت على نفسها مشقة الطريق الصعبة والمتمثلة في بناءِ تنظيمٍ مؤسسيٍ عصريٍ يضم عناصر بشرية قادرة وفعّالـة - فهذه الطريق الصعبة هي من جهةٍ مكلفة ومن جهةٍ أخرى لا تستطيع العقول البسيطة استيعاب جدواها لا سيما في ظل الأضواء الباهرة لثقافة العلاقات العامة في مجتمعٍ يقدسُ ما تعكسه تلك العلاقات العامة من معاني القوةِ وأبهةِ السلطة وأبهةِ القرب من السلطة.

وما لم نخلق المناخ العام الذي يسمح بنهضةٍ إداريةٍ عصريةٍ في الإداراتِ الحكوميةِ ووحداتِ القطاع العام والمؤسسات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية الخاصة فسوف يبقى انتظارُنا طويلاً لمجيء الاستثمارات العالمية المباشرة والتي يصعب تصور وجودها بدون مناخٍ عامٍ يسمح لها بالعمل وفق آليات وتقنيات علوم الإدارة والموارد البشرية والتسويق الحديثة وليس وفق معطيات كانت هي السبب الأول والأخير وراء الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في واقعنا والتي لم نبدأ في التعامل الجاد معها إلا منذ سنوات قليلة ولكنه تعامل لا يزال يحتاج لمزيدٍ من الجرأة في استئصال جذور العديد من المشكلات والتي تجعل من توفر الإدارة العصرية في سائر جوانب حياتنا أمرًا صعبًا إن لم يكن مستحيلاً.

وهكذا يتضح أن ترديد مقولة (إن المشكلة هي الإدارة) إنما هو مثال واضح لعبارة صحيحة لا تنطلق بالضرورة من فهم سليم لمعانيها ومراميها.



الفصل الثالث
المنبع و الهوية


إن نظرةً فاحصةً للنماذج التي عرضتها من قبل في هذا الكتاب لقيم التقدم كفيلةٌ بأن توضح أنه وإن إختلفت ملامح الحضارات الإنسانية (القديمة منها والحديثة) فإن القيم التي أشرت إليها تنتمي للإنسانية أو لمسيرةِ تمدنِ الإنسان على الأرض أكثر من انتمائها لأية حضارةٍ معينةٍ. فالإنسانُ بجانبِ مسيرات الحضارات له مسيرة تقدم أعلى من تفاصيل الحضارات وهذه المسيرة هي التي شكّلت قيم التقدم وجعلتها أكبر من أن تكون "وليدة حضارة معينة". وبدون الإيمان بأن (الإنسانية) أعلى وأسمى من (أية حضارة) فإننا نكون من جهة مخطئين ومن جهة سائرين على دربِ التعصبِ والعرقيةِ. فمما لا شك فيه أن في كل حضارةٍ إنسانيةٍ تراكماتٍ جاءت من حضاراتٍ أخرى إما معاصرة أو سابقة. وإذا كان بغيرِ وسعِ أحدٍ أن ينفي ذلك "المحصول التراكمي" في مجالات مثل "الرياضيات" وعددٍ آخر من فروع العلوم التطبيقية فعلى أي أساس يمكن رصد هذا المحصول التراكمي على مستوى العقل الإنساني الذي هو مخزن القيم؟ فإذا كنا نسلم بأن في الرياضيات الحديثة أشياء جاءت لنا من اليونان القديمة … وإذا كنا نسلم بأن في الموسيقى الحديثة آثارًا من أرسطو …وإذا كنا نسلم بأن عائلةً قانونيةً بأكملها هي العائلة اللاتينية - الجيرمانية قد أقامت نظمها على أساس من مدونة جوستينيان الرومانية … وإذا كان عالمُ مصرياتٍ عظيم مثل جيمس هنري بريستيد يرى وجود صلة لا يمكن إنكارها بين أرقى النظم الأخلاقية المعاصرة ومصر القديمة التي سماها بفجر الضمير : فكيف يمكن ألاَّ يرى الإنسان أنه كما أن الثقافات أدنى من الحضارات فإن الحضارات أدني من الإنسانية ؟

ويمكن لدارس الحضارات القديمة والحديثة أن يرى أنها قامت على أُسسٍ من القيم المشار لبعضها آنفا وإن كان أيضًا بوسعه أن يرى أن هذه القيم كانت عندما تنتقل من حضارةٍ لأخرى تمر بمراحلٍ من التطوير والرقي تكون من جهةٍ بمثابة مساهمة تلك الحضارةِ في الإنسانية كما تكون أيضًا محطاتٍ رئيسة لتطوير تلك القيم لمداراتٍ أعلى وآفاقٍ أرحب. ولا يتناقض ذلك مع كون مساهمة بعض الحضارات في رقي بعض هذه القيم أكبر من غيرها: فلا شك أن مساهمة الحضارة الغربية في الارتقاء بقيم العمل هي الأبرز والأوفر نصيبًا لاسيما وأَن الثورة الصناعية وما أعقبها من مراحلِ رقي العمل والانتاج كان هو المناخ الأمثل لتطور ورقي "قيم العمل" - ولكن ذلك لا ينفي أن قيم التقدم بوجه عام وقيم العمل (أو قيم التقدم الإداري بوجهٍ خاص) هي من جهة "إنسانية" ومن جهة أخرى قيمٌ أتيح لها في ظل التطورات الكبيرة للحضارة الغربية أن تشهد من درجات الرقي ما قد يُظهرها وكأنها غربيةٌ رغم أنها إنسانيةٌ في المقامِ الأول .

وليس هناك ما يدل على أن هذه القيم "إنسانيةٌ" قبل إن تكون منتمية لحضارةٍ معينةٍ أكثر من كونها وخلال قرنٍ واحدٍ من الزمان هو القرن الأخير قد انتقلت من مُناخاتٍ غربيةٍ بحتةٍ إلى مناخاتٍ غير غربيةٍ على الإطلاق (مثل اليابان وعشرات الدول في آسيا وأمريكا اللاتينية) واستقرت وترسّخت ونمت وأعطت ثمارًا هائلة لأنها ببساطةٍ شديدة "قيمٌ إنسانيةٌ" وإن كانت في مرحلةٍ معينةٍ قد أخذت دفعةً كبيرةً من الحضارةِ الغربيةِ .






الفصل الرابع
بناء مجتمع قوي

لكل كاتب معنيٍّ بالشأن العام قائمةٌ من الأولوياتِ الرئيسةِ التي تنصب جل كتاباته عليها . والأولوية العليا عندي هي "بناء داخلٍ مصريٍّ قويٍّ" بمعنى بناء مجتمعٍ صحيٍّ توجد فيه طبقةٌ وسطى واسعة وذات استقرار اقتصادي وتعليم عصري ومناخ ثقافي عام يواكب الزمن الآني مع معرفةٍ واعتزازٍ بتاريخنا دون أن يتحول ذلك إلى حالةٍ مرضيةٍ من عشقِ الماضي . وحتى الذين تأتى أولوياتٌ أخرى غير ذلك على قائمة أولوياتهم سواءً كانت هذه الأولويات العليا قومية أو غير ذلك فإنني أقول لهم إنه لا فرصة لأيٍّ منهم لتحقيق وإنجاح أولوياته العليا إلاَّ عن طريق "داخلٍ مصريٍّ قويٍّ مستقرٍ ومزدهرٍ" . فالذين يحلمون بمشروعٍ قوميٍّ عربيٍّ ناجح عليهم أيضًا أن يؤمنوا أن ذلك لا يتحقق إلاَّ بداخلٍ مصري قوي، وأصحاب الحلم بأن تلعب مصرُ دورًا إقليميًا أو عالميًا بارزًا عليهم أيضًا أن يعلموا أن ذلك مستحيلٌ بدون داخلٍ مصري قوي مستقر ومزدهر . إن كل الطموحاتِ المصريةِ بشتى أشكالِها وألوانِها وأيًا كانت درجة الموافقة عليها أو المخالفة لها لا يمكن إلاَّ أن تمر ببوابةٍ حتميةٍ هي بناء داخل مصري قوي .

ورغم إعجاب كاتب هذه السطور الذي لا حد له بشخصية (محمد علي) الذي جرى العرف على أن يسميه الباحثون والدارسون والكتاب "مؤسس مصر الحديثة" فإن المؤكد أن انشغال محمد علي في مرحلة ما بأشياءَ خارج مشروعه الأول وهو بناء داخلٍ مصريٍّ قويٍّ قد أدى إلى نكسةٍ كبرى استمرت حتى مراحلٍ بعيدة في التدهور . فلو أن (محمد علي) قصر جهوده على استكمالِ مشروع بناء الداخل لأصبحت مصرُ مؤهلةً (بدون أنشطة خارجية قبل الأوان) أن تلعب الدورَ المحوري الذي تؤهله لها عواملُ الجغرافيا والتاريخ والثقافة . وبالعكس فإن الإصرار على لعب دور آخر غير بناء داخلٍ قويٍّ قد يؤدي إلى تآكل الجهودِ التي تُبذل في الداخل - وما أكثر ما تكرر ذلك في تاريخِ مصر الحديثة .

إن مشكلةَ المشاكلِ بالنسبة لمصرَ هي أن عواملَ عديدةً تغريها دائمًا بلعب دورٍ خارج الحدود وليست المشكلة في أنها تقوم بلعب هذا الدور، ولكن المشكلة أنها تقوم به قبل استكمال المهمة المقدسة الأولى وهي بناء داخلٍ قوي مستقر ومزدهر، وهذا التعجل هو ما يؤدي حتمًا إلى نتيجتين وخيمتين : الأولى هي فشل جزء كبير من المهمات الخارجية .. وثانيًا تأخر كبير في عمليات بناء الداخل .

وديدن كاتب هذه السطور هو أن أهم المهمات وأقوى الرسائل يتمثلا في تركيز كل الجهود لبناء داخل قوي وعصري وناجح وفعّال ومزدهر ومستقر وفي صلحٍ مع الماضي والحاضر في آنٍ واحدٍ : ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا بحملةٍ تتضافر فيها الجهودُ من أجل بناء الداخل عن طريق غرس ونشر وإذاعة وإشاعة قيم التقدم على مستوى القدوة والمثل الاعلى للقيادات في كل موقع وبمحاذاة ذلك عن طريق مؤسسة تعليمية تكون رسالتُها الأولى هي زرع قيم التقدم في عقول وضمائر أبناء وبنات مصرَ كما أن هذه المهمة مستحيلة دون إحداث تغيير جذري في الخطاب الديني (إسلاميًّا كان أو مسيحيًّا) لأن الخطابَ الديني مع الاعلام سيبقيا من أهمِ عواملِ صياغةِ الرأي العام في مصرَ .

إن البعض لدينا يحلم بمصر المثالية في صورة مصر ما قبل 1952 .. والبعض يحلم بها في صورة مصر الناصرية .. والبعض يحلم بها في صورة مصر الساداتية .. والمفكر الذي يلجم عواطفه ولا يشغّل إلا عقلاً صافيًا لا يملك إلا أن يقول إننا نريد مما قبل 1952 نوعية الطبقة الوسطى ولكن لا يمكن أن نريد من حقبة ما قبل 1952 ضآلة حجم الطبقة الوسطى وتساع حجم الطبقات الدنيا (وما كانت تعيش فيه من بؤس مهين لنا جميعًا) .. ونريد من مصر الخمسينات والستينات "الحلم الكبير بتوسعة الطبقة الوسطى" على أن تكون طبقة وسطى تقف على دعاماتٍ اقتصاديةٍ وثقافيةٍ رصينةٍ .. ونريد من الحقبة الساداتية تغليب العقل والحوار في بعض الأمور (وأُكرر: في بعض الأمور) .. وأنا أكتب ذلك من منطلق إيمان ثابت بأن الانشغال بإدانة الآخرين "مهمة سلبية للغاية"، فإننا نريد تأثيث صلح بين أصحاب الاتجاهات المختلفة ولا نرى وسيلة لتحقيقه إلا بمشروعٍ متكامل لنشر قيم التقدم، فهذا هو السبيل الوحيد لأن ننظر بموضوعيةٍ لفترة مثل حقبة محمد علي ونرى المزايا والعيوب دون مبالغة .. وكذلك ننظر للحقبات التالية وننظر للمزايا والعيوب دون المبالغة في المزايا ودون المبالغة في العيوب. وسوف لا يمكننا من ذلك إلا جوٌ ثقافيٌّ وتعليميٌّ عام ينجح في غرس قيم التقدم .

إن أكبرَ التحدياتِ التي تواجه مصر الآن تتعلق كلها بالطبقة الوسطى وما حدث وما يحدث لها على مستوى الاقتصاد والتعليم والثقافة حتى إن المفكر يكاد يجزم أنه لا يعرف كيف يُعرّف الطبقة الوسطى اليوم في مصرَ . إن تقدم أي مجتمعٍ من المجتمعات غير مرهونٍ بوجود طبقة عليا على درجةٍ عاليةٍ من الجودة وإنما بنوع وحجم وكيفية مستويات الطبقة الوسطى : وهذا موضوع يتوقف بالكامل على مدى توفر قيم التقدم في الطبقة الوسطى .

وباختصار، فإن حل مشكلات مصر الاقتصادية والاجتماعية هو أمر لا يحققه إلا "مناخٌ عامٌ" مشرب بقيم التقدم - وعندئذ فإن "دور مصر عبر الحدود" يصبح "حتمية لا يقدر أحدٌ على تجاوزها" لأن كل معطيات التاريخ والجغرافيا والثقافة تقول إن مصر هي الدولةُ العربيةُ والشرقُ أوسطية الوحيدة المؤهلة لدور (الدولة الأكبر) ولكنه دورٌ يحتاج - كما ذكرت - لداخلٍ أكثر تقدمًا .




الفصل الخامس
قيمة التعليم

١

لا يرى كثيرون في واقعنا بوضوح الصلة الوثيقة بين (التعليم) و (الإدارة)، رغم أن هذه الصلة واضحةُُ بجلاءٍ تامٍ في المجتمعاتِ التي سبقتنا على دربِ التقدمِ والازدهار والاستقرار. فالإدارةُ هي قاطرةُ قيادةِ العملِ في سائرِ الوحدات الاقتصادية (الانتاجية والخدمية) ووحدات الخدمة الإدارية الحكومية في سائرٍ المرافقِ والمؤسساتِ التي تبقى تحت المظلة الحكومية. وما أريد توضيحه هو أننا لو تصورنا أن حياةَ الإنسانِ تتكون من ثلاثِ مراحلَ زمنيةٍ (شبة متساوية المدد) فإن المرحلةَ الأولى تكون تحت مظلةِ التعليمِ والمرحلة الثانية تكون تحت مظلة الإدارةِ والمرحلة الثالثة تكون مرحلة التقاعد أو العمل الخاص. ولا شك أن المرحلةَ الأولى تسلم "الإنسان" (كمُنْتِجِ – بضم الميم وتسكين النون وكسر التاء وكسر الجيم بالتنوين) للمرحلة الثانية حيث يكون الإنسان هو أساس أي نشاطٍ عمليٍّ (اقتصادي أو حكومي) . ويعني هذا أن المرحلةَ الأولى تقوم بتشكيلِ الإنسانِ لحسابِ المرحلة الثانية. ويعني ذلك أن المرحلةَ الثانيةِ تتسلم الإنسانَ بعد أن يكون قد تم تشكيله وتكوينه خلال المرحلة الأولى بناءً على معطياتٍ كثيرةٍ ومكوناتٍ عديدةٍ وعديدٍ من المفرداتِ . وهكذا تتضح الصلةُ الوثيقةُ بين الإدارةِ (أي قياداتِ العملِ) وبين التعليم، فالإنسانُ الذي يصل لمؤسساتِ العمل خلال النصف الأول من العقد الثاني من عمره يكون مثل بناءٍ قد تشكل بكيفيةٍ معينةٍ خلال عددٍ كبيرٍ من السنواتِ السابقة. فإذا كان ذلك كذلك، فإن التعليمَ تكون له انعكاسات على الإنسان خلال حقبة العمل في حياته لا يمكن إنكارها أو التقليل من أهميتها.

والرسالة هنا أن (التعليم) ما هو إلاَّ أهمُ أداةٍ من أدواتِ تكوينِ الإنسان لخوضِ غمار المراحلِ التاليةِ من عمرِه – وعليه فإن ما يغرز ( ويغرس) في الإنسان من قيمٍ ومهاراتٍ وإمكاناتٍ وقدراتٍ وتوجهاتٍ وطرقٍ للعملِ والتفكيرِ والابتكارِ والخلقِ والتعاونِ خلال المرحلة الأولى هو ما يترجم خلال المرحلة الثانية إما في شكلِ مواطنٍ إيجابيٍّ وخلاقٍ ومُنتجٍ ومُنافسٍ وبناءٍ وفي حالةِ تمثيلٍ واضحةٍ لدرجةِ التحضرِ والتمدنِ والتقدمِ العلمي والتعليمي والثقافي وإما نقيض كل ذلك بدرجاتٍ ونسبٍ مختلفةٍ.

وهكذا يتضح، أن التعليمَ هو حجرُ الزاويةِ في صنعِ وتكوينِ الإنسان أي في صنعِ وتكوينِ مستقبلٍ أي شعبٍ أو مجتمعٍ.
ولا شك أن هناك علاقة رئيسية بين (فلسفة الحياة والمجتمعات) في كل مرحلة من مراحل الزمان و(فلسفة التعليم) إبان تلك المرحلة. فإذا كان غرضُ المجتمعِ في مرحلةٍ معينةٍ يتمثل في تكوينِ موظفين عموميين يصلحون لمتطلباتِ ومواصفاتِ الوظيفةِ العامةِ (كما كان الشأن خلال النصف الأول من القرن العشرين) فإن التعليمَ يهدف لخدمةِ نفسِ الغرضِ. أما إذا كان المجتمعُ يتمحورُ حول العمل الاقتصادي بأشكالِه الحديثة والقائمة على المنافسة والجودة والإتقان وتعظيم القيمة المضافة للعمل (أي للإنسانِ) والتسويق بغير حدود – فإن التعليمَ يكون هو الحضانة التي تُكون إنسانًا يصلح لتلك المعطيات والملامح الجديدة للحياة والتحديات المصاحبة لكل ذلك . ويعني ذلك أن "أغراض التعليم " تصبح هي " أغراض المجتمع" : فإذا كان المجتمعُ يسعى لتعظيم مزاياه وقدراته وإمكاناته في مجالاتٍ محددةٍ، فإن التعليمَ هو الأداةُ الأولى لخدمةِ هذا الغرض أو هذه الأغراض .

وهكذا، فإننا نجد أن مجموعةَ القيمِ الأساسيةِ المطلوبةِ لوجودِ قياداتٍ إداريةٍ تنفيذيةٍ عصريةٍ خلاقةٍ وفعالةٍ في المجتمعاتِ الأكثر تقدمًا هي نفس مجموعة القيم الأساسية التي تشكل فلسفة التعليم بل و التوجهات الاعلامية والثقافية والفكرية والاجتماعية للمجتمع . وهذه القيم الأساسية في المجتمعات الأكثر تقدمًا لا تخرج عن كونها مجموعة لا تزيد عن عشر قيم من أهمها قيمة الوقت وقيمة الجودة وقيمة الإتقان وقيمة العمل الجماعي وقيمة المنافسة وقيمة الإيمان الواسع والعميق بالقدرات التي لا حد لها للإنسان (الموارد البشرية) وقيمة الإيمان بعالمية العلم والمعرفة وعلوم الإدارة الحديثة وعلوم الموارد البشرية وعلوم التسويق . فهذه المجموعة من القيم الأساسية هي التي توجد نظام تعليمي عصري وخلاقّ وفعّال وإيجابي وهي أيضًا نفسها التي تخلق مواطنًا عصريًا إيجابيًا وفاعلاً ومشاركًا في نفسٍ الوقتٍ وهي أيضًا التي تخلق حياة اقتصادية ( إنتاجية وخدمية) بل و حياة عامة ومجتمع تتسم كلُها بنفسِ الصفاتِ .
ويجعلنا هذا نتساءل: هل تعمل برامجنا التعليمية بوضوحٍ وجلاءٍ تامٍ على خدمةِ هذه الأغراض أم أنها لازالت تخدم أهدافًا كانت في الماضي هي أهداف المجتمعات ولكنها لم تعد اليوم كذلك ( على الاقل في المجتمعات الأكثر تقدمًا) ؟ إِن نظرةً متأنيةً لبرامجنا التعليمية سواء قبل الجامعية أو الجامعية أو خلال مراحل الدراسات العليا تظهرُ بجلاءٍ ظاهرتين أو سمتين واضحتين لبرامجنا التعليمية :
فمن جهةٍ أولى فإن هذه البرامج لا تخدم بشكلٍ واضح مجموعة القيم الأساسية التي ذكرت آنفًا أنها أساس التعليم أو التقدم الاقتصادي والتقدم المجتمعي في العصر الحالي وفي المجتمعات الأكثر تقدمًا .
ومن جهة ثانية فإن برامجنا التعليمية ( وهي تنأى بنفسها عن خدمة هذه القيم الأساسية ) تتسم بطابع أُسميه (التعليم الكمي) أي التعليم الذي يظن واضعو فلسفته أن حجم المعلومات وتكديس المعارف وازدحام البرامج التعليمية بعشراتِ المقرراتِ والمواد هو أداةُُ ناجحةُُ لتعليمٍ عصريٍّ ناجحٍ - والحقيقةُ عكس ذلك تمامًا .

فمن المؤكد أن البرامج التعليمية الحالية على كثرة إحتشادها بالموادِ والمقرراتِ واتسامها بالتخمةِ الكميةِ لا تفرز لنا في النهايةِ المواطن المنشود سياسيًا واقتصاديًا وتنافسيًا وثقافيًا. ومن المؤكد أنها تفرز لنا مواطن متسم بالسلبية السياسية وبضعف القدرات اللازمة للعمل العصري في معظم مجالاتِ الانتاج والخدماتِ ناهيك عن إفرازها لمواطنٍ أقل ليبرالية وأقرب لروح التزمت من روحِ قبولِ أقوى ملامح الحياة الإنسانية المعاصرة وأَعني الاختلاف والتعددية .

وقد يعتقد البعضُ أن هناك أدوات عديدة لاصلاح الواقع والمستقبل مثل الأدوات الاقتصادية والاعلامية والسياسية – وأَنا أُوافقُ على جدوى كل هذه الأدوات ولكنني أبقيها تحت مسمى (الأدوات الثانية) حيث يبقى التعليم بمثابة ( الأداة الأولى) لإصلاح الواقع والمستقبل من خلال قدرته على إنتاجِ مواطنٍ يتحلى بصفاتٍ وقدراتٍ تؤهله لتحقيق الغاية المرجوة للمجتمع وهي غاية ذات طبيعة خاصة تتمثل في الازدهار والاستقرار.

٢
تنقسم المؤسسات التعليمية في العالم اليوم إلى مجموعتين . مجموعة أولى تتبع نظم القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين في التعليم (بأشكالٍ ودرجاتٍ ونسبٍ متفاوتة) . وتتسم فلسفة التعليم الخاصة بهذه المجموعة بصفتين أساسيتين : (1) التلقين و(2) اختبارات الذاكرة . أما المجموعة الثانية فهي التي طورَّت نظمًا تعليمية محورها فلسفة مختلفة عن التلقين واختبارات الذاكرة , إذ تقوم على بث مجموعة من القيم مثل الإبداع وحرية البحث والإيمان بتعددية الحياة والمعرفة والإيمان بعالمية العلم والعمل الجماعي والقدرات الخلاقة للموارد البشرية . وتهتم هذه المجموعة بالإبداع عوضًا عن اهتمامها بالتلقين . ورغم أن نظم التعليم في أوروبا قد شهدت انتقالاً لا يُنكر من فلسفة تعليمٍ تشبه فلسفة التعليم التي تتوخى التلقين واختبارات الذاكرة إلى فلسفة تعليم محورها الإبداع , إلا أن دولاً مثل اليابان وعدد من دول شمال أوروبا (أبرزها فنلندا) ودول أخرى مثل سنغافورة قد سبقت الجميع في الانتقال الواسع من فلسفة التعليم المرتبطة بالتلقين واختبارات الذاكرة إلى فلسفة التعليم المعنية بالإبداع وبث قيم التقدم التي أشرت إليها آنفًا ( وقد قامت إسرائيل منذ سنوات بتبني عدد كبير من برامج التعليـم في سنغافورة) .

بينما كان التعليم في الدول المتقدمة خلال عقودٍ عديدة حتى منتصف القرن العشرين لا يفصل بين (العلم للعلم) و(العلم لخدمة الحياة) . فإن هذه المجتمعات المتقدمة أخذت تؤسس لتلك التفرقة وتجلياتها في مجال التعليم التقني البحت حيث أصبحت هناك رؤية واضحة للفارق بين "البحث العلمي" و "التكنولوﭽيا" : فبينما يخدم البحث العلمي الإنسانية على المدى الطويل والبعيد وربما لا تكون له مردودات على المدى القصير والمتوسط , فإن بحوث التكنولوﭽيا تهدف لخدمة الحاضر والمستقبل القريب وللحياة الآنية وخدماتها واحتياجاتها قبل أي غرض أخر .
ورغم أن هذا الملمح يبدو متصلاً بالعلوم التقنية أكثر من اتصاله بالعلوم الاجتماعية والإنسانيات , إلا أن ذلك ليس كذلك بشكلٍ مطلق . فحتى العلوم الاجتماعية والإنسانيات تشربت وتلونت وتأثرت بالانتقال من فلسفة التعليم التي تتوخى التلقين واختبارات الذاكرة إلى فلسفة التعليم التي تتوخى بث قيم الإبداع والتقدم .

ويمكن إجمال أهم قيم الإبداع والتقدم التي تهتم المؤسسات التعليمية المعاصرة في الدول الأكثر تقدمًا في تطوير التعليم مثل (فنلندا والسويد واليابان وسنغافورة في النقاط العشر التالية) :
1- زرع الإيمان بتعددية الإعتقاد والمعرفة والعلم في عقول ونفوس وضمائر أبناء وبنات المجتمع .
2- زرع الإيمان بعالمية الإيمان في عقول ونفوس وضمائر أبناء وبنات المجتمع .
3- زرع قيم السماحة الفكرية والدينية في عقول ونفوس وضمائر أبناء وبنات المجتمع .
4- زرع الرغبة في التعرف على (الآخر) في برامج التعليم .
5- تأسيس مفهوم "إنسانية التقدم والعلم والمعرفة" .
6- تفعيل الإيمان بالموارد البشرية كمصدر الثروة والقيمة الأولى في المجتمع مع ما يحتمه ذلك من النهوض بوضع ومكانة المرأة في أي مجتمع .
7- تأسيس ثقافة "التعايش المشترك" .
8- استئصال ثقافة "الملكية المطلقة للحقيقة" من أذهان وضمائر أبناء وبنات المجتمع.
9- استئصال شأفة التعصب والتذمت من البنية الفكرية لأبناء وبنات المجتمع .
10-إيجاد صلات وثيقة بين التعليم والأنشطة الاقتصادية في كل مجتمع من المجتمعات .

منذ قريب شاركت (بصفةٍ استشارية) في أعمال مجلس تطوير التعليم في إمارة أبوظبي مع عددٍ من أبرز خبراء التعليم الدوليين من أوروبا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية . ورغم أن نتيجة المداولات والمناقشات المُكثفة قد ترجمت في شكل (رؤية) و (مهام) و (إستراتيچية) و (سياسات) للتعليم في أبو ظبي خلال العقود الثلاثة القادمة في أوراقٍ لا يسمح هذا الفصل بإيرادها ولا حتى بتلخيصها , إلا أن جوهر الرسالةِ كان كما يلي :
أولاً : توفر إرادة سياسية لتبني أحدث منظومات التعليم على وجه الأرض .
ثانيًا : الإيمان المترجم إلى واقع وسياسات بأن تعليم الإبداع وقيم التقدم هو البديل الوحيد للتخلف وراء العصر , وبعيدًا بعيدًا عن الصفوف الأولى ومسيرة وركب التقدم الإنساني.
وقد أذهلني في هذه الاجتماعات توفر درجة عالية للغاية لدى الجانب الإماراتي لقبول النقد سواءً كان نقدًا لمنظومة التعليم الحالية أو لأجزاءٍ كبيرة من مكونات المناخ الثقافي السائد وما يعنيه ذلك من إعادة تصميم البرامج التعليمية بهدف استئصال مجموعة من القيم السلبية السائدة في كل المجتمعات العربية مثل التمجيد المبالغ فيه للماضي ونغمات مدح الذات السائدة في التراث العربي وهزال الاستعداد لقبول النقد أو ممارسته والميل الجارف لإرجاع عيوبنا لعناصر خارجية والإيمان الواسع بالتآمر علينا مع ضئيل إيماننا بالتعددية والغيرية ونحيل اهتمامنا بحقوق الإنسان وحقوق المرأة ناهيك عن جرعاتٍ صاخبة من التزمت والتعصب وخلطٍ لا يتوقف بين الديني والدنيوي ناهيك عن مستوى مرتفع من الأدلجة في زمنٍ أصبح فيه الأيدولوچي هو الوجه الآخر لعملة الماضوية , فنحن في زمن تتخلى فيه البشرية المتقدمة عن الأيدولوچيات وتنحصر أدواتها في العلم والمعرفة وتقنيات الإدارة الحديثة لكل جوانب الحياة ومؤسسات المجتمع .
إن انغماسي خلال الأسابيع الماضية في مداولات مُطولة ومُعمقة ومُكثفة عن تطوير التعليم وتحديثه وترقيته جعلتني أتساءل : إذا كانت للتعليم خمسة أعمدة هي :
1- الفلسفة التعليمية .
2- المقررات والبرامج الدراسية .
3- المدرس .
4- التلميذ أو الطالب .
5- المكان الذي تتم فيه العملية التعليمية .
فهل لدينا الإرادة السياسية والوعي الإداري لأهمية العمل على تلك الاعمدة أو المحاور الخمسة بنفس القدر من الاهتمام والعناية ؟ وهل ندرك أننا لسنا بحاجةِ لعمليات تجميل وتحسين صورة (فيما يخص الاعمدة الخمسة المذكورة) وإنما نحن بحاجة لعملية إحلالٍ شاملةٍ وكاملةٍ لشيء آخر جد مختلف عما هو لدينا ؟ .

ولا يسعني أن أختم هذا الفصل دون أن ألفت الانتباه إلى أن حقيقة التعليم في دولة مثل فنلندا والذي يعتبر اليوم أحد أهم وأفضل وأرقى ثلاثة نظمٍ للتعليم في العالم (فنلندا وسنغافورة واليابان) هو تعليمُ مجاني من بدايتهِ إلى نهايتهِ ليس بحكم قرارٍ سياسي وليس بموجب توجه حكومي وإنما بنص الدستور الفنلندي . أقول هذا لأقطع الطريق على من يظن إنني أود سحب التعليم في مصر من أرضيتة المجانية لأرضية التعليم ذي الكلفة العالية . فالإيمان بأن عيب التعليم في مصر هو المجانية محض سطحية وعدم معرفة دقيقة بالكثير الذي ينبغي معرفته قبل الخلط في أي حديث عن تطوير التعليم .

وقد لاحظت من متابعتي لنظام التعليم في فنلندا و سنغافورة واليابان أن علاج التوسع الكمي في التعليم الجامعي عن طريق إلغاء المجانية لم يكن هو الحل في أية حالة من حالات التعليم الراقي في تلك البلدان . وإنما كان الحل هو إيجاد توازن (عملي ورقمي وكمي) بين أعداد من يتوجهون للتعليم الجامعي وأعداد من يتوجهون للتعليم المهني . فبهذا التوازن وحده نستطيع تجاوز أثر التوسع الكمي على نوعية التعليم الجامعي (وهو أثر سلبي يؤدي لانهيار المستويات). ومن أهم الأمثلة في العالم على قدرة مجتمع على إقامة هذا التوازن هو المثال الألماني، وفي ألمانيا فإن التعليم أيضًا مجاني (من بدايتهِ ولأعلى المستويات) .

وأختم هذا الفصل بتسجيل إيماني بأن تناول تطوير التعليم في مجتمع مثل مجتمعنا المصري سيكون دائمًا مآله الفشل إذا انطلق من منطلقات أيديولوچية، دينية كانت أو قومية . فنحن هنا بحاجة للاسترشاد – فقط – بنتائج ودروس وتجارب الآخرين الذين أنجزوا الرحلة نحو تعليم عصري متقدم ومبدع وخلاق ، كما أننا بحاجة ألا نستعمل أولئك الذين أوجدوا الداء لكتابة روشتة الدواء ؟


















الفصل السادس
تعليم عصري أو الطوفان

قبل الحديث عن إصلاح التعليم أي إصلاح الأضلاع الأربعة للتعليم (البرامج والمدرس والتلميذ و المدرسة ) فان الأهمَ هو صياغةُ الأهدافِ الاستراتيجيةِ للتعليم ثم وضع برامج تفصيلية تضمن ترجمة هذه الأهداف على مستوى البرامج التعليمية والمدرس والتلميذ والمدرسة. فخلال السنوات القليلة الأخيرة تشكّلت في ذهني معادلةُُ تربط بين أهدافِ التعليم الاستراتيجية وإيجادِ مواطنٍ عصريّ يتحلى بالقدراتِ المطلوبةِ في ظلِ تحدياتِ العصر وأيضًا إمكانية وجود كادرٍ بشري من القياداتِ الإداريةِ التنفيذيةِ العصريةِ التي بدونها لا تحقق المجتمعاتُ الطفراتِ المنشودة، فالتقدمُ الاقتصادي الكبير والمتسم بالعدالةِ الاجتماعيةِ وخلق فرصِ عملٍ جديدةٍ وإشاعةِ روحٍ إيجابيةٍ في المجتمع وتحقيق السلام الاجتماعي الذي يرافقه لحاقُُ بركبِ العصرِ والمدنيةِ هي مهمة تحتاج لكادر بشري من المديرين التنفيذيين العصريين الأكفاء ولا تحتاج لأكاديميين أو اقتصاديين ( وإن كانت لا تستغنى عن خبراتهِم في مجالاتها) . وقد اتضح لي من كثافةِ التعاملاتِ مع مئاتٍ من الأساتذة والطلاب في الجامعات الأمريكية والأوروبية التي أحاضر بها أننا نضيّع الكثيرَ عندما نبذل مجهوداتٍ كبيرةٍ في إصلاح الأبعاد الأربعة للعمليةِ التعليميةِ قبل إن نضع ورقةً استراتيجيةً تقول بوضوحٍ ما هو الهدف من العملية التعليمية ثم نضع الخطوات الإدارية التنفيذية التي تكفل تحقيق هذه الأهداف.

وفي ظني أن هناك مجموعةً من القيم (أوردت أمثلة لها من قبل) هي احترام الوقت و تقديس العمل الجماعي والإتقان والإيمان بالإبداع وبأن الموارد البشرية هي أهم عوامل التقدم والإيمان بعالمية المعرفة ثم قيمة زرع الروح التنافسية مع قيمةِ احترامِ التعدديةِ وقبول الآخر. هذه باختصار هي قيم العصر والتقدم التي يجب أن تعمل المؤسسة التعليمية على زرِعها في عقولِ وضمائر التلاميذ بجانبِ قدرٍ معقولٍ من المحصولِ المعرفي على مستوى العلومِ التطبيقيةِ والاجتماعيةِ والإنسانياتِ.

ووضع هذه الأهداف بشكلٍ محددٍ لا يحتاج لأكثرِ من بضع صفحات ثم تكون المهمةُ التالية هي وضع الإجراءات التنفيذية التي تكفل أن تكون المقررات الدراسية وبرامج تدريب المدرسين في خدمة هذه القيم .

إن الهوةَ شاسعةٌ بين تلاميذنا وتلاميذ العالم المتقدم لا في الذكاء وإنما في( القدرات المكتسبة) والتي هي عندهم ثمرة طبيعية لمؤسسات تعليمية تقوم على مجموعةِ القيم التي ذكرتها بينما يبقى التلميذُ لدينا أسيرَ جدرانٍ عاليةٍ لا قيمة لها من حشو الأذهان بالمعلومات والتلقين ناهيك عن مأساةٍ أخري هي كون الطالب لدينا يبقى طوال سني الدراسة في موضع المتلقي (المُستقبِل) بينما يبقى المدرسُ في وضعِ المُرسلِ (الباث) وهو وضع يؤدي لتكريسِ السلبيةِ وتحجيمِ القدرةِ على الإبداعِ وكتم أنفاسِ الحرية الفكرية وفي أحسن الأحوال فإنه مناخُُ عام قادر على تخريج (موظفين عموميين تقليديين ) في زمنٍ لم تعد فيه هناك حاجة للموظف العام التقليدي كما كانت علية الأمورُ في السابق – فمجتمعاتُ العصر في حاجةٍ لمواطنٍ خلاقٍ وتنافسي ومبدعٍ ويعمل في إطارِ فريقِ عملٍ ويطلب المعرفةَ والمزايا التنافسية من أي مصدرٍ (عالمية المعرفة) ويتوخى أن يكون قادرًا على المنافسة .

ولا اعتقد أَننى أُبالغ إذا قلت إن وضع ورقةٍ استراتيجيةٍ لأهدافِ العمليةِ التعليميةِ لدينا ثم وضع برامج ترجمة هذه الأهداف لواقع حي على مستوى البرامج التعليمية والمدرس والتلميذ والمدرسة هي الضمانة الوحيدة ليس فقط لتخريج مواطنٍ عصري فعال ومشارك وكحلٍ وحيدٍ لسلسلةٍ طويلةٍ من المشكلات قد تبدو للبعض غير ذات صلة بالموضوع إن كانت في الواقع لصيقة به إلى أبعد الحدود مثل ما يلي:
1 - تكوين كادر إداري عصري يقود الحياة الاقتصادية في ظل عالمٍ جديدٍ يقوم على المنافسةِ.
2- تكوين مواطن أكثر حماسًا للمشاركة في الحياة السياسية والحياة العامة.
3- تكوين مواطن يكون في سلامٍ مع نفسه ومع الآخر في مجتمعه ومع الآخر في المجتمعاتِ الأخرى عوضًا عن المواطن المستنفر الذي شاع في واقعنا والذي يمسك في يده بدون مبرر سيفَ جهاد لا طائل من ورائه بدلاً من أن يمسك في يده أدواتِ المنافسة العصرية والعمل والإبداع والتواصل مع مسيرة الحضارة الإنسانية .

وأكثر ما يزعجني أن نتحدث عن إصلاح التعليم دون أن تعكس أفكارنا أننا نعرف الصلة بين (التعليم) و (الحياة الاقتصادية)، وهي صلة واضحةُُ بجلاءٍ في المجتمعاتِ المتقدمة. فلو تمثلنا أن حياةَ الإنسانِ تتكون من ثلاثِ مراحلٍ (شبة متساوية المدد) فإن المرحلةَ الأولى تكون تحت مظلةِ التعليمِ والمرحلة الثانية تكون تحت مظلة الإدارةِ والمرحلة الثالثة تكون مرحلة التقاعد أو العمل الخاص. ولا شك أن المرحلةَ الأولى تسلم "الإنسان" للمرحلة الثانية حيث يكون الإنسان هو أساس أي نشاطٍ عمليٍّ. ويعني هذا أن المرحلةَ الأولى تقوم بتشكيلِ الإنسانِ لحسابِ المرحلة الثانية. ويعني ذلك أن المرحلةَ الثانيةِ تتسلم الإنسانَ بعد أن يكون قد تم تكوينه خلال المرحلة الأولى بناءً على معطياتٍ كثيرةٍ. وهكذا تتضح الصلةُ بين الإدارةِ والتعليم: فالإنسانُ الذي يصل لمؤسساتِ العمل خلال النصف الأول من العقد الثاني من عمره يكون مثل بناءٍ قد تشكل بكيفيةٍ معينةٍ خلال السنواتِ السابقة. فإذا كان ذلك كذلك، فإن التعليمَ تكون له انعكاسات على الإنسان خلال حقبة العمل في حياته لا يمكن التقليل من أهميتها.

والرسالة هنا أن (التعليم) ما هو إلاَّ أهمُ أداةٍ لتكوينِ الإنسان لخوضِ غمار المراحلِ التاليةِ من عمرِه – وعليه فإن ما يغرس في الإنسان من قيمٍ وطرقٍ للعملِ والتفكيرِ خلال المرحلة الأولى هو ما يترجم خلال المرحلة الثانية إما في شكلِ مواطنٍ إيجابيٍّ ومُنتجٍ ومُنافسٍ وفي حالةِ تمثيلٍ واضحةٍ لدرجةِ التحضرِ والتمدنِ والتقدمِ العلمي والتعليمي والثقافي وإما نقيض كل ذلك بدرجاتٍ ونسبٍ مختلفةٍ .

وإذا كان من الممكن وضع إستراتيجية بأهداف التعليم كما نريده لمستقبل أفضل في زمن قصير للغاية فإن المراحل التالية والتي تتمثل في جعل عناصر العملية التعليمية (البرامج التعليمية والمدرس والتلميذ والمدرسة كبناء وإمكانيات) تجسد هذه الأهداف الاستراتيجية الجديدة والتي تكلمنا عنها في هذا الفصل لا يمكن أن تكون بنفس السهولة فهي من جهة تتطلب استثمارات ضخمة كما أنها تستلزم إعادة تأهيل مليون مدرس وزرع تلك القيم في عقولهم وأساليب عملهم – وواضح أن ذلك أمر يحتاج لخطة مفصلة تقتضي التدرج كما تحتاج لعدد من السنوات قبل اكتمالها – ومن هنا تبرز قيمة الفكرة التي طرحتها مرارًا وأعني فكرة مراكز التعليم المتميز التي هي في النهاية ترجمة عملية للقول المأثور أن ما لا يدرك كله لا يترك كله.











الفصل السابع
التعليم و صناعة المستقبل

لا شك أن مصر قيادةً وحكومةً وشعبًا (ولا سيما الطوائف ذات النصيب الأوفر من التعليم والثقافة) مشغولون (ومنشغلون) بالعمل على أن يكون مستقبلُ هذا الوطن أكثر رخاءً ورفاهيةً واستقرارًا واتسامًا بالسلام الاجتماعي . ومعنى ذلك أن مصر (قيادةً وحكومةً وشعبًا) منشغلة بما يمكن أن نسميه "صناعة المستقبل" . ولا يساورني شك في أن معظم أفراد القيادة والحكومة والشعب يعنيهم مستقبل هذا الوطن وأن يكون مستقبلاً متسمًا بما ذكرناه من ملامحٍ وصفاتٍ؛ حتى لو كان الاختلافُ بينهم بالغ الاتساع وعميق الهوة فيما يتعلق بسبل ومناهج وطرق بلوغ ذلك الهدف الذي لا نظن أن هناك خلافًا بشأنه (ولا أستثني من ذلك إلاّ الطوائف التي قررت أن تتبنى أطروحات تخاصم العصر والعلم وثمار التمدن الإنساني – وهي طوائف تزدهرُ في ظروف المعاناة والتأخر والفقر والظلم كما أنها تندثرُ في ظروف الازدهار والاستقرار والسلام الاجتماعي) . ولكنني رغم تسليمي بحسن نوايا معظم الأطراف المعنية، أرى أن هناك ما يمكن أن يوصف بأنه خللٌ في الاهتمام والموازنة بين أدوات صنع المستقبل المنشود لهذا الوطن والذي تتضافر فيه عناصرُ الازدهار الاقتصادي والعدل الاجتماعي والاستقرار السياسي والسلام المجتمعي تضافرًا ينتج عنه مجتمعٌ صحيٌ تسمح ظروفُه بنوعية حياةٍ أفضل للغالبية العظمى من أبنائه . ففي اعتقادي أن صنع مستقبلٍ أفضلٍ لوطننا يعتمدُ على ثلاثة محاورٍ رئيسةٍ: محور اقتصادي ومحور سياسي ومحور فكري (تعليمي وثقافي) .
أما المحورُ الاقتصادي فيعني أن نتمكن من حل المشكلات العويصة التي اتسمت بها الحياةُ الاقتصادية في مصر خلال السنوات القليلة الماضية كنتيجةٍ حتميةٍ لسياساتٍ اقتصاديةٍ خاطئةٍ وضعت وطبقت في الخمسينات والستينات، وهي التي أوصلتنا لما بلغناه من ضعفٍ شديدٍ في الانتاجية وانهيارٍ مروعٍ في نوعية الإدارة والعمالة معًا مع انهيارٍ آخرٍ كبيرٍ في العلاقة التوازنية الحتمية بين (الحقوق) و (الواجبات) . ومنذ سنة 1991 بدأت مرحلةُ مواجهةٍ كبيرةٍ مع أسباب ضعف الاقتصاد المصري . ولا شك أن الكثير قد أُنجز على مستوى الإصلاح المالي، وأن قدرًا غير قليل قد أُنجز أيضًا على مستوى الإصلاح الاقتصادي . ولا يزال الجهدُ متواصلاً (ويجب أن يتواصل) لاستكمال عملية الإصلاح الاقتصادي . ولا شك أيضًا أن الإصلاح الإداري سيكون أحد أكبر التحديات المستقبلية، فليس من الممكن أن يحدث التطويرُ الاقتصادي المنشود تحت قيادة العناصر التي كُونت إداريًا في ظل عهودٍ سابقةٍ، فمديرو الأمس لم يكونوا في الحقيقة "مديرين" وإنما كانوا (رؤساء عمل) فقط – وبدهي أن هناك فارقًا هائلاً بين (الرئيس في العمل) و(المدير) . ومن المحتم حاليًا تقديم ثورة موازية في العناصر البشرية التي يُعهد إليها بالمواقع القيادية، على أن يكون واضحًا للغاية أنه لا يوجد (مفهوم شرقي) للإدارة في مواجهة (مفهوم غربي) لها، ولا يوجد (مفهوم عربي) للإدارة في مواجهة (مفهوم أوروبي أو أمريكي) آخر .. . إذ إن الإدارة الفعّالة والخلاّقة لا جنسية لها، وكل ما هناك هو "إدارة فعّالة" و"إدارة غير فعّالة" . ومن الضروري أن نُلَمِّح هنا إلى احتياج المؤسسـات الخاصة لتطوير نفسها إداريًا بنفس القدر، فالافتقارُ لنظم وهياكل وتقنيات ورجال الإدارة العصرية الفعّالة أمرٌ شائعٌ في مصر في القطاعين العام والخاص على السواء – وإن كان الإنصافُ يقتضي الإشارة لوجود عددٍ قليل من المؤسسات الخاصة بدأت منذ سنوات في التحول من مؤسساتٍ يديرها أصحابُها إلى هياكلٍ إداريةٍ عصريةٍ وراقيةٍ وتقوم على وجود نظمٍ وآلياتٍ وسياساتٍ وقواعدٍ هي من أسس النجاح الإداري والاقتصادي لأية مؤسسةٍ خاصةٍ تستهدفُ النمو والتفوق والجودة والمنافسة (لا سيما في مجالات التصدير) . وأما المحورُ السياسي، فيعني التوسع في التجربة الديموقراطية مع ما يعنيه ويقتضيه ذلك من تعديلاتٍ وتغييراتٍ تساعد على توسعة وتعميق الحياة الديموقراطية والتي لا شك أنها كانت مفقودةً تمامًا في الستينات وأنها كانت هزيلةً للغاية في أوائل الثمانينات وأنها الآن أكثر اتساعًا مما كانت عليه منذ عشرين سنة- وإن كانت المسافةُ بين (المتوفر) و(المأمول) لا تزال غير قليلةٍ . ورغم إيمان كاتب هذه السطور العميق بأنه لا مستقبل زاهر ومستقر لمصر بدون تواصل النمو في عملية الإصلاح الاقتصادي وعملية تعميق وتوسيع الهامش الديموقراطي – إلا إنني أعتقد أنهما (رغم أهميتهما القصوى) غيرُ قادرين وحدهما على صنع المستقبل الذي نبتغيه متسمًا بالرخاء والرفاهية والاستقرار والسلام الاجتماعي (وأضيف أيضًا: والتواصل الإيجابي والبناء مع مسيرة التمدن الإنساني) . بل أجزم أننا لو افترضنا حدوث نجاح اقتصادي هائل وتوسعة عظيمة في التجربة الديموقراطية، فإن ذلك المستقبل المنشود سيبقى غير متحقق لو لم تسر بمحاذاة (القاطرة الاقتصادية) و(القاطرة السياسية) قاطرةٌ ثالثةٌ هي قاطرة إصلاح وتحديث التعليم وفي نفس الوقت قاطرة النهوض بالمستويات الثقافية لشتى طبقات وفئات المجتمع .
أما التعليـم، فإن أية عملية تقييم لمؤسستنا التعليمية لا يمكن أن تكون علمية وموضوعية إلاُ إذا سبقتها إجابات عن الأسئلة التالية :-
- ما الأهداف أو الوظائف الاستراتيجية للعملية التعليمية ؟
- ما وضع المؤسسة التعليمية المصرية الراهن من وجهة نظر الأهداف الاستراتيجية للعملية التعليمية ؟
- إذا كانت المؤسسة التعليمية المصرية بوضعها الراهن لا تحقق الأهداف الاستراتيجية لعملية التعليم - فما آلية حل هذه المعضلة الكبيرة ؟
أما الأهداف الاستراتيجية للعملية التعليمية، فقد استقرت تجربة الدول العريقة في التعليم على أن لأية مؤسسة تعليمية في أية دولة عصرية هدفان أو وظيفتان إستراتيجيتان، أولهما: (وظيفة تعليمية بحتة) و ثانيهما: (وظيفة تربوية) . أما الوظيفة التعليميـة البحتة فتعنى باختصار تقديم مفاتيح و أسـس العلوم التطبيقية والاجتماعيـة والإنسانية المعاصرة بشكل يسمح بالبناء القوى على تلك الأسس في المراحل العليا للعملية التعليمية . وأما الوظيفة التربوية فتعنى غرس و تأصيل و تنمية و تثبيت مجموعة من القيم يمكن القول بأنها تنقسم بدورها إلي مجموعتين أولهما مجموعة القيم العامة أو الحياتية والتي تستهدف تكوين مواطن صالح . أما المجموعة الثانية فيمكن تسميتها بمجموعة قيم العمل في المجتمعات العصرية، وهي مجموعة كبيرة من القيم تأتى في مقدمتها قيمة العمل في فريق و قيمة تقديس الوقت وقيمة استهداف الإجادة و توخى الكمال و قيمة المنافسة بمعنى تخريج مواطن تنافسي يساهم في جعل المجتمع بأسره مجتمعًا تنافسيًا، و هذه المجموعة الثانية من القيم على أعلـى درجة من الأهمية لأنها بمثابة الجسر بين التعليم والحياة . فإذا كانت تلك هي القواعد التي على أساسٍ منها نقوم بتقييم المؤسسة التعليمية المصرية (بوضعها الراهن) واقتراح سبل تطويرها، فإن نظرة متفحصة لأداء مؤسستنا التعليمية اليوم تقودنا لنتيجة مؤلمة فحواها أن التعليم السائد الآن لدينا غيرُ قادر على إفراز النوعية البشرية المطلوبة لمواجهة تحديات العصر المختلفة بشكلٍ إيجابّي وفعّال . وذلك لوجود خلل كبير في الوظيفتين الاستراتيجيتين للعملية التعليمية .
فإذا نظرنا للوظيفة التعليمية البحتة والتي تستهدف إعطاء مفاتيح العلوم التطبيقية والاجتماعية والإنسانية، وجدنا أن كل ما قُدم من سبل للعلاج خلال السنوات القليلة الماضية كان ضعيف الأثر لأنة كان يهتم بالاعراض ويتجنب مواجهة أسس الأمراض . فالوظيفة التعليمية البحتة تشوبها اليوم الكثير من العيوب، لعل أهمها ما يلي :
 غلبة (الكم) بشكلٍ جارفٍ على (الكيف) .
 الإغراق في المحلية والضعف الشديد في الكونية أو العالمية التي تجعل الإنسان أكثر قدرة على معرفة العالم الخارجي ثم التعامل معه .
 فساد الذوق بشكلٍ عام في المسائل المتعلقة بالأدب والشعر والفن والرواية والقصة .
 قيام المؤسسة التعليمية على أساس (الحشو) و(حشر المعلومات والمعارف) في رؤوس التلاميذ – وهو أمر لا قيمة له على الإطلاق .
 وجود جوانب رجعية (محافظة) عديدة تشجع على أن يصير التلاميذ مادة خام لاستقبال الأفكار المخاصمة للعصر والحضارة والمدنية .
أما الوظيفة التربوية والتي تستهدف غايتين على أعلى درجات الأهمية هما غرس مجموعة أساسية من القيم العامة أو الحياتية بهدف إفراز مواطن صالح وغرس مجموعة مهمة من قيم العمل في المجتمعات العصرية بهدف إفراز مواطن فعّال وإيجابي وخلاق ومتقن للعمل وقادر على المنافسة . أما هذه الوظيفة، فإن مؤسستنا التعليمية تقوم بالقليل جدًا من شقها الأول (القيم العامة أو الحياتية) مع غياب ظاهر لمجموعة قيم عامة أو حياتية أساسية مثل قبول الآخر والقبول الموضوعي للنقد وعدم التعصب والاحترام العميق للخلافات العرقية والدينية والسياسية والفكرية والثقافية وكذلك ترسيخ ثقافة السلام (عوضًا عن ترسيخ ثقافة العدوان) . أما الشق الثاني من الوظيفة التربوية والذي يستهدف غرس قيم العمل في المجتمعات العصرية ، فإن برامجنا التعليمية خالية تمامًا من أي برامج تستهدف بذر وتثبيت القيم التي تفرز إنسانًا يصلح بشكل مناسب للعمل العصري . بل أكاد أزعم أن معظم القائمين على أمور التعليم لا يعرفون أي شيء عن هذه المجموعة من القيم وبالتالي والمنطقي فإن اهتمامهم بها منعدم .
ورغم أن أعدادًا كبيرة من المصريين اليوم يميلون ميلاً جارفًا للتهوين من حجم المشكلات بوجه عام والمعضلة التعليمية بوجه خاص ويميلون بالتالي للحلول الترميمية، فإن ذلك لم ولن يمنعنا من أن نكرر في العديد من المناسبات أن مؤسستنا التعليمية لا تحتاج للترميم وإنما لإعادة الصياغة من الألف إلى الياء – وأن كل ما يجري حاليًا من عمليات ترميمٍ في المؤسسة التعليمية بوجهٍ عامٍ وفي البرامج الدراسية بوجهٍ خاصٍ لن يكون بوسعه أن يقدم لمصر "العناصر البشرية" المطلوبة للسير بالمجتمع بالشكل الذي نتوخاه في ظل الظروف العالمية المعاصرة والمستقبلية .
أما عن المنهج المطلوب لإصلاح التعليم إصلاحًا يسمح بتخريج الإنسان العصري الذي تحتاجه مصر للتعامل مع حقائق وتحديات المرحلة الحالية والمراحل القادمة، فمن الضروري أن نبرز أن الإصلاح الكامل الشامل للمؤسسة التعليمية المصرية يقتضي إصلاح ثلاثة جوانب رئيسة من جوانب المؤسسة التعليمية وهى :
- البرامج والمقررات المدرسية.
- أحوال المدرس المصري (سواء المتعلقة منها بتكوينه وتدريبه أو المتعلقة منها بأجره وظروفه الحياتية).
- الأبنية المدرسية (والتي يفترض أن تكون مشتملة على كل الوسائل العلمية والمعملية والرياضية المنتظر توفرها في أية مدرسة عصرية( .
أما إصلاح البرامج والمقررات فهو البعد الوحيد القابل للتنفيذ الفوري شريطة توفر الرؤية والنظرة الفلسفية العصرية المطلوبة في واضعي إستراتيجيات التعليم (أي أن يكونوا من المنتمين للحاضر والمستقبل - وليس للماضي) .
أما إصلاح أحوال المدرس المصري والأبنية المدرسية المصرية فإنها عملية مركبة وذات كلفة بالغة الارتفاع، لذلك فمن المنطقي أن تكون لنا سياسة إصلاحية في هذا الصدد على المدى القصير وسياسة موازية طويلة الأمد. أما الإصلاح على المدى القصير فيتطلب عدم الانشغال بإصلاح المؤسسات التعليمية كلها في وقت واحد، وإنما انتقاء مجموعة من المدارس على مستوى الجمهورية قد تمثل ما لا يزيد عن 10% من عدد المدارس الكلي، ووضع برنامج محدد للرقي بهذه المجموعة المنتقاة على كافة المستويات، وبالتحديد مستوى المعلمين (المدرسين) ومستوى البرامج التعليمية ومستوى الأبنية التعليمية وما يتبعها من تجهيزات كالمعامل والمكتبات والملاعب الرياضية ومعامل اللغات الأجنبية وأجهزة الكمبيوتر. وتكون هذه المدارس (والتي قد لا تتجاوز 10% من عدد المدارس الكلي) هي نموذج التطوير المنشود . والهدف من الاكتفاء بعدد لا يتجاوز العُشر (10%) هو أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، بمعنى أن إصلاح كل المدارس في ذات الوقت هي مهمةٌ بالغة الصعوبة والكلفة.
وللتدليل على صواب هذا المنهج المتدرج وعلى استحالة الإصلاح الفوري الكلي لكل المدارس المصرية، فإنني اكتفي بملاحظتين :
 العدد الإجمالي للمدرسين في مصر اليوم يبلغ تسعمائة ألف مدرس . فإذا تخيلنا زيادة مرتب المدرس (في المتوسط) بما يعادل ثلاثة آلاف جنيهًا في السنة لتحسين ظروفه المعيشية تحسينًا طفيفًا، فإن تكلفة ذلك (إذا تم بالنسبة للجميع في وقت واحد) سوف تكون في حـدود ثلاثة آلاف مليون جنيهًا (هي تكلفة الزيادة في المرتبات فقط وليس تكلفة المرتبات الإجمالية) .
 أن التطوير الشامل والكامل للأبنية المدرسية على مستوى الجمهورية ولكل المدارس في نفس الوقت يحتاج لميزانية لا تقل عن خمسين ألف مليون جنيهًا (أي ما يعادل نصف الميزانية الإجمالية للدولة في سنة بأكملها).
وهكذا يتضح أن الحديث عن الإصلاح الكامل والشامل لكل المدارس والمؤسسات التعليمية في وقت واحد هو من ضروب المستحيل، وكل من يطالب بذلك بشكل فوري وحالي فإنه ينطبق عليه المثل المصري بأن من يده في الماء ليس كمن يده في النار . كذلك يدعم المنهج المقترح أنه طبق في العديد من الدول . ففي بريطانيا مثلاً توجد العديد من المدارس العادية، وهي ذات مستوى متوسط وأحيانًا أقل من المتوسط، ولكن إلى جانبها توجد مراكز التعليم المتميز وهو ما يشبه ما عرفناه في مرحلة ما تحت مسمى مدارس المتفوقين . حيث توجد مدارس هي بمثابة مراكز للتميّز (Centers of Excellence) على مستوى المدرس والتلميذ والمباني التعليمية والمكتبات والمعامل والتسهيلات الرياضية والبرامج التعليمية .
أما البرنامج الإصلاحي لكامل المؤسسة التعليمية، والذي هو بطبيعته برنامج طويل المدى ويستحيل أن ينجز بالكامل على المدى الزمني القصير أو المتوسط، فإنه يحتاج بداية لوضع ورقة استراتيجية تحدد ما الذي نطلبه من المؤسسة التعليمية (لاسيما قبل الجامعية) وما هي الأهداف التي نبغي الوصول إليها . وهنا، فإن أكبر مشكلة ستواجهنا هي أن معظم برامج التعليم (قبل الجامعي) عندنا اليوم هي برامج إما ضعيفة الصلة أو أحيانًا معدومة الصلة بالاحتياجات المجتمعية وفي مقدمتها احتياجات المجتمع الاقتصادي . فالتعليم يستهدف تقديم ما يسمى بالتعليم الحر أي القائم على التعرف على مناطق عديدة من مناطق المعرفة الإنسانية (دون أن يستغرقنا التخصص) ولكن هناك هدفًا آخر لا يقل أهمية وهو إعداد موارد بشرية ذات مواصفات خاصة تتطلبها الحياة الاقتصادية أي قطاعات العمل الانتاجي والخدمي . ولا شك عندي أن مؤسستنا التعليمية (وتحت ظروف الستينات والتي كانت مضادة لهذه الأهداف والتي كانت أيضًا تعمل على تخريج "موظفين عموميين" وهم كادر بشري اضمحلت الحاجة اليوم لهم، ناهيك عن افتقار مؤسستنا التعليمية منذ ذلك العهد لروح التعليم الحر الذي يخلط التعليم بالتثقيف بالاستنارة بغرس قيم الحضارة الحديثة وقيم العمل في ظروف الحياة الاقتصادية المعاصرة) . وسوف نكتشف أننا - ونحن نضع هذا التصور الاستراتيجي لهدف أو أهداف العملية التعليمية - في حاجة لتخليص المؤسسة التعليمية (وبرامج التعليم) من روح الحشر التي تتسم بها ومن روح التلقين واختبار القدرة على تخزين المعارف، وهي صفات غير ذات قيمة عالية بالنسبة للإنسان العصري الذي تحتاجه ظروفُ الحياة الاقتصادية المعاصرة.
كذلك سنكتشف أن معظم برامجنا الدراسية التي كان من المفروض أن تستهدف تحبيب التلاميذ في العديد من جوانب الإبداع الأدبي والفني قد نجحت في تبغيض التلاميذ في كل ما يُقدم لهم في هذه المجالات نظرًا للذوق السقيم الذي اتُصف به من عُهد إليهم باختيار البرامج والنصوص – فهم خلطة ما بين "الموظف العام الخالي من الموهبة والتذوق والإبداع" و"الإنسان المحافظ" كنتيجة طبيعية لظروف تكوينه التعليمي والثقافي والفكري والاجتماعي (فمن الأسهل أن يكون الإنسان محافظًا عن أن يكون تقدميًا وعصريًا ومتحررًا – فالاتجاه الثاني يتطلب قدرًا كبيرًا من المعرفة والثقافة وأحيانًا الذكاء) .

منقول عن الحوار المتمدن

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

Deprecated: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in /home4/gulffree/public_html/libraries/joomla/filter/input.php on line 656

Deprecated: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in /home4/gulffree/public_html/libraries/joomla/filter/input.php on line 659